Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة : الناس يتحملون مسؤولية أفعال و تصرفات قادتهم و حكامهم


:: 2014-03-01 [00:09]::



أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا الى دين الاسلام وشرح صدورنا بنزول القران و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى اله وصحبه و جميع عباد الله الصالحين يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ( 64 ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 65 ) يومَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ( 66 ) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ( 67 ) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ( 68 ) ). نتحدث عن موضوعات هذه الآيات الشريفة من خلال العناوين التالية :

السؤال الهادف مفتاح البصيرة :

يحتاج الانسان الى السؤال في بحثه عن المعرفة، و كلما أحسن الانسان السؤال كلما وجد نفسه قريبا من الواقع، والسؤال الهادف الذي ينشد الوصول الى الحقيقة يشكل مفتاح البصيرة، أما السؤال الذي ينطلق بهدف التشكيك و ليس طلب الحق فانه يشكل غشاوة على القلب تحجبه عن الرؤية الصحيحة، وكل القضايا التي تعنى بحياة الانسان و خيره و صلاحه ينبغي السؤال عنها، و أولى هذه القضايا التي ينبغي التركيز عليها في السؤال هي القضايا الدينية و العقائدية بهدف التحري عن العقيدة الصحيحة لان العقيدة هي أساس فهم الانسان للحياة من أين أتت ؟ و ما هو دوره فيها ؟ و الى أين ينتهي مصيره؟ و كلما كان فهم الانسان للعقيدة صحيحا و مستقيما كلما كانت حياته مستقرة و ناجحة.

و الاسلام حث الناس على السؤال و البحث في كل قضايا الحياة و خاصة الأمور الدينية و العقائدية بهدف التثبت منها، و القرآن الكريم عرض الكثير من الحوارات التي كانت تقوم على طرح الأسئلة على الأنبياء مع الإجابة عليها، لكن هناك قسم من الأسئلة كان يطرح بهدف التشكيك و ليس من أجل نشدان الحقيقة و المعرفة و القرآن الكريم ذم هذا النوع من الأسئلة و توعد أهلها، فالسائل حينما ينحرف في سؤاله عن أخلاقيات السؤال، فانه في الواقع يحجب عن نفسه رؤية الحق الذي فيه صلاحه قبل أن يشكك الآخرين بهذه الرؤية.

و الآيات المتقدمة وهي من أواخر آيات سورة الأحزاب الشريفة تتحدث عن سؤال طرحه الناس على الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه و آله وسلم حول موضوع الساعة، وليس ذكر الله تعالى لهذا السؤال الا من قبيل حث الناس على السؤال عن دينهم، و أن يكون السؤال موجه الى النبي لأنه المرجعية للبشر في معرفة دين الله، و الله تعال اختاره واسطة بينه و بين العباد و ليس أحد غير الأنبياء مكلف من قبل الله في بيان دينه ورسالته و تبليغه الى الناس، فأهل البيت عليهم السلام و العلماء و الفقهاء يأخذون معارفهم الدينية عن النبي محمد صلوات الله عليه .

أهداف الحديث عن الساعة في القرآن الكريم :

تحدث الله تعالى عن الساعة في كثير من الآيات منها الآيات المتقدمة، و الساعة تعني يوم القيامة الذي يبعث الله تعالى فيه الناس الى الحساب بعد موتهم و يجازيهم على أعمالهم، و الحديث عن الساعة في القران الكريم له دلائل عديدة أهمها أن الساعة تدل على عدالة الله تعالى، و أنه لم يخلق الناس دون هدف وغاية و انه لن يتركهم دون حساب و خاصة الظالمين و المفسدين، و من مداليل الحديث عن الساعة حث الناس على العمل الصالح ووعظهم و تحذيرهم و الانتباه الى دورهم، الذي خلقهم الله من أجله في الحياة الدنيا الا وهو إعمارها بالإيمان و العمل الصالح، و أيضاً من مداليل الحديث عن الساعة في القرآن الكريم التهديد و الوعيد لمن يختار السير في خط الضلال و الانحراف و الابتعاد عن دين الله.

و الله تعالى تحدث في الآيات المتقدمة عن سؤال الناس للنبي محمد صلى الله عليه و اله وسلم عن وقت حصول الساعة، فقال تعالى:( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)، أخفى الله تعالى الحديث عن وقت حصول الساعة لأنه في ذلك حكمة و حتى يبقى الناس على استعداد لها، و الله آثر إخفاء وقت قيام الساعة حتى عن نبيه و ليس فقط عن الناس، لكنه تعالى أخبر بأن قيام الساعة لعله قريب و في ذلك إشارة الى أنه مهما تأخر موعد الساعة يبقى قريبا و محتمل الحصول في أي وقت.

