Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة : لا طريق للإنسان الى معرفة دوره الا بالعودة الى الله تعالى


:: 2014-03-07 [14:13]::
ام الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمعة في مسجد الامام شرف الدين في حارة صور القديمة بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:

الحمد لله الذي لا اله الا هو الحي القيوم و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و على اله و صحبه وجميع عباد الله الصالحين، يقول الله تعالى في كتابه المجيد في سورة البقرة الشريفة: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّى جَاعِلٌ فِى الاْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33) ) قبل الحديث عن موضوعات هذه الآية نذكر بعض الأمور المتعلقة بها:

لا طريق للإنسان الى معرفة دوره الصحيح في الحياة الا بالعودة الى الله تعالى :

إن من يتأمل في حركة الكون و ما فيه من مخلوقات لا تحصى سواء كانت سماوية أو أرضية يدرك بأن لكل مخلوق منها دور و هدف وراء خلقه و إيجاده، و ليس في الكون مخلوق هو خارج عن هذه القاعدة، و هنا نسأل ما هو دور الانسان على الارض الذي ينسجم مع صلاحه و خيره ؟ و لمعرفة الإجابة الصحيحة على هذا السؤال لا بد من الرجوع الى الله تعالى، لان هذا الدور مرتبط بالهدف من خلقه، و هذا الهدف يحدده الخالق و ليس المخلوق، و لكن الانسان يحاول أن يكابر و يسعى لان يحدد دوره بنفسه بعيدا عن الخالق فماذا تكون النتيجة ؟ يجد الانسان نفسه غارقا في إفساد حياته و تدمير الارض التي يعيش عليها حارماً نفسه من الراحة و الاستقرار ، و مع ذلك يستمر في طغيانه.

و لا طريق للإنسان الى معرفة دوره في الحياة الا بالعودة الى الله تعالى فهو مصدر الهدى و النجاة و الصلاح و السلام، وهو تعالى أدرى بمعرفة الدور الصالح الذي به تستقيم حياة الانسان على هذه الارض أو ليس هو الصانع له و الصانع هو أدرى بصنيعته، لذا لم يترك الله تعالى الانسان لنفسه بل أوضح له الهدف من خلقه وهداه اليه عبر أنبياءه و كتبه المنزلة، ونحن نقرأ ذلك في الآية المتقدمة فإنه تعالى يخبرنا فيها عن حوار حصل بينه و بين الملائكة حول خلق الانسان قبل إيجاده، قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الاْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33) ) تختزن هذه الآية الشريفة جملة من الحقائق و الأسرار التي تتعلق بالهدف من خلق الانسان و تشير الى طبيعة الدور الذي رسمه الله تعالى له، و نحاول أن نستنطق هذه الحقائق و الأسرار من خلال إثارة جملة من الأسئلة الهادفة حول الآية و التي تشكل مفاتيح لفهمها.

فإننا نسأل أولا : لماذا أخبر الله تعالى الملائكة عن دور الانسان على الارض قبل أن يخلقه ؟ و هل هناك علاقة للملائكة بهذه الدور ؟ و نسأل ثانيا : هل الملائكة اعترضت على خلق الانسان, واعتبرت بأنه لا يليق بحمل مشروع الخلافة ؟ و انها هي أولى بذلك ؟ و من أين علمت الملائكة بأن الانسان سيفسد في الارض و يسفك الدماء ؟ و كيف يصح جعله خليفة بعد ذلك؟ و نسأل ثالثا : ما المقصود بكون الانسان خليفة على الارض ، فهل هو خليفة لله تعالى أم لغيره ؟ نحاول أن نجيب على هذه الأسئلة بإيجاز.

و نبدأ بالإجابة على السؤال الاول : بان الله تعالى أخبر الملائكة عن إرادته بجعل خليفة على الارض لحكمة، و لعل هذه الحكمة تكمن في ثلاثة أمور : أولا : أراد الله تعالى أن يبرز عظمته فإن خلق الانسان يكشف عن مظهر من مظاهر عظمة الله تعالى، و الاطلاع على هذه العظمة وهي جديدة على الملائكة مما يزيدهم تسبيحا و خشوعا له تعالى.

ثانيا : لا شك أن الله تعالى أراد أن يعد الملائكة لدور يرتبط بخلق الانسان فإن الله تعالى عرفهم مسبقا عليه، و ذلك مقدمة لتكليفهم بإدارة شؤونه الانسان الغيبية في الأرزاق و الحياة و الممات و تسجيل الاعمال و تدوينها، و ما لهم من دور أيضا في محاسبته و مجازاته الى غير ذلك، و لا يعني هذا أن الله تعالى فوض أمر الانسان الى الملائكة بل هو تعالى صاحب الامر في كل ذلك و اليه يعود.

