Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة : الايمان بالله و الطاعة له حق من حقوق الله على البشر


:: 2013-12-27 [22:34]::
ام فضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمعة في مسجد الامام عبد الحسين شرف الدين في الحارة القديمة، وذلك بحضور حشد من المؤمنين، وفي ختام الصلاة ألقى فضيلته موعظة دينية جاء فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلقنا في أحسن تقويم ,و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله, و على اهل بيته الطيبين و صحبه المنتجبين, وجميع عباد الله المخلصين .
يتحدث الله تعالى إلينا في كتابه العزيز القرآن المجيد, فيقول : ( كلا و القمر (32) و الليل اذا ادبر (33) و الصبح اذا أسفر ( 34) انها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر ( 36) لمن شاء منكم ان يتقدم و يتأخر (37) ) لا يمكن الاستفادة من القرآن الكريم الا من خلال الدراسة الشاملة لكل آياته و سوره الشريفة, فهناك تكامل بين أجزاء القرآن حيث لا تفهم مقاصد بعض الآيات الا اذا تم مقارنتها مع باقي الآيات الاخرى, و الآيات المتقدمة هي من سورة المدثر الشريفة, و تتحدث هذه الآيات عن الذين كانوا يهزؤون من قريش بآيات الله, وخاصة تلك الآيات التي نزلت قبل الآيات المتقدمة, وهي تتحدث عن وعيد الله, و ما أعده للعصاة في الآخرة من انواع العذاب, ونحاول ان نتدبر في معاني هذه الآيات, حتى نستلهم منها الدروس و العبر في حياتنا الإيمانية و الرسالية, و ذلك من خلال المحطات التالية :
الخطاب العقلاني للقرآن الكريم
تحدث الله تعالى الى الكفار المنكرين لوجود العذاب بعد الموت قائلا تعالى لهم : ( كلا ) أي ليس صحيحا ما تقولونه عن القرآن الكريم في عدم صحة ما يقوله في شأن وجود الحياة الثانية, فإنكم تجهلون الكثير عن عوالم الخلق, و خاصة تلك المتعلقة بالإنسان, فحياة الانسان لا ينحصر وجودها فقط في عالم الدنيا, بل هناك عوالم أخرى سينتقل اليها الانسان, و يحاسب و يجازى فيها على أعماله .
ثم اقسم الله تعالى ببعض المظاهر الكونية, التي يعايشها الانسان و يتفاعل معها, فقال : ( و القمر (32) و الليل اذا ادبر (33) و الصبح اذا أسفر (34) ) اقسم تعالى بالقمر الذي يراه كل الناس, و يشاهدون منازله اثناء دورانه حول الارض, كيف يبدأ بالتكامل من أول الشهر حتى يصبح بدرا في منتصف الشهر , و بعد ذلك يتناقص حجم القمر الى ان يختفي في أواخره و يدخل في المحاق, و يشاهد الناس جمال ضوئه في الليل الذي يعكسه على الارض, وهو يستمده من نور الشمس.
و اقسم تعالى ثانيا بالليل, و هو آية كونية تحصل نتيجة دوران الارض حول نفسها, وخاصة عند غياب الجزء المواجه منها للشمس, و الليل له جماله و حكمته حينما يأوي فيه الناس الى المبيت و الراحة و السكينة, و الليل له حالات من البدء بحلوله بعد غروب الشمس, الى أن يبدأ الأدبار و الزوال ببزوغ فجر الصبح.
و أقسم تعالى ثالثا بالصبح حينما يسفر عن وجهه و يبدو ببياضه, الذي يتجدد معه نشاط الانسان و استعداده للعمل في تحصيل معاشه من جديد, و المتدبر في هذه الأقسام الثلاثة بالقمر و الليل و الصبح, يلاحظ ان هناك علاقة بين هذه الظواهر الكونية الثلاث, فالقمر يبدوا واضحا في الليل, و الليل يدبر بإسفار الصبح, انه مشهد تكاملي بين هذه المظاهر نعم هناك تكامل بين المظاهر الكونية, و هكذا هناك تكامل بين خلق الدنيا وخلق الآخرة, التي يحاسب فيها الله الانسان و يجازيه على أعماله, انه التكامل بين حياة الانسان مقابل موته و حياته ما بعد موته.