وعدم علم النبي بتوقيت الساعة لا يقدح في نبوة النبي و لا يشترط فيها العلم بكل القضايا الغيبية، و الله تعالى يطلع نبيه على بعض الغيب حسبما تقتضي مصلحة الرسالة.

معنى خلود الكفار في النار :

و تحدث الله تعالى في الآيات المتقدمة عن موضوع لعنه للكفار الذين جحدوا رسالته، فقال : ( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ( 64 ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 65 ) )، و اللعن معناه الطرد من رحمة الله في الآخرة بإدخالهم العذاب الأليم، و هم في الواقع كانوا مشمولين لرحمة الله في الدنيا و الله تعالى أراد أن تشملهم رحمته في الآخرة، لكنهم هم من تسببوا بإخراج انفسهم من هذه الرحمة الإلهية بسبب كفرهم و شركهم و عصيانهم و استمرارهم على ذلك دون توبة الى أن جاء أجلهم.

و أخبر تعالى بأنه أعد للكفار و المشركين السعير الذي هو عبارة عن النار المستعرة و الشديدة الاشتعال، كما أخبر تعالى أنهم خالدون في النار و نتوقف عند موضوع الخلود في النار، و نسأل عن معناه هل المقصود به أن يبقى الكفار و المشركون في العذاب دون انقطاع و يستمر هذا العذاب دون نهاية له ؟ وهل يصح هذا التفسير للخلود ؟

فإنه بعد التأمل في موضوع الخلود نجد أنه يشير الى العذاب الطويل الذي لا بد له من انقطاع مقتضى محدودية الكفر و المعصية من الناحية الزمنية , قال تعالى :

( يَوْمَ يَأْتِ لاَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَـلِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَـوَتُ وَالاْرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَـلِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَـوَتُ وَالاْرْضُ إِلاَّ مَاشَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذ (108) ) هود .

و عليه فالخلود المقصود به هو طول فترة العذاب في الآخرة, فاليوم في الآخرة يعادل الف سنة او اكثر من ايام الدنيا، كما تشير بعض الآيات ، منها قوله تعالى : ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾الحج / 47 و أشار الله تعالى أنه ليس للكفار من ولي و لا نصير يقف الى جانبهم و يشفع لهم في إخراجهم من العذاب أو التخفيف منه.

لا ينفع الندم بعد انتهاء العمر :

أشارت الآيات المتقدمة الى ندم أهل النار بعد الدخول اليها على كفرهم و شركهم و عصيانهم، و تمنوا لو أنهم آمنوا بالله و أطاعوا الرسول و التزموا برسالته ، يقول الله تعالى : ( يومَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ) و الله تعالى أشار بصيغة فعل المضارع ( يَقُولُونَ )على استمرارية ندم اهل النار ، فأهل النار يندمون في كل أوقات فترة العذاب وهم يتحسرون و يحزنون و يبكون على تركهم الإيمان بالله و الكفر به.

و أخبر تعالى عن مشهد من مشاهد العذاب وهو تقلب وجوه أهل النار و تغير لونها الى الاسوداد أو الاحمرار بسبب لفح النار لها، الى غير ذلك من انواع العذاب و هذا العذاب يبقى مستمر ضمن الفترة التي قدرها الله تعالى، و الله تعالى لم يتحدث عن هذه الفترة حتى لا يتهاون أحد بالعذاب في الآخرة و يبقى يخشاها و يرهب أهوالها، و على الانسان البصير و العاقل أن يعتبر بهذا التهديد الرباني و لا يضيع ايام عمره فيما يشغله عن آخرته و عن طاعة ربه، قال تعالى متحدثا عن ندم الكفار و لومهم لأنفسهم : (يقولون يا ليتنا أطعنا الله و أطعنا الرسول ).

