Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ علي ياسين في خطبة الجمعة في صور: المقاومة تصدت للمؤامرة كما تصدّت للاحتلال


:: 2014-03-21 [22:31]::
ام سماحة العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:

" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " " وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ " .
اليوم 21 آذار سُمّي بعيد الأم وهو مشروع حَسَنٌ يُدعى الإنسان فيه للتفكير بعظمة الأم وفضل الأم ويعمل لتذكّرها وإدخال السرور عليها ، والأَولى أن يُسمّى بعيد الأولاد لما يوفقون فيه من رضا الأمهات عليهم ، هذا الرضا الذي يجب أن يسعى إليه الإنسان كل يوم ، لا أن يترك أمّهُ سنة ويتذكّرها في هذا اليوم فقط ، كما يفعل الكثيرون ، وندرك عظمة الوالدين من خلال هذه الوصية من لقمان لابنه لتنبيهه على أهم الأمور :
أولاً : نهاه عن الشرك بالله سبحانه ؛ لأنّ الله هو الخالق الذي لا إله إلاّ هو ، والشرك به سبحانه ذنبٌ لا يُغفر ، وهناك ذنوب تُغفر وهي التي تكون بين العبد وربّهِ وذنوب لا تُترك وهي التي تكون بين العباد ، وهذا مضمون حديث عن أمير المؤمنين (ع) : الذنوب ثلاثة : ذنبٌ لا يُغفر ، وذنبٌ لا يُترك ، وذنبٌ يُغفر . أما الذنب الذي لا يُغفر فهو الشرك بالله سبحانه وتعالى " اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا " وأما إذا كان الإنسان مؤمناً بالله سبحانه وعصاه وتاب فإنّ الله يتوب عليه ، وإذا ظلم الإنسانُ أخاه الإنسان فهذا ذنب لا يتركه الله سبحانه حتى يتركه صاحبه ، فالإنسان مأمور بالإيمان بالله وحده لا شريك له هو الخالق البارئ المصور بيده ملكوت كل شيء ، وأوّل شيء يُؤمر به بعد الإيمان بالله بر الوالدين والإحسان إليهما وإن أساءا ، لأنّ الفضل لهما بعد الله سبحانه ، ولكي يُدرك الإنسان فضلهما عليه أن يتذكّر المعاناة التي تصيب الوالدين في سبيل ابنهما .
" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ " يقول الإمام زين العابدين (ع) : واما حق امك أن تعلم انها حملتك حيث لا يحمل احد أحداً ، واطعمتك من ثمرة قلبها ما لم يطعم احد أحداً ، وانها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها ، وجميع جوارحها مستبشرة فرحة ، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها ، حتى دفعتها عنك يد القدرة ، واخرجتك إلى الارض ، فرضيت ان تشبع وتجوع هي ، وتكسوك وتعرى ، وترويك وتظمى ، وتظلك ، وتضحي وتنعمك ببؤسها ، وتلذذك بالنوم بارقها ، وكان بطنها لك وعاءاً ، وحجرها لك حواءاً ، وثديها لك سقاءاً ونفسها لك وقاءاً ، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك ، فتشكرها على قدر ذلك ، ولا تقدير عليه إلا بعون الله وتوفيقه .
هذه هي الأم والتي هي سبب وجودك ، كانت تجوع لتأكل أنت ، وتسهر لتنام أنت ، وتمرض لتُشفى أنت ، ورعتك حتى صرت رجلاً . حملتك في بطنها تسعة أشهر ، تتقلب بين أحشائها تؤلمها وتثقل عليها ، مع ذلك هي تشعر بالسعادة وتنتظرك بكل صبر وسرور أن تخرج إلى هذه الدنيا ، سعادتها بك تنسيها آلامها ، والتي أشدّها الطلق حين الولادة ، هذا الألم الذي لا يعادله ويعوّضه شيء إلاّ برّك وطاعتك وشكرك لها بعد الله سبحانه ، لأنّ الفضل لها ولأبيك بعد الله ، فكما أنّه من الكبائر أن يجحد الإنسان فضل رب العالمين ؛ كذلك من الكبائر أن يجحد الإنسان فضل الوالدين الذين لولاهما لم تكن " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " فالعبادة لله والإحسان للوالدين بطاعتهما بكل شيء حتى فيما ليس لك به مصلحة أو ضرر محتمل إلاّ الشرك بالله سبحانه . ويقول تعالى " وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا " .
