Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة يتحدث عن الحياة الروحية في الاسلام


:: 2014-02-07 [22:09]::
أم فضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمعة في مسجد الامام عبدالحسين شرف الدين (قده) بحضور حشد من المؤمنين، وبنهاية الصلاة ألقى فضيلته موعظة دينية جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله بديع السموات و الارض و الصلاة و السلام على محمد وآله و صحبه و جميع عباد الله الصالحين .

يقول الله تعالى : ( فلولا اذا بلغت الروح الحلقوم (83) و أنتم حينئذ تنظرون ( 84) و نحن أقرب اليه و لكن لا تبصرون (85) فلولا إن كُنْتُمْ غير مدينين (86) ترجعونها إن كُنْتُمْ صادقين (87) ) .

1- الحياة الروحية في الاسلام :

تنقسم حياة الانسان الى قسمين حياة روحية و حياة مادية وهذا التقسيم نابع من كون الانسان عبارة عن روح و جسد, و تشكل الروح الأصل بينما الجسد هو بمثابة الثوب الذي تلبسه الروح في هذه الحياة الدنيا و تبقى لابسة له الى ان يحل الأجل الذي يفرض عليها خلع هذا الثوب المادي و تركه في الدنيا.

وحياة الروح تختلف عن حياة الجسد الا ان الله ربط بينهما وجعل بينهما وحدة حيث يشعر الانسان بأنهما واحد لكن في الحقيقة هما اثنان, ثم انه من ناحية ثانية هناك متطلبات للجسد هي أساس قوامه وحياته من الطعام و الشراب و الملبس و المسكن و الدواء, و هناك متطلبات للروح هي أساس استقامتها من العلم و المعرفة و الإيمان و الأخلاق المستقيمة وجعل الله الملذات المادية ملذات تأنس بها الروح لكن الله تعالى وازن بين متطلبات الروح و متطلبات الجسد دون طغيان احدهما على الاخر, فهناك ما يصلح الجسد و هناك ما يفسده كما ان هناك ما يصلح الروح و هناك ما يفسدها, فالطعام الطيب فيه صلاح للجسد كما ان الطعام الفاسد فيه أضرار له و أيضاً هناك ما يصلح للروح كالمصارف الأخلاقية و الإيمانية و هناك ما يضر بها كالثقافات المنحرفة و الفاسدة.

و الانسان البصير و المؤمن هو الذي يلتفت دائماً الى روحه و يحاول ان يهذبها و يزكيها دون ان يهمل المتطلبات الجسدية, و كلما استذكر الانسان حياته الروحية وان كمالها مصدر سعادته وخاصة من خلال العبودية و الطاعة لله تعالى كلما اندفع نحو خط الاستقامة في حياته, بينما الانسان الذي يعيش منغمسا في الملذات و ينسى الاهتمام بالتربية و التهذيب لروحه فانه يكون اكثر اندفاعا نحو السير في خط الانحراف و الفساد في هذه الدنيا.

و الاسلام حث الناس على الثقافة الروحية و تذكيرهم بان الانسان روح و جسد و ليس جسد بلا روح و الانسان حينما يتعرف على روحه يتعرف على ربه لذا كانت معرفة الروح و الاطلاع على أحوالها و نشأتها مصدر من مصادر المعرفة لله تعالى. و الله تعالى تعرض في كتابه المنزل على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله و سلم الى ذكر الروح في كثير من الآيات منها الآيات المتقدمة من سورة الواقعة الشريفة.

2- حقيقة الموت و انفصال الروح عن الجسد :

ليس من انسان الا ويهاب الموت و يعشق الحياة و يعتبر انها تمثل كيانه ووجوده, فيحسب ان الموت هو عدم له وأن حياته الدنيوية تمثل الوجود الحقيقي له. و لاشك ان احدا لا يحب ان يتخلى عن هذا الوجود و يرغب بالموت ,ولكن نجد انه كلما تعمق الانسان بثقافة الروح ضعف حبه للحياة الدنيوية بينما الذين لا يملكون هكذا ثقافة فانهم اكثر تمسكا بحياتهم الدنيوية و يهربون من فكرة الموت . و لكن هذا الهروب من الواقع و الحقيقة وعدم التفكير بالموت لا يطيل عمر الانسان, كما ان ذكر الموت لا يقصر عمره . و المقصود بالموت في الاسلام هو انفصال الروح عن الجسد و خروجها من عالم الدنيا الذي سكنته لفترة من الزمن و ارتبطت مشاعرها و أحاسيسها به, لذا لابد للإنسان المؤمن كما حث الاسلام ان يكون اكثر جدية في التعاطي مع قضية الموت الذي لا مفر منه و لا مهرب, و عليه ان يعتبر ان وجوده في الدنيا هو مؤقت بينما حياته الحقيقية هي في خروجه من هذه الدنيا الى الحياة الخالدة ما بعد الموت .