لا عذر للإنسان عند الله في اتباع قادة الضلال :

الآية ما قبل الاخيرة من الآيات المتقدمة مورد حديثنا تتحدث عن اعتذار اهل النار و خاصة في اتباع أئمة الضلال، و يشكون أمرهم الى الله تعالى بأن السبب الذي جعلهم يقعون في المعاصي و الذنوب هم الحكام المنحرفون و أعوانهم الذين كانوا يأمرونهم بالابتعاد عن بالأنبياء و نبذ رسالتهم، قال تعالى :( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) إنها محاولة يائسة من الكفار في تبرير كفرهم و شركهم و هو أنهم خدعوا بمن كان يدعوهم الى الكفر بالله و بدينه ورفض تعاليم الأنبياء و مبادئهم، لكن الله تعالى لا يقبل عذرهم لأنه تعالى أبلغهم عبر رسله و دعاهم الى الإيمان به، ووصلتهم دعوة الله الى الاسلام كما وصلت الدعوة أيضاً رؤساءهم و حكامهم و علماءهم، لكنهم آثروا الحياة الدنيا على الإيمان به تعالى و الطاعة له فاستحقوا من العذاب ما كتبه الله تعالى لهم.

ثم إن الله ذكر شكاوى اهل النار من سادتهم و كبرائهم و لعل المقصود بالسادة هم اصحاب القرار في السلطة وهم الحكام و الرؤساء، و الكبراء هم الأعوان للحكام و لقادة الكفر و لا يخفى أن الآية مورد حديثنا تشكل دعوة واضحة لترك التقليد للآخرين و التبعية العمياء لهم في أي شأن من شؤون الحياة الثقافية و العقائدية و الأخلاقية و السياسية قبل التثبت من صحة ما يقولون ، فهناك مسؤولية كبرى يتحملها الانسان اتجاه تبعيته للآخرين و المقصود بالإضلال عن السبيل في قوله : ( فأضلونا السبيلا )، هو الاضلال عن سبيل الله الذي هو دين الاسلام و الذي تركزت عليه دعوات الأنبياء.

دعاء أهل النار على قادتهم بمضاعفة العذاب :

نقرأ في الآية الاخيرة أن أهل النار يسألون الله تعالى أن يضاعف العذاب لمن كان يدعوهم الى الكفر و الشرك، قال تعالى : ( رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) و نستوحي من هذا الدعاء عدة أمور منها :

أولا : انقلاب المودة التي كان يحملها أهل النار لقادتهم و أئمتهم الى كراهية وحقد الى درجة أنهم يسألون الله أن يزيد في عذابهم، و لعل منشأ ذلك أنهم اكتشفوا أن قادتهم كانوا يكذبون عليهم و يخدعونهم في الحياة الدنيا حينما يحدثونهم عن الأنبياء و يزرعون في قلوبهم الكراهية لهم, و هم في ذلك لم يكونوا صادقين.

ثانيا : طلب أهل النار أن يضاعف الله تعالى في عذاب قادتهم و حكامهم و يزيد في لعن قادتهم كما هو مذكور في الآية، لكن هل يضاعف الله العذاب و يستجيب لهم، لم تذكر الآية شيء حول ذلك ، ثم إن الله لا يقبل دعاء الكفار في الآخرة و في ذلك عذاب و عقاب لهم.

الناس يتحملون مسؤولية أفعال و تصرفات القادة و الحكام :

إن الإسلام يدعونا الى أن نحسن اختيار القادة و الحكام فلا نتبع أو نوالي أو نبايع أي انسان الا على أساس ما يملك من معرفة هادفة و استقامة في سلوكه و نهجه، و يكون لديه التزام واضح في القول و العمل فالناس يتحملون مسؤولية أفعال و تصرفات القادة و الحكام، بل هم شركاءهم في ذلك. و يمكن لسائل أن يطرح سؤال في هذا المقام و يقول بأن الاستقامة المطلقة في القادة و الحكام مستحيلة و لا تتحقق الا في الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليهم، و من المستبعد أن تتحقق العصمة في غيرهم .

و الإجابة على ذلك باختصار هو أنه على الناس أن يشترطوا في الولاية لأي حاكم أو قائد أو مطلق أي انسان أن يكون لديه استقامة و عدالة في قيادته و حكمه و اذا حصل لديه أي انحراف يجب أولا أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و اذا أصر على السير في خط الانحراف فيكون الناس في حل منه، فالناس مسؤولون عن صلاح و فساد الحكام كما أن الحكام مسؤولون عن صلاح و فساد الناس، فهناك مسؤولية مشتركة بين الجميع و الله سائلهم عنها غداً يوم القيامة و محاسبهم عليها.
و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد واله و صحبه و جميع عباد الله الصالحين.



New Page 1