فهذه الأم التي حملتك في بطنها تسعة أشهر أو ستة أشهر كما نفهم من الروايات – إذْ الآية الأولى بيّنت فترة الفصال وهي الرضاعة والحصانة بعامين ، وهذه الآية قالت وحمله وفصاله ثلاثون شهراً نظرت إلى أقل الحمل ، لأنّ العامين أربعة وعشرون شهراً ، فإذا حُذفت من الثلاثين يبقى ستة أشهر وهذا أقل الحمل - ، وهذا لطفٌ من الله سبحانه حتى لا تُظلم الأم التي تضع ولدها لستّة أشهر .
فالأم تحمل ابنها وهناً على وهن وتحمله كرهاً وتضعه كرهاً ، فإنّها تقاسي بسبب حمله مشقّة وتعب من وحم وغثيان وثقل وتضعه بمشقّة من الطلق وشدّته . إنّ دور المرأة في الحمل والولادة والتربية أنبل عمل وأفضل عمل يعجز عنه الرجل ، إنّ دورها مهم وخطير ، تُربّي الأجيال وترسم صورة المستقبل للأمّة ، لقد أعطى الإسلام الأم دوراً عظيماً ومرتبةً عظيمة بعد العصر الجاهلي ، حيث كان شعارهم أبوك ثم أبوك ثم أبوك ، جاء الإسلام ليقول أمّك ثم أمّك ثمّ أمّك ثم أبوك ، ليبيّن الدور الذي تقوم به المرأة كأم ومسؤوليتها كزوجة ، كل هذا لا يعني أنذها أفضل من الأب ، فللأب الولاية على الولد ؛ فهو يتحمّل مسؤولية ، لكن هذا التكريم للأم هو للاعتراف بمعاناتها أثناء الحمل والولادة والإرضاع ، لذلك ذُكرت في أكثر من مكان بالقرآن الكريم .
قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ما حقّ الوالد؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أن تُطيعه ما عاش" فقيل: ما حقُّ الوالدة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " هيهات هيهات، لو أنّه عدد رمل عالج، وقطر المطر أيّام الدنيا، قام بين يديها، ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها " .
وقال الشاعر :
لأمــك حــق لـو عـلـمـت كبـير ** كـثيرك يا هـذا لديه يســير
فكــم ليـلة بـاتت بـثقلك تشتـكي ** لهــا مـن جـواهــا أنةٌ وزفير
وفي الــوضع لو تدري عليهـــا مشقة ** فكـم غصــص منها الفؤاد يطير
وكم غسـلت عنـك الأذى بيمينهـا ** ومـا حجرهــا إلا لـديك سريــر
وتفديـك ممــا تشتكيــه بنفســهـا ** ومـن ثديها شــرب لديك نمير
وكـم مـرة جـاعت وأعطتك قوتهـا ** حنـوًا وإشفــاقًا وأنت صغيـــر
فــضيـعـتها لمـا أسنـت جـهـالة ** وطــال عليـك الأمـر وهو قصير
فــآها لــذي عقــل ويتبع الهــوى ** وآهـا لأعمى القلـب وهو بصير
فـدونك فارغـب في عميم دعائها ** فــأنت لمـا تدعــو إليــه فقـيــر
قال معروف الرصافي :
أوجـب الـواجبـات إكرام أمـي ... إن أمـــي أحــق بـالإكـرام
حملتني ثقلاً ومن بعد حملي ... أرضعتني إلى أوان فطامي
ورعتني في ظلمة الليل حتى ... تركت نومها لأجل منامي
إن أمي هي التي خلقتني ... بعد ربي فصرت بعض الأنام
فلها الحمد بعد حمدي إلهي ... ولها الشكر في مدى الأيام
قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله أي الوالدين أعظم ؟ فقال : "التي حملته بين الجنبين وأرضعته من الثديين وحضنته على الفخذين وفدته بالوالدين" وعن النبي (ص) قال: " دعاء الوالدة أسرع إجابة من الوالد . قيل: لم يا رسول الله. قال: لأنها أرحم من الأب، ودعاء الرحيم لا يرد " . وفي الأحاديث : إذا كانت لك حاجة إلى الله فأتِ أمّك ومازحها فإذا ضحكت أو تبسّمت فقبّل جبهتها ؛ تدعو لك فيُستجاب الدعاء .