وأراد الله تعالى من خلال قسمه المتقدم, ان يحث الانسان على التدبر في هذه المخلوقات و غيرها, ليرى فيها مشهد الحكمة و ليأخذ منه العبرة بانه لا بد و ان تكون له حياة ثانية بعد الدنيا, و انه لمن العبث ان يكون الموت نهاية لوجود الانسان, و ليس له حياة أخرى, و نقرأ أيضاً في هذا القسم الالهي و غيره من الأقسام القرآنية, كيف ان الله تعالى يخاطب الانسان بحسب ما وهبه من العقل و الفطرة, ضمن منهج عقلاني يتناسب مع عقل الانسان وقدرته على الوعي و المعرفة, حتى يمكن له ان يهتدي الى خيره و صلاحه من خلال كلام الله تعالى.
و ليس صحيحا ان الخطابات القرآنية خطابات تعتمد على محض إيمان الانسان الروحي بالقرآن, بل الخطابات القرآنية تحاول ان تستثير العقل و الفطرة في الانسان, لذا علينا ان نعتبر ان الآيات القرآنية تخاطب عقولنا و وعينا قبل ان تخاطب قلوبنا ونفوسنا .
و الحديث عن المظاهر الكونية من القمر او الليل او الصبح او غيرها هو حديث عن مظاهر القدرة الإلهية و عظمتها التي لا حدود لها, بالإضافة الى تجلي الحكمة في قدرة الله تعالى مما يقود العقل الى الإذعان بتجلي الحكمة في خلق الانسان و إبداعه و إيجاده على هذه الارض. وكلما تدبر الانسان بعقله في آيات الله تعالى, كلما بدت له آفاق في معرفة الله تعالى .
الظواهر الكونية هي نذر للبشر :
ثم تحدث الله تعالى في الآيات المتقدمة واصفا المظاهر الكونية الثلاث قائلا :( انها لإحدى الكبر) اي احدى الآيات الكبرى و الداهية التي تدل على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته, وهناك آيات كثيرة في الكون, بل كل مظهر من مظاهر الخلق قل حجمه ام كبر هو أية تدل على عظمة الله تعالى, و على الانسان الا يتجاهل هذه الكائنات التي تحيط به من سماوية و ارضية تحيط به, فان لها دورا يكمن في دلالتها على وجود الله تعالى وحكمته, و هذا التجاهل يترتب عليه مسؤولية كبرى يتبعها وعيد و عتاب رباني للإنسان.
وليس ادل على ما تقدم من وجود دور للمظاهر الكونية من قوله تعالى:( انها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر) نعم المظاهر الكونية هي نذر للبشر و حجة عليهم, وتنذرهم من التهاون بأمر الله, فكل أية كونية تنادي بلسان حالها و وجودها, وتقول: أيها الناس, ان لكم خالقا حكيما أوجدكم على هذه الارض لتعبدوه و تؤمنوا به, وتنقادوا لإرادته و تتبعوا رسله و تتبعوا أنبياءه, لأنه سيحاسبكم و حسابه شديد و سريع و دقيق, وانتم لا طاقة لكم بذلك فارحموا أنفسكم قبل فوات الأوان.
الإيمان بالله حق الهي على الناس
كما أشار الله تعالى في الآيات المتقدمة الى حق من حقوقه على الناس, و هو ان يؤمنوا به و يسلموا بوجوده ويذعنوا بانه لا خالق غيره لهذه السموات و الارض, وحينما نقول بانه من حق الله على الناس ان يؤمنوا به, هو امر طبيعي لأنه هو المالك لهذا العالم و ليس من خالق غيره. ولا يحق لهم إنكار هذا الحق تماماً, و هو ظلم واضح وجور يستحق صاحبه عليه الحساب و العقاب, وهنا علينا ان ننتبه حينما نقول بانه من حق الله على البشر ان يؤمنوا به و يعبدوه, لا يعني ذلك انه تعالى هو بحاجة لإيمان الناس به او انه يخشى نكرانهم له, بل هو تعالى غني عن إيمان العباد به و نكرانهم له فلا ينقص ذلك النكران من شأن وجوده شيء, وهو تبارك متصف بالكمال المطلق وهو غني بنفسه عن غيره, و نحن البشر من نحتاج اليه تعالى في إيماننا به و طاعتنا له, فالإيمان بالله تعالى مصدر الخير و الصلاح للإنسان, لكن بشرط ان يكون هذا الإيمان صحيحا و كاملا.