و الله تعالى تحدث في الآيات المتقدمة عن الروح اثناء احتضار الانسان , قال تعالى : ( فلولا اذا بلغت الحلقوم (83) و أنتم حينئذ تنظرون (84) و نحن اقرب اليه و لكن لا تبصرون (85) ) الحديث في هذه الآيات هو وصف لخروج الروح من الجسد ,و تقول الآية الاولى اذا بلغت الروح الحلقوم في إشارة الى خروج الروح من الجسد عندما تصل الى الحلقوم و كأن عملية خروج الروح من الجسد تحصل بشكل تدريجي تبدأ بالقدمين و تنتهي بالحلقوم و عليه فتكون الروح كائن متداخل مع كل أعضاء الجسد بقدرة الله تعالى.

ثم في الآية الثانية تشير الى الأهل و الأصحاب و الأولاد الذين يقفون حول المحتضر و ينظرون اليه و يترقبون خروج روحه من جسده ,و لا شك ان مشهد المحتضر يرهب الناظرين اليه و يحسب الناظر انه هو الذي يحتضر لأنه يعلم بانه سيمر بنفس العملية التي لا مفر منها في المستقبل الآتي , فسنة الموت مكتوبة على الجميع و الانسان مهما وصل وحصل على الملك و القوة و العلم و الجاه فانه لا يستطيع ان يقاوم الأجل اذا حضر كما لا تستطيع قوة في الوجود ان توقف عملية الاحتضار الا قوة الله تعالى الذي بيده الحياة و الممات ,لذا قال تعالى : ( ونحن اقرب اليه منكم و لكن لا تبصرون ) . نعم فالله تعالى اقرب الى روح المحتضر من الأحياء و ليس الاحتضار الا استجابة لإرادة الله تعالى و مشيئته .

ثم ان روح المحتضر تعيش ألما و خوفا وحزنا شديدا على مغادرتها للجسد ويعز عليها مفارقة الأهل و الأولاد والأصحاب و الأموال ,ولو عاد الامر اليه لرفض هذه المغادرة ولكن الامر يعود الى الله تعالى. ثم ان عملية الاحتضار تختلف بين انسان و اخر فالإنسان المؤمن الذي استعد في دنياه لعملية الاحتضار و استعد للقاء ربه فان احتضاره يكون اسهل من الذين لم يستعدوا و كان إيمانهم بالله ضعيف .

وعملية خروج الروح من الجسد يترتب عليها الام و أوجاع لروح المحتضر لكن الأحياء لا يدركون ذلك ,لذا قال تعالى :( ولكن لا تبصرون) تماماً مثل النائم الذي يرى في نومه رؤية تفزعه و امتلأ قلبه خوفا منها ,فالمشاهد له يحسب النائم في غاية الراحة و الطمأنينة لكن الواقع خلاف ذلك ولو كان يدرك ان النائم يعيش رعبا و خوفا لا يقظه, و هكذا بالنسبة لروح المحتضر فان الأهل و الأصحاب و الأولاد لا يستطيعون ان يشاهدوا ما يحصل للميت من الام وجزع و أهوال .

و هناك ملائكة تقوم بعملية نزع الروح من الجسد, ولو ان الله تعالى اطلع الأحياء على عملية قبض الروح لما كان في قدرة احد تحمل ذلك لكن الله تعالى حدثنا عن ذلك من خلال كتبه المنزلة و من خلال الأنبياء صلوات الله عليهم و اخبرنا تعالى انه خير مساعد للإنسان على عملية تسهيل قبض روحه و احتضاره لها هو حسن إيمانه بالله تعالى في الحياة الدنيا و طاعته له تعالى .

