Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة: الاسلام يستوعب طرح كل الخلافات بين المسلمين و يدعوهم الى الشورى فيما بينهم


:: 2014-01-03 [13:42]::

الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام و شرح صدورنا بنزول القرآن, و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله و على اهل بيته الأطهار, و صحبه الأخيار و جميع عباد الله الصلحاء, يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّـاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَـاباً مُّؤَجّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاْخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّـاكِرِين) لا يختص القرآن الكريم بعصر نزوله بل هو لكل العصور و الأزمان بما فيه عصرنا الحاضر , لان سنة الحياة قضت بان تتكرر فيها المناسبات بشكل دوري على امتداد التاريخ البشري , فهناك تشابه بين ظروف البشر على اختلاف عصورهم, و الآية المتقدمة هي من آيات صورة آلِ عمران الشريفة التي نزلت عقب احداث معركة احد, وهي تشير الى سلسلة أمور هامة, و نشير اليها من خلال العناوين التالية :
نبوة محمد صلوات الله عليه هي لكل العصور التي تلت بعثته
ختم الله تعالى النبوة ببعثة محمد بن عبد الله صلى الله عليه و اله و سلم و ليس من بعده أنبياء. قال تعالى:( و ما محمد الا رسول الله) فمحمد هو رسول الله إليكم أيها الناس, سواء كُنْتُمْ في زمن حياته ام كُنْتُمْ في اي عصر من العصور بعد رحيله الى قيام الساعة, و معنى ذلك ان يجدد المسلمون مشاعر الولاء و البيعة و الإيمان ببعثة النبي محمد, و يعيش الجميع شعوراً واحدا حيا ومتفاعلا اتجاه هذه البعثة الشريفة. ونحن في القرن الواحد و العشرين من السنة الميلادية, و في السنة الألف و أربعمائة و خمس و ثلاثين من هجرة النبي صلى الله عليه و اله وسلم ,فلا بد وان نشاطر المسلمين الأوائل الشعور نفسه اتجاه بعثة النبي محمد, ونشعر كانه بعث إلينا في عصرنا الحاضر برسالة الاسلام, ونعيش مع هذه الرسالة التي حملها إلينا صلوات الله عليه بكل وعينا, و نتحمل مسؤوليتها دون اي تردد او تهاون, و نؤمن بان الرسول الاكرم هو آخر الأنبياء ( قد خلت من قبله الرسل) فليس من بعده أنبياء, و الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى قد أرسلهم من قبله, وعلينا ان نعيش في عصرنا الحاضر مع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما عاش معه المسلمون الأوائل فنحمل مبادئه و تعاليمه و ندافع عنها كما فعلوا رضوان الله عليهم .
الاسلام يرفض عبادة الأشخاص :
الاسلام كما تشير الآية المتقدمة يرفض تقديس الأشخاص لشخصهم بل التقديس هو للدور الذي يحملونه, ومن هنا قال تعالى : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) هذا الشطر من الآية فيه تهديد و توبيخ للمسلمين, الذين كانوا مع النبي في معركة أحد و لما أصيب النبي في رأسه تصوروا بانه قتل, و اعتبروا بان الاسلام انتهى بقتله فهددهم الله تعالى بان الاسلام رسالة لا يرتبط مصيرها بحياة النبي و شخصه حتى تنتهي بموته, بل الاسلام هو رسالة مستمرة و أنتم مسؤولون عنها امام الله تعالى, و نقرأ ايضا في قوله تعالى : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) انه نداء الهي موجه الى كل المسلمين عبر العصور بما فيه عصرنا الحاضر, يدعونا الله تعالى فيه الى التمسك بالإسلام و بسنة النبي دون ان نتوقف عند قضية مرور الزمن على رحيل النبي, فكما خاطب الله تعالى المسلمين في معركة أحد و خاصة الذين فكروا بالارتداد عن الاسلام و العودة الى الكفر, و اعتبروا ان الاسلام ينتهي بموت النبي فانهم مخطئون لان الاسلام هو لله تعالى و ليس للنبي, و دور النبي هو حمل الرسالة و تبليغها الى الناس و موته لا يعني ان الرسالة انتهى دورها, فدورنا مرتبط بالله تعالى و حيث لا موت لله تعالى و لانهاية لوجوده او بداية له فرسالته خالدة, و من هذا المنطلق نرى بان الدين هو لله سواء بقي النبي حيا بين المسلمين او رحل عنهم, نعم مهمة الأنبياء هو تبليغ الرسالة .