و أشار تعالى بقوله : ( لمن شاء منكم ان يتقدم او يتأخر ) الى تعلق الإيمان بالله بمشيئة الانسان, فهو تعالى يريد منه إيمانا صادرا عن مشيئة, دون يكون مجبر عليه وهو قادر على اكراهه , و ليس معنى ذلك انه تبارك ترك موضوع الايمان للإنسان وهو حر فيه, بل المقصود ان الله تعالى لم يكرهه عليه, بل يختبره به في الدنيا, وسيطالبه في الآخرة. و يحاسبهم على التقصير اتجاه هذا الحق, وعليه فالمقصود بقوله: ( لمن شاء منكم ان يتقدم او يتأخر ) اي يتقدم بحمل الإيمان بالله عن مشيئة او يتأخر عن ذلك ويرفضه عن مشيئة, وهذا يدل على ان الانسان اذا رفض الإيمان بالله تعالى ليس لان الله غير موجود, او انه لم يثبت وجوده , بل لسيطرة الأهواء و الرغبات عليه, ومن هنا يوجد دور كبير المعاصي في أضعاف الإيمان .
ثم بعد الآيات المتقدمة التي تم تقدم الحديث عنها تتلوها آيات تتابع الحديث في نفس السياق, يقول تعالى فيها : ﴿كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحَـبَ الْـيَمِينِ (39) فِى جَنَّـت يَتَسآءَلُونَ (40) عَنِ الْـمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الْدِّينِ (46) حَتَّى أَتَـنا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَـعَةُ الْشَّـفِعِينَ (48)﴾
في الآيات الشريفة هذه يشير الله تعالى الى عدة أمور هي على صلة بالآيات السابقة, من ناحية الحق الالهي, فإذا كان من حق الله على العباد ان يؤمنوا به ايضا من حقه تعالى ان يطيعوه و يعبدوه, ثم ان الانسان في الآخرة سيكون رهينة اتجاه هذا الحق الالهي, و كشف تعالى عن بعض الأسباب و العلل التي تجعل الانسان يفرط بهذا الحق الالهي .
الانسان رهن عمله عند الله تعالى
تبين الآيات المتقدمة ان الانسان رهن عمله, ومن خلال هذا العمل يتحدد مصيره في الآخرة من دخول الجنة او النار, ويمكن لنا ان نقول ليس الانسان الا عبارة عن مجموعة من الأفكار و المعتقدات يحملها في نفسه, و التي يترجمها في الواقع الخارجي الى اعمال و سلوكيات و مواقف, و الانسان محاسب عليها قال تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) نعم مصير النفس مرهون عند الله بعملها, و المقصود بالعمل هنا الإيمان بالله و الطاعة له, فإذا أحسن الانسان القيام بهما خرج من هذا الارتهان الالهي, لان الذي رهن الانسان للإيمان بالله و الطاعة له هو الله تعالى, و المقصود بما كسبت هنا اي بما كسبت من الإيمان و الطاعة, وعليه فالناس على امتداد التاريخ البشري الى قيام الساعة ينقسمون الى قسمين امام هذه المسالة, فهناك من لم يؤدي حق الله وهناك من أداه, و الله تعالى تحدث عن هذين القسمين, وأطلق على القسم الثاني وصف اصحاب اليمين, و استثناهم من هذا الارتهان لان الذي يتم ارتهانه هو المقصر فقط في اداء ما عليه, لذا قال تعالى : ( الا اصحاب اليمين ) , فانهم عتقوا أنفسهم من عملية الرهن لأنهم أدوا ما عليهم .