ثالثا : إن خلق الانسان سيكون سببا في اكتشاف الملائكة نفاق إبليس، و خاصة أنهم قد أعجبوا بعبادته لله و لم يكونوا يدركوا بأن إبليس هو كافر و مشرك, بل كانوا يحسبونه مثلهم في عبادتهم لله تعالى و حسن عقيدته به، و الله تعالى تحدث بعد الآية المتقدمة بآيات عن قضية أمر الملائكة بما فيهم إبليس بالسجود لآدم، و الذي كشف حقيقة ابليس في غروره و كفره و حسده في رفضه لأمر الله بالسجود لآدم قال تعالى :(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَـفِرين (34) ).

الملائكة يعلمون الغيب بتعليم الله تعالى لهم :

و نعود الى السؤال الثاني للإجابة عليه بأن الملائكة لم تعترض على مشيئة الله تعالى في خلقه لآدم، و قوله تعالى في إخباره عنهم : (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمآءَ) هو سؤال من قبيل البحث عن الحكمة و طلبها في معرفة بعض الحقائق المتعلقة بخلق الانسان، و ليس اعتراضا على الله تعالى كيف لا و الملائكة هم دائموا التنزيه لله تعالى و التسبيح له ، و من معاني التسبيح لله تعالى التنزيه له عن الأفعال العبثية، وهنا نسأل من أين علمت الملائكة بأن الانسان سيفسد في الارض و يسفك الدماء، وهنا ينقسم المفسرون في إجاباتهم, فمنهم من يقول بأن الملائكة اطلعت على طبيعة الانسان، و أن الله ركب فيه الشهوات و الرغبات و أعطاه الحرية الى جانب العقل و الفطرة، و التي يمكن أن تؤثر هذه الشهوات على الانسان و تدفعه الى الانحراف و الفساد و سفك الدماء.

و الملائكة تدرك خطورة وجود الرغبات و الشهوات، و الله تعالى خلق الملائكة بدون شهوات و رغبات، ومن هنا كانت عبادة الانسان متقدمة على عبادة الملائكة لأنه لا يوجد ما يفسدها بخلاف الانسان الذي يعاني مشقة العبادة نتيجة الصراع النفسي، و هذا غير حاصل لدى الملائكة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :(إن الله عز و جل : ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة ، و ركب في البهائم شهوة بلا عقل ، و ركب في بني آدم كليهما, فمن غلب : عقله شهوته ، فهو خير من الملائكة .و من غلبت : شهوته عقله ، فهو شر من البهائم .)علل ‏الشرائع ج1ص4ب6ح1

وهناك رأي آخر لبعض المفسرين يذهب الى أن الملائكة قاست الانسان بمخلوقات عاقلة عاشت على الارض قبل الانسان, و كانت قد سفكت دماء بعضها البعض و أفسدت في الارض، و الله تعالى نزع منها الخلافة. و هناك من قال بأن الجان كانوا يسكنون الارض قبل الانسان و أفسدوا فيها ، و هناك رأي يقول بأن الله خلق أكثر من آدم على الارض و أن آدم الذي تتحدث عنه الآية المتقدمة كان آخرهم ، وورد حول ذلك روايات منها ما ورد عن جابر عن الباقر عليه السلام في حديث قال : ( أو ترى أن الله عزوجل لم يخلق بشرا غيركم ؟ بلى و الله لقد خلق الله تبارك و تعالى ألف ألف عالم و ؟ ألف ألف آدم و أنت في آخر تلك العوالم و أولئك الآدميين ) مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 85.

ثم إن من الأدلة على أن الملائكة لم ترد بسؤالها الاعتراض بل طلب معرفة الحكمة، هو أنهم عَـقَّـبوا سؤالهم بقولهم: ( نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ )، بعض المفسرين استدل من هذا الكلام أن الملائكة تريد أن تقول أنها أولى من الانسان بمشروع الخلافة على الارض، وهذا الأمر بعيد لأنه يفيد مضمون استبعاد الملائكة للحكمة عند الله من خلق الانسان، و هذا لا يصح منهم لأنهم دائماً هم ينزهون الله تعالى، و ما نفهمه من كلام الملائكة المتقدم كان بهدف معرفة الحكمة من وراء جعل الانسان خليفة، و تنزيه الله تعالى بعد السؤال بقولهم : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ) إشارة الى عدم الاعتراض وهذا في غاية الأدب الملائكي مع الله.

