Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لفضيلة العلامة السيد محمد علي فضل الله


:: 2014-01-04 [21:32]::


بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، وَأفَضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَى أَشْرَفِ خَلْقِ اللهِ وأعزِّ المُرسَلينَ سَيِّدِنَا وحَبيبِنَا مُحَمَّدٍ رسولِ اللهِ وعلى آلهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأصحَابِهِ الأخيَارِ المُنْتَجَبين.
قال الله تعإلى في كتابه العزيز متحدِّثا عن رسوله الكريم: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {التوبة: 128}، وقال تعإلى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ {محمد: 2}.
مَرَّت علينا منذ أيام ذكرَى وَفاة خَاتَم الأنبياءِ، الرَّسولِ الأعظمِ، مُحمَّد بِن عَبدِ الله(ص)، والذي بَعثَه اللهُ إلى الناسِ كافَّةً.
والرسولُ(ص)، هو الشَّخصيَّةُ الرِّساليَّة الأولى التي نرتَبِطُ بِهَا في حَياتِنَا الرِّسَاليَّة، وهو الذي نأخذ عنه معالم ديننا وتشريعاتنا. وقد أكّدَ القرآنُ الكريمُ هذا المَعنَى في حَديثِه عَن الرَّسولِ(ص) حيثُ جَاءَ فيه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {الحشر: 7} . فالرَّسولُ هوَ أمينُ اللهِ المؤتَمَنُ على الرِّسالَة، وهو المُبَلِّغُ عَنِ الله في كُلِّ مَا يُريدُ اللهُ للنَّاس أنْ يَسيِروا فيه في خَطِّ الصَّلاح، وفي خطِّ الاستقامَةِ وفي خطِّ الخَير.
ولذلك، لا بُدَّ لَنَا مِن دِراسَةِ حَيَاة الرَّسول(ص)، لأنَّها تَزخَرُ بالعِبَر والدُّروس، لأنَّ الرِّسَالَة بالنِّسبَةِ إلى الرَّسولِ كَانَت تُمَثّل كُلَّ حَيَاتِه وكُلَّ حَرَكَتِه.
وهَكَذا نَقرَأ في سيرَتِه(ص) أن َّإحدَى زَوجَاتِه –وهي السَّيدَة عائشة- سُئلَت: صِفِي لَنَا أخلاقَ رَسولِ الله فقالَت: أُطنِبْ أَم أُوجِز؟ فقالوا لَهَا: أَوجِزي، فَقَالَت: كَانَ خُلُقُه القُرآن. وهذا ما نتعلّمه من الرَّسول، أن نكون قرآنيين، بحيث نجسّدُ مفاهيمَ القرآنِ مِن خِلالِ التِزَامِنَا بكُلِّ الأبعادِ التَّشريعيَّة والأخلاقيَّة والعِبَاديَّة المذكورَةِ في القرآن، وأن لا نكتفي بِتِلاوَتِه فَقَط، لأنَّ الرَّسولَ يَشكو إلى الله تعإلى في يوم القيامة مِن كُلِّ هؤلاءِ الذين يُصبِحُ القرآنُ عندَهُم كِتَابًا للزِّينَة أو للبَرَكَة أو للخِيرَة؛ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا {الفرقان: 30}، وجاء في تفسير (مجمع البيان) في تفسير هذه الآية قال: والمعنى: جَعَلوه مَتروكاً، لا يَسمَعُونَه و لا يَتَفهَّمُونَه.
وكان الرسولُ(ص) أيضًا هو القائدُ الَّذي يُشاركُ أتباعَه وأنصارَه في طريقَةِ عَيشِهم وأسلوبِ حيَاتِهِم فكانَ يُعاني كَمَا يُعانُونَ مِنَ الجُوعِ ويَقفُ مَعَهم في الحَربِ في الصُّفوفِ الأماميَّة، حتَّى وَرَدَ عَن عَليٍّ (ع) أنَّه قال: كُنَّا إذا احمَرَّ البأسُ ولَقيَ القومُ القومَ، اتَّقَينَا برسُولِ الله(ص) ، فَمَا يكونُ مِنَّا أحدٌ أدنَى مِنَ القَومِ مِنه. فلم يكن يلوذ بالصُّفوفِ الخلفيَّة، ولم يكن يفتِّش عن الأمان لنفسِه دون أن يهتمَّ بأصحابه وأفراد جيشه، بل كان قائدَهُم وفردًا منهم، وأوَّلهم في جهاد العدوّ..
