Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : الاسلام و الاصلاح الاقتصادي


:: 2014-03-28 [18:55]::



أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا الى دين الاسلام وشرح صدورنا بنزول القران و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى اله وصحبه و جميع عباد الله الصالحين

يقول الله تعالى في سورة المطففين : ( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿1﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿2﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿3﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿4﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿5﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿6﴾ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿7﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿8﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿9﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿10﴾ ) تشير هذه الآية الى جملة من الموضوعات الهادفة نتحدث عنها من خلال المحطات التالية :

الاسلام و الإصلاح الاقتصادي :

يشكل الاسلام رسالة إلهية تعنى بالإصلاح الشامل لحياة الإنسان على الارض فردا و مجتمعا ، وعملية الإصلاح هذه لا تتوقف عند حدود القضايا العقائدية، بل تشمل كافة المجالات الحياتية الأخرى من اقتصاد و سياسة و أخلاق و ما شابه ذلك، ، لذا يعنى الاسلام بكافة شؤون الانسان توجيها و تشريعا و أحكاما . و من هنا حذر الله تعالى الناس في الآيات المتقدمة من العمليات الاقتصادية الفاسدة و لا سيما التجارية، التي تقوم على الغش و البخس في المكيال و الميزان, و خداع المشترين بإيهامهم أنهم يحصلون على حقهم كاملا من المبيع في الوزن و المواصفات لكن الواقع هو عكس ذلك. و الله تعالى هدد و توعد هؤلاء التجار بالعذاب الأليم، فقال تعالى : ( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ) أي إن غضب الله سيحل بالتجار المنقصين لحقوق المشترين منهم ( الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) فيأخذون حقهم كاملا من الثمن ( وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أي ينتقصون من المبيع، وورد في كتب التفسير عن ابن عباس أنه قال : لما قدم نبي الله المدينة كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله هذه الآية فأحسنوا الكيل بعد ذلك.

و كلمة ( ويل ) في الآية لها معاني متعددة، فقد ورد أن من معانيها حلول الشر و الحزن و الهلاك و الشقاء في العذاب، وورد أيضاً أن من معاني ويل أنها واد مهيب في نار جهنم ، كما تستبطن كلمة ويل معنى اللعن و تستعمل فيه حيث من يقال له ويل يكون ممن لعنه الله تعالى و طرده من رحمته، ويدل على ذلك ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : ( و لم يجعل الويل لأحد حتى يسميه كافرا ) قال الله عز وجل : ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) أصول الكافي ج 2 ص 32، و نستفيد هنا أن المعاملات التجارية الفاسدة تورث الكفر و تفسد العقيدة، لذا قال تعالى :(أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿4﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿5﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿6﴾ ) فالخوف من عذاب الله يبعد الإنسان عن مخالفة أوامره تعالى وخاصة الخوف من الحساب يوم القيامة و ما يعقبه من العذاب الأليم، كما نستوحي من الآيات المتقدمة أن العقيدة لها دور كبير و مؤثر في سلوك الإنسان، فالإنسان الذي يوقن بالله و بحسابه و عقابه يعيش الخشية و الرهبة منه تعالى، بينما ضعاف العقيدة فانهم أكثر جرأة على ارتكاب الذنوب و المعاصي.

و من هنا فإن على الانسان البصير أن يسعى الى تحسين إيمانه بالله و تنمية يقينه به و بعدالته و بحسابه، و حديث الله تعالى عن يوم القيامة وبعث الأموات من القبور و قيامهم للحساب و ما يصحب ذلك من أهوال كله يساعد على جلاء القلب و علاجه من الأمراض التي تحرمه الخشية من الله . و ما نريد أن نؤكده في هذا المقام أن الإيمان بالله اذا لم يصحبه خوف من الله هو إيمان ضعيف و اذا وجد المؤمن في نفسه ضعفا في الخوف لديه من الله تعالى فعليه أن يتأمل في الآيات التي تتحدث عن العذاب و العقاب في الآخرة فإن ذلك يساعد القلب على الخشية من الله تعالى، و كذلك يتدبر في الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام التي تتحدث عن الاهوال التي يتعرض لها الانسان في الآخرة.