فكما لا يمكن وفاء حق الأم كذلك مهما تكلّمنا نبقى على شاطئها ، فكما أن الله سبحانه يقبل القليل ويعطي الكثير ويعفو عن الكثير ؛ فكذا الأم تقبل منّا اليسير وتمنحنا رضاها ودعاءها ، فالأم عظيمة وخاصّة أمهات هذا الجيل اللواتي أنجبن رجالاً أشدّاء مؤمنين ومجاهدين ، أرضعوهن حب الله وأهل بيت النبوة وعزذة النفس وحب الوطن ، فاستطعنا أن نهزم العدو الصهيوني ، حتى صار للمقاومة هيبتها ودوراً كبيراً لا على صعيد لبنان فحسب بأن حرّرت الأرض العاملية وإنّما أيضاً فرضت على الدولة الصهيونية أن تتراجع وتنكفيء عن أرض لبنان وعن ثرواته التي طمعت فيها وما زالت تطمع إسرائيل من مياه وغيرها ، بل صارت المقاومة مهوبة الجانب على مستوى المنطقة والعالم إنْ صحّ التعبير وأصبحت لاعباً أساسياً بين الكبار ، فمنعت إعلان شرق أوسط جديد وكان لها الدور الأكبر في مواجهة الحرب الدولية على سوريا الممانعة ، إذْ إن المشروع الصهيو أمريكي الذي جمع القوى التكفيرية والقوى الحاقدة على المقاومة من ممالك وإمارات من الذين يعبدون أمريكا من دون الله يترنّحون هم ومن وضعوهم على أرض سوريا ، ولم تلتفت المقاومة لكل ما قيل ويقال في لبنان وخارجه ؛ لأنّ رجالها خرجوا من أرحامٍ طاهرةٍ وشربوا حليباً طاهراً وتربوا في أحضان أمهات مؤمنات صالحات طاهرات ، أمهاتٌ ربّين أبنائهن على حب الله وأهل بيت النبوة والوطن ، أبناءٌ هم رجالٌ يوقنون بالنصر لأنهم لم يحملوا السلاح أشراً ولا بطراً وإنّما حملوه للدفاع عن الحق وهذا دفاع مقدّس ، وحملوه لمواجهة الباطل أينما كان ، هم أبناء يعتزّون بوطنيتهم التي استلهموها من حب وحنان وعطف وعزّة أمهاتهم الطاهرات ، وهم أبناءٌ لا يعطون بأيديهم إعطاء الذليل ولا يفرّون فرار العبيد – كما علّمهم إمامهم أبو الأحرار شهيد كربلاء . هم أبناءٌ لا ينتظرون الخطر أن يأتيهم إلى عقر دارهم فتصعب مواجهته ؛ بل دفاعاً عن وطنهم وأرضهم وقضيّتهم كانت مشاركتهم الفعّالة ضد الحرب على سوريا وعلى قوى الممانعة ، وأما المنفذون للمشروع المذلّ للمنطقة فهاهم يتهاوون ويتساقطون ، وستعود لسوريا عافيتُها وستبقى وسط عقد الدول الممانعة والدول الرافضة لسيطرة قوى الاستكبار على المنطقة .
تصدّت المقاومة للمؤامرة كما تصدّت للاحتلال ؛ ولولاها لما تحررت أرض الجنوب ، ولبقي لبنان مسرحاً للدولة الصهيونية وأطماعها ولما كان المتطاولون على المقاومة ينعمون بمواقعهم الوزارية والنيابية والرئاسية .
إنّ المقاومة التي لم تؤثّر عليها تهديدات أمريكا ولا مؤامراتها لن تستطيع أن تنال منها الأصوات النكرة التي اعتادت أن تكون صدىً لما يحاك من مؤامرات على المنطقة ، هذه الأصوات التي لا يُحسب لها حساب عند حسم الأمور فتكون قد لهثت وتعبت لغيرها وتبوء بسوء المصير والخسران ولن يبقى لها يوم للندم ، فهذه الأصوات النشاز أصفار في المعادلات الدولية وأما المقاومة فهي الرقم الصعب بل الأصعب .
وأخيراً : وقد أخذت الحكومة الثقة على بيان خرج بعد مخاض صعب ، لأنّ البعض لا يطيق أن يسمع كلمة مقاومة ، فلأنّ البعض اعتاد على حياة التبعيّة والذل ؛ فلا تروق له حياة العزة والكرامة ، لكن نقول لهم : إنّ المقاومة باقية باقية باقية ، باقية بإرادة أمهاتنا وشبابنا وقادتنا ، بإرادة هذا الشعب الذي صبر وضحّى وذاق حلاوة النصر وشعر بالعزة بسبب هذه المقاومة التي لن يتخلّى عنها حبّاً بالوطن والمواطنين ، لأنّه ما دام البعض يتبع لمشاريع خارجية تُبقي لبنان ضعيفاً فلن نفرّط بعامل القوة للبنان المتمثّل بالثلاثي ( الجيش والشعب والمقاومة ) لأنّه مع عدم وجود قوة عسكريّة للجيش تضاهي قوّة العدو لا يمكن أن نحفظ لبنان وتبقى دولة ؛ إلاّ إذا تمسّكنا بالمقاومة وحافظنا على سلاحها – مهما كلّف الثمن – ليبقى لبنان موحداً وقوياً .

وآخر دعوانا أن صلِّ اللهم على المصطفى وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .













New Page 1