وكان(ص) يمثِّلُ القائدَ الذي يَدعُو النَّاسَ إلى مُسَاءَلَتِه دَائماً، مِن خِلالِ تَقديمِه لِحسَابِه أمَامَهُم. فَقَد رُوِيَ أنَّه لَمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ المَرَضَ الذي تُوُفِّيَ فيه، خرج (ص) مُتَعصِّباً بعمامتِه مُتَوكِّياً على قوسِه -بسبب اشتداد المرض عليه. وخروجه(ص) بهذه الحالة يعني أنّ لديه أمرً مهمًّا يريد أن يقوله إلى النَّاس-، حتَّى صَعَدَ المِنبَر، فَحمِدَ الله وأثنى عليه ثمَّ قال: يا مَعشَرَ أصحَابي، أيَّ نبيٍّ كنتُ لكُم؟ ألَم أُجَاهِد بَينَ أَظهُرِكُم؟ ألَم تُكسَر رُبَاعيَّتي؟ ألَم يُعَفَّرْ جبيني؟ ألَم تَسِلِ الدِّمَاءُ عَلَى حُرِّ وجهي حتَّى كَنَفَت لِحيَتي؟ ألَم أُكابِدِ الشِّدَّة والجُهدَ مَعَ جَمَال قومي- أي مجمل قومي-؟ ألَم أربِط حَجَرَ المَجَاعةِ علَى بَطني؟ قالوا: بلَى يا رسولَ الله، لَقَد كُنتَ للهِ صَابراً، وعَن مُنكَرِ بَلاءِ اللهِ نَاهِياً. فَجَزاكَ اللهُ عنَّا أفضلَ الجَزَاء.. قال: إنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ حَكَم وأقسَمَ أنْ لا يجوزَه، ظُلمُ ظَالَم، فَنَاشَدتُكُم بالله، أيُّ رجُلٍ مِنكُم كانَت لَهُ قِبَلَ مُحَمَّدٍ مَظلَمَةٌ إلا قَامَ فَليَقْتَصَّ مِنه فالقَصَاصُ في دار الدُّنيَا أحبُّ إليَّ من القَصَاصِ في دَارِ الآخِرَة عَلَى رُؤوسِ المَلائكَة والأنبيَاء. فَقَام إليه رَجُلٌ مِن أقصَى القَومِ يُقَالُ لَهُ سوادة بني قيس، فقال له: فِداكَ أبي وأمِّي يا رسول الله، إنَّك لمَّا أقبلتَ مِنَ الطَّائفِ استقبَلتُكَ وأنتَ عَلَى نَاقَتِكَ العَضْبَاء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ولا أدري عمداً أو خطأً فقال (ص): مَعَاذَ الله أن أكونَ تَعَّمدْتُ، ثُمَّ قَال: يا بِلال.. قُمْ إلى مَنزِلِ فَاطِمَةَ، فَأْتِنِي بالقَضِيبِ المَمشُوق. فخرج بلال وهو ينادي في سِكَكِ المَدينَة: مَعَاشِرَ النَّاس، مَن ذا الذي يُعطي القَصَاصَ مِن نَفسِه قَبلَ يَومِ القِيامَة، فَهذا مُحَمَّدٌ (ص) يُعطي القَصَاصَ مِن نفسِه قَبلَ يومِ القِيامَة، ثمَّ جَاءَ بلال حتَّى ناولَ القَضيبَ لرسولِ الله(ص) فقالَ(ص): أين الشيخ؟ فقال الشيخ: ها أنا يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال(ص): تَعَالَ فاقتصَّ مِنيِّ حتَّى تَرضَى، فقال سوادة: فاكشِف لي عَن بَطنِكَ يا رسولَ الله، فكَشَفَ (ص) عَن بَطنِه، فقال سوادة: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ الله.. أَتَأذَنُ لي أنْ أضَعَ فَمي عَلَى بَطنِك؟ فَأذِنَ(ص) لَه، فقال: أعوذُ بِموضِعِ القَصَاص مِن بَطنِ رسولِ اللهِ مِن نِار يَومِ النَّار. فقال رسول الله (ص): يا سوادة بن قيس! أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله، فقال (ص): اللَّهمَّ اعفُ عَن سوادة بن قيس، كَمَا عَفَا عَن نَبيِّكَ مُحمَّد.