أزمة المسلمين و تقديس الأشخاص :
في هذه الآية و خاصة في الشطر المتقدم قوله تعالى : ( أفإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم) هو خطاب موجه الى أبناء المسلمين, وخاصة الذين يتصدون لمهمة التبليغ وقيادة الرسالة و الدفاع عنها الا يقعوا في تقديس الأشخاص لان الاسلام باق و مستمر بإرادة الله تعالى, و ليس بحياة الدعاة أو المبلغين او القيادات لان هذه النظرة لها سلبياتها على وعي المسلمين, و تبعث على الشعور بالإحباط و الغلو, و سيعتبر الناس ان رحيل القيادات يؤذن بعدم وجود قيادات جديدة و بديلة. ان ما أراد الله تعالى من المسلمين هوان يؤمنوا بان هناك رعاية إلهية تتحرك لحفظ الاسلام, وكما وفقت هذه الرعاية الالهية و هيأت قيادات في العصور الماضية فإنها أيضاً ستهيئ قيادات مستقبلية ,ثم انه ايضا من مخاطر الغلو بالقيادات الاسلامية انه يدعو الى أضعاف القيادات المستقبلية , لذا الجمود على القيادات يهدد مصير الرسالة فالإسلام هو دائماً يتحرك بقوة نحو المستقبل لتهيئة قيادات جديدة.
الجماعات الاسلامية المتذبذبة لا تشكل خطرا على مصير الرسالة :
تحدث الله تعالى عن امر رابع مشيرا اليه بقوله : ( و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا. هناك جماعات تنتسب الى الاسلام ظاهريا و شكليا, و للأسف يتأثر إسلامهم بظروف المسلمين المادية فإذا تعرضت الى الاهتزاز اهتزت علاقتهم بالإسلام, و الله تعالى اخبر بان هؤلاء لن يضروا الله شيئا, و لن يشكلوا خطرا على مصير الرسالة, فالرسالة مستمرة بإرادة الله و مشيئته عبر المخلصين , و في ذلك إشارة الى ان الساحة الاسلامية لا تخلو من جماعات الاسلام اللامستقر, ثم انه ينبغي على المخلصين الثابتين الا يتأثروا بتحرك هذه الجماعات و الله تعالى يرعى اي مسيرة مخلصة في أهدافها و تحركها .
الجماعات الاسلامية المخلصة و التأييد الالهي لها :
هناك تكامل في الخطاب الالهي في القرآن الكريم حيث يعالج الموضوعات التي يتحدث عنها معالجة كاملة, فلا يتحدث عن جزء منها و يترك الجزء الاخر, فالله تعالى تحدث عن الذين تخلفوا عن نصرة النبي في معركة احد و وبخهم و هددهم, كيف انهم لما رأوا بان النصر المادي يميل لصالح الكفار تركوا النبي في ساحة المعركة لوحده مع المجاهدين المخلصين, و الله تعالى أشار الى هؤلاء الذين صمدوا و لم يهربوا من القتل في سبيل الله , فقال تعالى : ( و سيجري الله الشَّـاكِرِين ).و مجازاة الله للجماعات الاسلامية التي تبقى ثابتة على التمسك بالإسلام في أوقات الشدة, بان يؤيدها الله تعالى و ينصرها و لا يتخلى عنها و يحول ضعفها الى قوة و فقرها الى غنى, فانه تعالى بيده أسباب النصر و القوة لكنه تعالى يمتحن عباده في ساحة الدنيا حتى يميز المؤمن من غيره, كما ان الجزاء الالهي للمؤمنين المخلصين يشمل الدنيا و الآخرة .