كما نتوقف عند قول الملائكة : (وَ نُقَدِّسُ لَكَ ) فلم يقولوا ونقدسك, و كأن الملائكة أشاروا الى بعض أدوارهم التي وهبهم الله تعالى إياها، و هو أنهم يقدسون لله بمعنى أنهم يطهرون له تعالى فإن طهارتهم تنعكس الى أن تكون سببا في طهارة غيرهم، و كأن الملائكة أرادوا أن يستوضحوا من الله تعالى هل لهم دور في مساعدة الانسان على تطهير نفسه و مساعدته على تحقيق الخلافة، و هذا التطهير الملائكي هو من أجل نيل رضا الله وهو دليل على إخلاصهم, فماذا كان الرد الالهي على سؤال الملائكة له : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمآءَ )، فإنه قال عزوجل : (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أجاب تعالى بأنكم أيها الملائكة لا تعلمون ما أعلم حول خلق الانسان, و يتضمن الجواب الالهي عدة أمور أبرزها أن الملائكة لا يعلمون الغيب، و ليس لهم قدرة مستقلة على ذلك.

و إذا كان الملائكة يعلمون الغيب فهو بتعليم الله تعالى لهم ، و هذا الحديث يقودنا الى أنه أيضاً الأنبياء و الأوصياء لا يعلمون الغيب ، وعلمهم بالغيب كائن عبر الملائكة، فالعلم بالغيب محصور بالله تعالى وحده، وهو يرشد ملائكته اليه ثم إن الغيب درجات و أقسام و الله لا يهب الغيب لأحد الا بمقدار ما فيه مصلحة له و لمهمة التكليف، و علينا الا نغالي بعلم الأنبياء و الأوصياء بالغيب فذلك يؤدي الى سوء الاعتقاد.

و أيضاً مما نستفيده من قوله تعالى : (قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) هو أن الله تعالى يعلم بأنه سيحصل على الارض فساد و سفك للدماء و أن مسيرة الخلافة ستتعرض الى تحديات لكن ما لا يعلمه الملائكة هو أن الخلافة ستتحقق من خلال مسيرة الأنبياء و الأوصياء و الصالحين، الذين سيسعون الى إقامة حكم الله و يحققون طاعته و عبادته الصحيحة و المستقيمة على الارض، وهذا ما كان يجهل به الملائكة، ولو أنهم كانوا يعلمون بأن الخلافة ستتحقق على الارض من خلال مشروع الرسل و الأنبياء لما طرحوا السؤال.

ما المقصود بكون الانسان خليفة الله ؟

و الآن نتحدث عن جواب السؤال الثالث و مضمونه : ما المقصود بكون الانسان خليفة الله ؟ و ماذا تعني الخلافة ؟ و هل هذه الخلافة هي لله أم عن غيره ؟ تحدث العلماء عن موضوع الخلافة البشرية التي تحدث الله عنها في قوله تعالى المتقدم الذكر : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الاْرْضِ خَلِيفَةً )فالخلافة تعني النيابة عن المستخلِف ( بكسر اللام )، و هناك من المفسرين من ذهب الى القول بأن المقصود بالخلافة في الآية هي خلافة الانسان لمن سبقه من المخلوقات العاقلة التي سكنت الارض سواء كانت من الجن أو من غيرهم أو من نفس الانسان، فهناك روايات و أحاديث تشير الى أن هذه الارض سكنها بشر لا ينتسبون الى آدمنا نحن، وهناك من ذهب الى القول بأن المقصود بالخلافة هي خلافة الانسان لله تعالى، فهو تعالى من استخلف الانسان وهذا التفسير هو الاقرب الى سياق الايات .

الانسان هو خليفة الله لكننا نسأل هو خليفة لله بأي معنى ؟ فالخلافة كما تقدم هي نيابة ووكالة، و لا شك أن الخلافة ليست مطلقة, فالإنسان ليس خليفة الله في كل شيىء و هو لا يصح، والله لا يستخلف أحد فيما يخصه تعالى بقضايا الألوهية و العبودية، كما أنه تعالى حدد الإستخلاف بقوله تعالى :(إِنّي جَاعِلٌ فِي الاْرْضِ خَلِيفَةً) أي خليفة لله على الارض في إقامة حكم الله عليها و إعمارها بطاعته و عبادته، و الإستخلاف هنا بمعنى الائتمان على هذه الارض و المحافظة عليها، و ذلك لا يتحقق الا من خلال العودة الى الله تعالى.