وهكذا أيها الإخوة، نرى كيف أنَّ رسول الله لم يعش في حياته الكِبرياء على الناس من خلال موقعه، بل جاء ليقول: إنَّ على القادَة وأصحابِ مواقعِ المَسؤوليَّة أن يقدِّموا حِسَابَاتِهِم للنَّاس في كُلِّ مَا عَمِلُوه في فَترَةِ مسؤليَّتهم، وإنَّ الموقع لا يعطي الحصانة من النَّقد ولا يعطي الحصانة التي تحميه من تحمُّل المسؤوليَّة تجاه الأخطاء. حتَّى إنَّ رسول الله المعصوم من الخطأ والَّذي ضمِن الله له من عنده الجنَّة، يتحمَّل مسؤوليَّة أعماله أمام النَّاس وأمام الله تعإلى ويقدِّم حسابه إليهم، وعلى الرُّغم من أنَّه غير ملزمٍ بذلك، إلَّا أنَّه أراد ان يقدِّم لهم المثَل.
وهذا ما نقرؤه في سيرة عليٍّ(ع) تلميذِ رسول الله وربيبه الذي تربَّى في حجره، والَّذي تعلّم منه، حيث كان يقول: لا تُخَالِطُوني بالمُصَانَعة – بأن تتصنَّعوا أمامي التقدير والاحترام والموافقة على آرائي وعدم المناقشة فيها، بل كونوا عفويِّين وعاملوني كما يتعامل أحدكم مع بقيَّة النَّاس من حوله-، ولا تَظنُّوا بِيَ استثقَالاً في حَقٍّ قِيلَ لي، ولا التِمَاسَ إعظامٍ لنفسي، فإنَّه من استَثقَلَ الحقَّ أن يُقالَ لَه أَو العَدل أن يعرض عليه كان العملُ بهما أثقلَ عليه، فلا تَكُفُّوا عَن مَقَالَةٍ بِحَقّ أو مَشُورَةٍ بِعَدل، فإنِّي لَستُ في نَفسي بِفَوق أنْ أُخطِئ، ونحن نعلم أنَّ عليّا لا يُخطئ، لأنَّه مَعصُومٌ مِن قِبَلِ اللهِ تعإلى بآيةِ التَّطهير، وكذلك فإنَّ رسولَ الله لا يُخطِئ، فهو كَمَا جاء في القرآن وما ينطق عن الهوى، ولكنّهما يعلّمان الناس أنّ لا يقبلوا بالظلم وأن لا يسكتوا على الظالم لمجرّد أنَّه صاحب سلطة.
أيُّها الإخوة المؤمنون.
في ذكرى رسول الله(ص)، علينا أن نفكِّر كيف نكون من أتباعه حقًّا، قولًا وعملًا واعتقادًا، لأنَّ انتماءنا لرسول الله، وانتماءنا للإسلام هو انتماء العمل، وأحسن العمل وأفضله هو ما وافق عمل رسول الله(ص). ولذلك علينا أن نراقب أعمالنا وأعمال أهل المسؤوليَّة في مجتماعتنا من خلال هذا المعيار، فإذا وافقت عمل رسول الله(ص) وأخلاقه، عرفنا أنَّنا على صواب وإلَّا فإنَّ علينا أن نصلح من أنفسنا إن كنَّا صادقين في انتمائنا وفي تحمّلنا لمسؤوليَّاتنا.
ومن هنا نطلُّ على ما يجري في عالمنا العربيِّ والإسلاميّ، الَّذي تعيثُ فيهِ الجماعاتُ الإرهابيَّةُ فسادًا، وترتكبُ جرائمَها الوحشيَّةَ باسم الإسلام، والإسلامُ منها بَراء، فقد جاء رسول الله رحمةً للعالمين، في حين يقدّم هؤلاء أنموذجاً مشوّهاً ووحشياً يعبّر عن عقليَّةٍ متخلِّفة ومجرمة، تمثِّلُ امتداداً لعقليَّةِ الخوارج، وتنبعُ من فكرٍ وهَّابيٍّ حاقد، كان دائماً وبالاً على الأمّة وعَضُداً للاستكبارِ وأعداءِ المُسلمين.