الفرار من الجهاد لا يزيد في الاجل
أشارت الآية الثانية الى مشكلة الذين يبتعدون عن خط الجهاد في ساحة الصراع مع الأعداء و يحسبون انه قد يؤدي الى قتلهم و القتل لا يرغب به احد , فانهم يقيسون حياتهم بالمقاييس الدنيوية, لذا اصحاب هذه النظرة يهربون من ساحات الجهاد حفاظا على حياتهم و الى هؤلاء أشار الله تعالى بقوله :( و ما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله ).فالهروب من الجهاد لا يزيد في اجل الانسان, كما ان الدخول في ساحات الجهاد لا ينقص من الأجل, فلكل إنسان اجل يموت فيه. ثم ان البعض قد يقول بان احتمال قتل الانسان في ساحات الجهاد اكثر من احتمال موته في غير ساحات الجهاد, هذا صحيح نسبيا لكن ليس بالمطلق, و معادلة الموت و الحياة لا بد و ان تتم بطريقة أخرى, وهي ان الموت لا محالة حاصل لأي إنسان, و الموت للبشر سنة إلهية و الله تعالى لم يكتب الخلد لأحد في هذه الحياة الدنيا بما فيهم الأنبياء و الرسل الذين هم أحب الخلق و العباد الى الله تعالى. و الانسان البصير ينظر الى الموت بانه محطة لا مفر منها و لامهرب, لذا ينصب تفكيره ليس على الموت بل الى ما بعد الموت, فهناك ما يجب الوقوف عليه لان ما بعد الموت ليس الا النعيم او الشقاء, و يعتبر ان قيمة الحياة الدنيوية تكمن بان تكون في سبيل تحقيق الحياة السعيدة بعد الممات , وهذا لا يتحقق الا بتحصيل طاعة الله و تقواه في الحياة الدنيوية, و ما قيمة الحياة الدنيوية اذا كانت تؤدي بصاحبها الى الدخول في الشقاء و العذاب. لذا قد تقتضي مصلحة الانسان التضحية بحياته الدنيوية, و هذا الامر لا يقدم عليه الا من عاش حقيقة الإيمان و اليقين بالله تعالى, لذا كان المجاهدون على درجة كبيرة من الإيمان ومن هنا يحتاج الجهاد الى نفوس مؤمنة, لا تهاب الموت او القتل في سبيل الله قال تعالى : ( ... كتابا مؤجلا) فلكل إنسان كتاب يتحدد فيه اجله و نهاية حياته .
دور الإرادة في تنمية الإيمان و تهذيب النفس :
ثم تحدث الله تعالى في الآية الثانية عن أهمية الإرادة و دورها في النفس البشرية على صعيد العلاقة مع الله تعالى, فالله تعالى ينظر الى نفس الانسان و الى باطنها و ما تحمله في داخلها من نوايا و أهداف و رغبات اتجاه العلاقة معه, فإذا وجد الله تعالى ان الانسان يحمل في نفسه إرادة السعي الى تحصيل رضا الله تعالى و التقرب منه فانه تبارك يوفقه الى تحقيقها و يزيده فضلا و رعاية في ذلك, بينما اذا وجد الله تعالى ان عبده معرض عنه و لا يحمل في نفسه ارادة السعي لتحقيق رضاه و هو مقبل بكل باطنه على الدنيا, فانه تعالى يوفقه للحصول على رغباته الدنيوية, و يحرمه التوفيق من السعي لآخرة مليئة بالنعم و الرضوان. قال تعالى : (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاْخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّـاكِرِين) وهذا الشطر الشريف من الآية يدعونا الى تهذيب أنفسنا و تربيتها و ترويضها على حمل الإرادات التي توافق رضا الله تعالى, و المقصود بالإرادات هنا الرغبات النفسية التي يسعى صاحبها و يريد تحقيقها, لذا علينا ان نحذر ان نحمل في انفسنا رغبات محرمة لا يريدها الله تعالى, و لا احد يقول في نفسه انها مجرد رغبة نفسية لا تقدم و لا تؤخر, فانه تعالى سيؤتي كل نفس رغباتها .فمن كانت رغباته متعلقة بطاعة الله تعالى فانه يوفقه اليها, و من كانت رغباته النفسية متعلقة بالمعاصي و السيئات فانه يوفقه ايضا اليها. وختم تعالى الآية الثانية واعدا بانه سيجزي الشَّـاكِرِين له و الراغبين في مرضاته, قال تعالى : (و سنجزي الشَّـاكِرِين )و الآية الثانية مرتبطة بالآية الاولى و محور الآية الاولى هو الدعوى الى التمسك بخط النبي محمد صلى الله عليه و اله و سلم .