لعل الله تعالى يشير في تسمية اصحاب اليمين بأصحاب اليمين الى انه تعالى وهب الانسان القدرة المكنى عنها باليمين ليستعين بها على الإيمان بالله و ترجمته الى طاعة الله تعالى , لذا الذين لم يستخدموا قدرتهم في هذا الإطار خسروا هذا اليمين لأنهم لم يكونوا أمناء عليه, وأطلق الله تعالى عليهم وصف المجرمين, كما أشارت الآيات المتقدمة لان المجرم هو من أساء استعمال قدرته ,قال تعالى مشيرا الى ذلك :( إِلاَّ أَصْحَـبَ الْـيَمِينِ (39) فِى جَنَّـت يَتَسآءَ لُونَ (40) عَنِ الْـمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ (42) ).
اخبرنا الله تعالى ان اصحاب اليمين هم اصحاب الجنة وان هناك حوارات تدور بينهم, منها ما يتعلق بمصير الكفار و المنحرفين, ثم نقلتنا الآيات من حوار اصحاب اليمين عن مصير غيرهم الى مشهد كيف ان اصحاب اليمين يحاورون اهل النار الذين سماهم الله مجرمين , و اخبرنا الله تعالى ان هؤلاء المجرمين هم في منطقة من النار تسمى بسقر لشدة العذاب فيها, و ركز اصحاب اليمين في سؤالهم للمجرمين عن السبب الذي جعلهم يدخلون سقر و يتعذبون فيه, الآيات المتقدمة تخبرنا عن اعتراف المجرمين بالأسباب التي أدت بهم الى دخول سقر, قال الله تعالى : (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الْدِّينِ (46) حَتَّى أَتَـنا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَـعَةُ الْشَّـفِعِينَ (48) ) قال المجرمون في الإجابة على سؤال اصحاب اليمين ؟ انهم استحقوا دخول النار لانحرافهم عن دين الله و كشفوا عن بعض هذه الانحرافات, و التي منها :
اولا : ترك الصلاة فقالوا : ( لم نك من المصلين) فترك الصلاة هو هدم للدين كما يكشف تركها عن سوء الإيمان بالله, وهو على حد الكفر, و الصلاة لها منزلة كبيرة عند الله تعالى.
ثانيا : تركهم العمل الاجتماعي بعدم مساعدة الفقراء و المساكين فقالوا : ( ولم نك نطعم المسكين) و يرمز عدم إطعام المسكين الى التخلي عن المسؤولية الاجتماعية, و خاصة المسؤولية اتجاه الطبقة المحرومة اقتصاديا, و الحرمان الاقتصادي يؤدي الى الفساد و الانحلال الأخلاقي .
ثالثا : تبنيهم الثقافة المنحرفة و الفاسدة في حياتهم, التي تدعو الى الانحراف, و هي عامل من العوامل التي تؤدي بأصحابها الى دخول العذاب الأليم في الآخرة, و أشار المجرمون الى هذا العامل بقولهم : ( وكنا نخوض مع الخائضون ), وهو الخوض في الأحاديث الفاسدة التي تضعف علاقة الانسان بالله تعالى.
رابعا : ان من العوامل التي ذكرها المجرمون ايضا وأدت الى دخولهم سقر, هي تكذيبهم بيوم الدين قال تعالى مخبرا عن قول المجرمين : ( و كنا نكذب بيوم الدين) , التكذيب هو اتهام النبي و القرآن بالكذب في حديثه عن وجود يوم القيامة و ما فيه من أهوال, فكان جزاء ذلك دخول العذاب الأليم .
و بعد ذلك أخبر المجرمون حسب النص القرآني انه لما جاء اجلهم, أيقنوا انهم كانوا من الخاسرين حيث لا ينفعهم بعد ذلك اي عمل يخرجهم من العذاب, قال تعالى مخبرا عن حديث المجرمين عن ذلك : ( حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48)) ,و حديث الله تعالى عن الحوار بين اصحاب اليمين و المجرمين , هو حديث مفترض بحسب علم الله اخبر به تعالى قبل حصوله ليكون عظة و عبرة للناس, و نسال الله تعالى ان ينفعنا بكتابه و يجعلنا ممن استناروا بهديه .
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه .




















New Page 1