3- الله تعالى مالك الحياة و الممات:

من يتفكر بالموت و الحياة و كيف أنهما يخضعان لنظام محكم فانه يوقن بوجود قوة قاهرة تقف وراءهما وهي الله تعالى فخالق الحياة هو نفسه خالق الموت والله يخبرنا عن عجز الانسان في ابعاد الموت عن الانسان او إيقاف عملية الاحتضار, قال تعالى : ( فلولا إن كُنْتُمْ غير مدينين (86) ترجعونها إن كُنْتُمْ صادقين (87)) لكن هيهات ذلك و الله تعالى يخاطب الكفار و المشركين الذين لا يؤمنون بالله و لا برسله و أنبياءه هل أنتم قادرون على إيقاف عملية الاحتضار وإعادة روح الميت الى الوضع الطبيعي الذي كان عليه قبل الموت ؟! فإنكم عاجزون عن إرجاع أرواحكم بعد الموت الى الحياة ,هل سألتم أنفسكم لماذا انتم عاجزون ؟ لان أرواحكم هي بيد رب قاهر مهيمن عليها هو من أوجدها في هذه الحياة وهو من ينهي وجودها فيها, فروح الانسان هي ملك لخالقها و ليس ملك لنفس الانسان , ولو سأل الانسان نفسه هل جاء الى الدنيا بمحض اختياره ؟ لكان الجواب بالنفي , فكما انه ليس في قدرة الانسان ان يتدخل في مجيئه الى هذه الحياة فانه ليس في قدرته ان يتدخل في ابعاد الموت عنه لان مالك الحياة هو مالك الموت, وعندما يتأمل الانسان بحياة الذين رحلوا عن هذه الدنيا من الأصحاب و الأقرباء وحياة الامم البائدة يجد انه ليس من سنة حياة الا و يعقبها سنة ممات وهما دليلان على وجود الله .

و نعود للحديث عن احتضار الانسان عند موته و الذي هو احتضار و تهيؤ لخروج الروح من الجسد فالحديث عن ذلك يرغب الانسان بالآخرة و يحثه على فعل الصالحات و ترك المعاصي ثم يخبر الله تعالى في الآيات الاخيرة من سورة الواقعة ,وهي تتمة للآيات المتقدمة ,عن وجود اختلاف في عملية الاحتضار تختلف من انسان لآخر . قال تعالى : ( فأما إن كان من المقربين (88) فروح و ريحان وجنة نعيم (89) و أما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) و أما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) و تصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96) ) تحدث الله تعالى عن ثلاث فئات من الناس يختلف احتضارها عن بعضها البعض و نشير الى هذه الفئات من خلال المحطات التالية :

الفئة الاولى و هم المقربون : و هم الذين تحدث الله تعالى عنهم فقال : ( فأما إن كان من المقربين (88) فروح و ريحان و جنة نعيم (89) ) فالمقربون هم الذين أخلصوا لله في حياتهم فاستخلصهم الله تعالى لنفسه ,و المقربون بلغوا اعلى درجات الإيمان و التقوى و العمل الصالح وكان همهم في الحياة الدنيا تحقيق رضا الله تعالى وهذبوا انفسهم من كل ما يبعدهم عن العبودية له تعالى , و المقربون هم الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليهم و من أحسن التأسي بهم ,و الله تعالى اخبر عن المقربين اثناء احتضارهم ماذا ينتظرهم من النعيم الالهي الذي أعده الله تعالى لهم .

فذكر تعالى انه أعد لهم ثلاثة أمور تسعدهم وهي الروح و الريحان و جنة نعيم ,فالروح هو ما يبعث على الراحة و الطمأنينة ولعله إشارة الى ان المقربين يتملكهم الخوف عند الموت من أن يلاقوا الله تعالى وهم مقصرون في حقه لأنهم دائماً كانوا يتهمون انفسهم بالتقصير, فانهم عند الاحتضار تبشرهم الملائكة برضا الله عنهم وأنهم قد نالوا المراتب العليا لديه مما يبعث ذلك على الراحة و الاستقرار .اما الريحان فهو عبارة عن الشيء ذي العطر الحسن و الزكي ,و ليس من المستبعد ان المقربين في ساعة احتضارهم يشمون رائحة الجنة مما تسكن لها نفوسهم فيشتاقون الى لقاء الله تعالى مما يخفف عنهم شدة قبض أرواحهم . و الامر الثالث هو انه تعالى وعدهم بدخول جنة نعيم ولعلها جنة من جنات عالم البرزخ التي تختلف عن الجنات التي أعدها الله لهم يوم القيامة فان المقربين في لحظة احتضارهم يرون الجنة مما قد يخفف عنهم ثقل الموت و الاحتضار .