الاسلام يسع طرح كل الخلافات بين المسلمين و يدعوهم الى الشورى فيما بينهم :
شكل رحيل النبي صلى الله عليه و اله و سلم عن أمته في الثامن و العشرين من شهر صفر من السنة العاشرة للهجرة ألما كبيرا ,ولكن الله تعالى هيأ المسلمين لمواجهة أعباء هذا الرحيل الذي شكل فاجعة ليس للمسلمين في عصر رحيله, بل لنا نحن أيضاً في هذا العصر . فحياة النبي تشكل نعمة إلهية لكن الله تعالى قضى و قدر ان تشمل سنة الموت حياة الرسول الأكرم, و لم يكن تعالى ليقبض رسوله اليه الا بعد ان أدى هذا الرسول صلوات الله عليه تبليغ الرسالة بتمامهما و كمالها.
وعلينا نحن المسلمين ان نستوعب قضية رحيل النبي, لأنها مسؤولية كبرى و علينا ان نتحمل بصدق و اخلاص حتى نستطيع ان نحفظ الرسالة . لقد عاش المسلمون أزمة بعيد رحيل النبي أوجدت شقاقا فيما بينهم حول من يخلفه في قيادة الامة, و لا زال هذا الخلاف قائما الى الان, وشكل ساحة يعمل الأعداء على استغلالها وزرع الفتن فيها بين المسلمين . و لكن ما حصل لا يبرر ان تصل الأمور الى ما وصلت اليه, ثم ان الاسلام يستوعب طرح كل الخلافات بين المسلمين و يدعوهم الى الشورى فيما بينهم و ان يسمعوا لبعضهم البعض و ان يحترموا نظرة كل فريق فيما يخصه حول قضية الإمامة, ويعالجها من خلال الاطر العلمية. فالاسلام للجميع و يجب ان يكون جميع المسلمين للاسلام و ما يجمعنا كمسلمين هو أكثر مما يفرقنا .وفي الواقع خلافات المسلمين لا تفرض عليهم الصدام وأي صدام يحصل فهو نتيجة الاستغلال السياسي لها, و نؤكد مجددا انه لا بد من احترام الخلافات, و رفض التعيير بينهم و استفزاز كل طرف للاخر. و لا يعني حديثنا هذا هو دعوة الى إلغاء التعددية المذهبية و جعلها مذهبا و احدا, بل المطلوب الانفتاح عليها و عدم جعلها أساسا في علاقات المسلمين ببعضهم البعض و رفض تسييسها .
ومن المؤسف اننا نجد ان العلاقات بين المسلمين تتراجع من سيئ الى أسوأ , بينما علاقاتهم مع غيرهم يسودها الهدوء و التفاهم, فالإسلام يدعو الى الحوار مع غير المسلم بالحكمة و الموعظة الحسنة و بالتي هي أحسن, فمن ناحية أولى يدعو المسلمين الى الحوار فيما بينهم.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه


New Page 1