علم الله تعالى آدم و عرَّفه كيف يحقق مشروع الخلافة :

ثم أخبر الله تعالى بعد الآية المتقدمة مورد الحديث بأنه علم آدم و عرَّفه كيف يحقق مشروع الخلافة، و أشار الى أمور أخرى قال تعالى : ( وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاَ ءِ إِن كُنْتُمْ صَـدِقِينَ (34) قَالُواْ سُبْحَـنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (35) )، أخبر الله تعالى في هاتين الآيتين وهما تكملة لموضوع الحديث في الآية الاولى, بأنه علم آدم الأسماء كلها دون إشارة الى نوع التعليم، و ورد في الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام أن المقصود بالأسماء هي أسماء الكائنات الطبيعية المحيطة بالإنسان ، فعن الفضل بن عباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله عز وجل : (وعلم آدم الأسماء كلها ما هي؟ قال: أسماء الأودية والنبات والشجر والجبال من الأرض) بحار الأنوار ج 11 ص 471 رواية 19 باب2 و ليس من المستبعد أن يكون المقصود بالأسماء هنا هو أصول العلم التي يحتاج اليها الانسان في قيامه بمهام الخلافة على الارض، لان الخلافة تحتاج الى معرفة و علم أولا، و بعد ذلك تأتي مرحلة العمل و التنفيذ وهذا إن دل فإنه يدل على أن الله تعالى أعد آدم مسبقا لحمل مسؤولية الخلافة.

كما أنه ليس الحديث عن آدم الا تعبيرا عن ذريته و أبنائه الذين يملؤون الارض من كل أطرافها، وورد في بعض الأحاديث أن المقصود بالأسماء هي أسماء أهل البيت عليهم السلام، و لعلها كانت من ضمن الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم عليه السلام و كانت تشتمل على أسماء الأنبياء و الأوصياء و الحجج عليهم السلام، و الى ذلك أشار الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السلام بقوله: (عن الصادق عليه السلام: إن الله عز وجل علم آدم أسماء حججه كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال الله تبارك وتعالى: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عز ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم، وقال لهم: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ). تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 1 - الصفحة 120

و عليه فآدم أحاط بعلوم الدين و الدنيا و علــَّمها لأولاده و ذريته من بعده، حتى يستعينوا بها في إعمار الارض, و هذه الأسماء هي مفتاح العلوم التي قامت عليها الحضارات.
و ذكرت الآية الحاضرة أن الله تعالى سأل الملائكة عن الأسماء فأجابت بعدم المعرفة و العلم بها، و سؤال الله للملائكة فيه تكريم لآدم بأنه تعالى خصه بعلوم و معارف لم يهبها للملائكة، قال تعالى : ( فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاَءِ إِن كُنْتُمْ صَـدِقِينَ ) و كان جواب الملائكة في غاية الأدب و الذكاء، فإنها أجابت على سؤال رب العالمين لها أنها لا تعلم عما سألها وان السبب في عدم علمهم هو لان الله تعالى لم يعلمهم, قال تعالى :(قَالُواْ سُبْحَـنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ) و قالت يا رب أنت تعلم مقدار علمنا لأنك أنت المعلـِّم لنا، فما الحكمة إذا من سؤالنا ؟ !

وليس من المستبعد أن تكون الحكمة هي الإقرار بفضيلة آدم عليه السلام، و نستفيد أيضاً من جواب الملائكة أنها راغبة بمعرفة الأسماء التي علمها لآدم، وهنا يأمر الله تعالى آدم بتعليم الملائكة و ينال رتبة التقدم عليها، قال تعالى : ( قَالَ يَــادَمُ أَنْبِئْهُمِ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـوَ تِ وَالاْرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ), نستفيد مما تقدم أن أفعال الله تعالى قائمة على العلم و المعرفة و صادرة عن حكمة، و لندرك بأنه تعالى مطلع على بواطن الخلق و ظواهره لاسيما الملائكة و البشر و الجن، و عالم بخفاياهم و بما يفكرون به و ما يكتمونه، ونحن أمام هذه المحطات الهادفة و المضيئة التي ذكرتها الآيات المتقدمة لا بد و ان نستفيد منها في حياتنا الإيمانية و الرسالية، ففيها دروس و مواعظ موجودة فيها لا يصح أن نغفل عنها.

و آخر دعوانا أن الحمد لله و صلى الله على رسولنا الاكرم محمد و اله و صحبه و جميع عباد الله الصالحين.









New Page 1