وهاهي جرائمُهم تمتدُّ اليوم، لتطالَ الأبرياءَ من جديدٍ في قلب الضَّاحيةِ الجنوبيَّة، حيثُ سقطَ عشراتُ المدنيِّينَ في تفجير حارة حريك، بعد أن ضربَ هذا الإرهابُ هذه المنطقةَ العزيزة، مراتٍ عديدةً قبلَ ذلك، وباتَ خطراً داهماً على البلد، من خلال السَّعي الحثيثِ لإشعال نيران الفتنة بالتفجيرات المتنقِّلة هنا وهناك، حيثُ تسعى هذه الجماعاتُ الَّتي تدعمُها جهاتٌ إقليميَّةٌ معروفةٌ بتاريخِها في العمَالَة للغرب واحتضانِها للفِكرِ الوهَّابيّ إلى تأجيجِ الفتنةِ السنّيَّة - الشِّيعيَّة، الَّتي تُعتبرُ إسرائيلُ أكبرَ المُستفيدينَ منها، كما تستهدفُ المقاومةَ من أجلِ تحقيقِ ما فشلَ الأعداءُ في تحقيقِه في إستهدافاتِهم المتكرِّرةِ لها.
إنَّ من واجبِ الجميعِ في لبنان، أن يرفعوا الصَّوتَ عالياً في وجهِ هؤلاء التكفيريِّينَ القتَلَة، كما إنَّ على جميع السِّياسيِّين، أن ينتبهوا إلى خطورةِ الوضع، وخصوصاً أولئكَ الَّذين يكشفون في كلِّ يومٍ ومَعَ كلِّ حَدَث، عن عُمقِ ارتباطهم بالمشاريع المُعاديَة للمقاومَةِ والهادِفَة إلى إشعال الفتنة، وقد تعالَت أصواتُهم النَّشازُ الأسبوعَ الماضي بعد تفجيرِ بيروت، لتنفخ في بوق الفتنة وتقدم الخدمات المجانية للصهاينة، وليس ذلك بمستغربٍ على هؤلاء الَّذين كانوا خلال حربِ تمُّوز 2006م أقربَ إلى العدوِّ، حيثُ إنَّ خطابَهم المذهبيَّ والتَّحريضيَّ ضدَّ المقاومة يكشفُ خلفيَّاتِ من يدعمُهُم ويوجِّهُهُم.
إنَّ هذه التَّفجيرات الإجراميَّة والجبانة التي تستهدف المدنيين العزّل، لن تزيد شعبنا إلا ارتباطاً بالمقاومة، وتأكيداً على مواجهة أخطار الفتنة، وإحباط مخططات الإستكبار والصهاينة، حيث أنَّ هؤلاء التكفيريِّين ليسوا إلا خدماً تابعين للإستكبار، يحاولون تفتيتَ المنطقةِ العربيَّة والإسلاميَّة على أساسٍ طائفيِّ ومذهبيٍّ، حتَّى تسقُطَ وتنهار، وهذا ما نراهُ كلَّ يوم، في سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس...
غير أنَّ هذه المشاريع لن تُفلِحَ في تحقيقِ أهدافِها، وستتهاوى بفعلِ وَعيِ وصَبرِ وتضحياتِ المُخلصين، وبفعلِ جهادِ وعزيمة المقاومين، كما لن تُفلح كلُّ الأصواتُ النَّشازُ والمحاولاتُ الحاقدةُ في النَّيلِ من المقاومة، الَّتي ستبقى بعون الله تعالى نقطةَ الضَّوءِ السَّاطِعَة في الأمَّة، حتَّى يُمَكِّنَ اللهُ للمؤمنين، ويمنَّ عليهم بالنَّصرِ على قِوى الظُّلم والبَغي والطُّغيان.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا {الطًّارق:15-16-17}
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ {التوبة:105}
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.


New Page 1