وفي حديث لرسول الله (ص) (إنّ أوّل ما يبشّر به المؤمن عند الوفاة بروح وريحان وجنّة نعيم، وإنّ أوّل ما يبشّر به المؤمن في قبره أن يقال له: أبشر برضا الله تعالى والجنّة قدمت خير مقدم، وقد غفر الله لمن يشيّعك إلى قبرك، وصدّق من شهد لك، واستجاب لمن إستغفر لك) تفسير في ظلال القرآن، ج7، ص547

وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين أنّه قال: (إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة، مَثُلَ له ماله وولده وعمله فيلتفت إلى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهد، وإن كنت عليّ لثقيلا، فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم نشرك حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك، قال: فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحسنهم منظراً، وأحسنهم رياشاً، فيقول: أبشر بروح وريحان، وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنّة) نور الثقلين، ج5، ص228، حديث 106.

الفئة الثانية وهم اصحاب اليمين : و اليهم أشار الله تعالى بقوله :( وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من اصحاب اليمين (91) ) . ان اصحاب اليمين هم الذين التزموا طاعة الله تعالى و ابتعدوا عن المعاصي و السيئات ,و هؤلاء عند احتضارهم و موتهم فان الملائكة الموكلة بقبض أرواحهم تأتيهم بصور تبعث على الراحة و السرور و تسلم عليهم و وتبشرهم بالجنة مما قد يخفف عملية نزع الروح ,و كان قوله تعالى :( فسلام لك من أصحاب اليمين ) يكشف عن ان عملية احتضار اصحاب اليمين تبدأ بزيارة الملائكة لهم ومحادثتها لهم مما يخفف عنهم رهبة الاحتضار و الموت و تحمل اليهم سلاما من إخوانهم الذين سبقوهم لا سيما من اصحاب اليمين ,و هذا السلام يحمل عدة دلالات منها البشارة و التهنئة بالفوز بعد الموت حيث ينقلب المشهد بعد الموت, فهناك في عالم الدنيا تقام مراسم العزاء بينما بعد الموت تقام مراسم التهنئة و التبريك لروح المؤمن الصالح .و أيضاً من هذه الدلالات ان أرواح المؤمنين الذين سبق موتهم تكون على علم مسبق بدنو أجل صاحبها الذي تأخر عنها و ليس مستبعدا ان الملائكة الموكلة بقبض الأرواح تخبر موتى المؤمنين بانتقال قرب أجل المؤمن فيبعثون بالسلام على روحه مما قد يخفف عنه ثقل الموت و مفارقة الأهل و الأصحاب و يشعر بان هناك اصحاب جدد يأنس بهم بعد موته قد يكونون ممن يعرفهم و قد لا يكونون .

الفئة الثالثة وهم المكذبون الضالون : وهم المنحرفون عن دين الله و اتباعهم ممن كذبوا الأنبياء فانه عند احتضارهم سيواجهون الشدائد و الاهوال بعكس الفئة الاولى و الثانية . يقول الله تعالى : ( وأما ان كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم و تصلية جحيم (94) ) .ان الموت للعصاة و المنحرفين عن طاعة الله تعالى يحمل معه كل الاهوال و الالام ,و الله تعالى توعد الذين يكذبون رسله و انبياءه و اتباعهم بالعذاب الاليم ,و لعل العذاب يبدأ منذ اللحظات الاولى لقبض ارواحهم ,و الحميم من معانيه الماء الحارق و الرياح الحارة و التصلية معناها الاحتراق و الدخول في النار .ثم اخبر الله تعالى ان حديثه عن الفئات الثلاث و ما تعاينه عند الاحتضار هو حق وواقع وعليكم ان تستعدوا ايها الاحياء لتحددوا مصيركم وقت الاحتضار من أي فئة تكونون حين لا ينفع الندم , قال تعالى : ( إن هذا لهو حق اليقين (95) ) .

فالحديث عن الروح و الاحتضار و الموت فيه عظة للنفس يجعلها اكثر قدرة على التبصر و معرفة دورها في هذه الحياة الدنيوية التي هي حياة خلقها الله تعالى من اجل الاخرة, فثقافة الحياة ما بعد الموت مدرسة في تهذيب النفس .

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد بن عبد الله و اهل بيته الاطهار و اصحابه النجباء و من تبعه الى قيام الساعة.









New Page 1