عاقبة العاصين لله بعد الموت :

بعد الحديث عن المطففين يوم القيامة تحدث الله تعالى عن الفجار و عن مصيرهم في الآخرة و عاقبتهم السيئة، قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿7﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿8﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿9﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) تحدث الله تعالى عن مصير المطففين و غيرهم من الذين يخالفون شرع الله تعالى وما سيلقونه من العذاب يوم القيامة أو بعد الممات، و أطلق تعالى وصف الفجار على الجميع، و ذكر تعالى أنهم يستحقون العقاب الأليم بإدخالهم مكاناً للعذاب اسمه سجين ، قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿7﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿8﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿9﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) و لا بد من الوقوف على معاني هذه الايات و أهدافها وهي تشير الى أمرين وهما:

الامر الاول : هو التأكيد على وجود الحساب و الجزاء بعد الممات و خاصة للمسيئين و المنحرفين وأن الله تعالى لن يتركهم دون أن يذيقهم أليم العذاب على أعمالهم و معاصيهم، الأمر الثاني : إن الله تعالى أشار الى أنه أحصى أعمال الكفار و المشركين و العصاة في كتاب اسمه كتاب الفجار, قال تعالى : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) و الهدف من ذكر هذا الكتاب هو أن يعلم الاحياء أن أعمالهم مسجلة و مدونة من قبل الله تعالى، و يظهر أن هناك أكثر من كتاب للإنسان فهناك كتاب تسجل به أعمال الانسان بشكل فردي دون أن يشركه أحد فيه ، وهناك كتاب آخر تسجل فيه أعمال الانسان بالاشتراك مع غيره و كأن هناك حساب و جزاء جماعي، و أشار الله تعالى في الآيات المتقدمة أن الفجار لهم كتاب مشترك بينهم و لهم أيضاً حساب و جزاء مشترك وهكذا المؤمنون, لذا علينا ان نحسن العمل و نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب فالحساب في الاخرة عسير وصعب، و الله تعالى أكد على تسجيل أعمال الانسان بوصف الكتاب بأنه مرقوم أي رقّم عليه أعمال العباد و ذكرت فيه أدق التفاصيل، فقال تعالى : ( كِتَابٌ مرقوم).

الامر الثالث : أشار تعالى الى مكان وجود كتاب الفجار فقال : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) السجين هو مكان وجود كتاب الفجار، و الله تعالى أشعرنا بعدم التهاون بسجين فقال : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ) وكلمة سجين من صيغ المبالغة لمفردة السجن أي هو سجن شديد العذاب و الآلام ، و هناك من ذهب الى أن المقصود بسجين هو كتاب سجل عليه أعمال أهل النار بدلالة قوله تعالى : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿8﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿9﴾) أي مكتوب و المعنى الاول أن سجين بمعنى السجن هو أقرب الى مقصود الآية لأنه قال تعالى في بداية حديثه : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) و حرف في يدل على الظرفية أي أن كتاب الفجار موجود في سجين أي في مكان اسمه سجين لان الفجار تسجن فيه أرواحهم ويكون فيه كتابهم و سجل أعمالهم، و أما قوله تعالى : ( كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ) فإنه يعود الى كتاب الفجار أي إنه مرقوم و لا يعود الى سجين.

و ما يؤكد أيضاً ذلك أن سجين هو المكان الذي تعذب في أرواح العصاة ما ورد من أحاديث عن النبي و أهل بيته عليهم السلام و التي تفسر بأن سجين مكان موجود في داخل الارض حيث تنزل الملائكة فيه أرواح الكفار لتنال نصيبها من العذاب، بينما أرواح المؤمنين و الصالحين تصعد الى السماء لتنعم و تسعد، و نورد بعض الروايات حول هذا الموضوع منها ما جاء في مجمع البيان قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : ( سجين أسفل سبع أرضين )" ج 4 / 254" وجاء أيضا في تفسير نور الثقلين عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : ( أما المؤمنون فترفع أعمالهم و أرواحهم الى السماء فتنفتح لهم أبوابها، و أما الكافر فيصعد بعمله وروحه حتى إذا بلغ السماء نادى مناد : إهبطوا به الى سجين وهو واد بحضرموت يقال له : برهوت ) "ج 8 ص 140".

وهناك روايات أخرى تفيد نفس المضمون و نخلص الى القول بأن سجين عبارة عن مكان في الارض يعذب الله فيه العصاة ، وفي الحديث عن سجين عظة و درس و عبرة لنا حتى نلتزم خط الاسلام قولا و فعلا و يكون هذا الالتزام سببا في نجاتنا.



الذنوب و المعاصي و ما لهما من نتائج سلبية في حياة المجتمعات:

الشرائع التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء عليهم السلام تهدف الى تجسيد العبودية و الطاعة لله تعالى، و تنطلق من مصالح واقعية للناس لتجلب الخيرات لهم و تبعد عنهم المضار و المفاسد، و عليه فكل مخالفة لله يرتكبها الانسان لها انعكاس على حياته و رزقه و معاشه و نفسه و علاقته مع أخيه الانسان، و الرسول الأعظم قد أكد على هذه الحقيقة في كثير من الأحاديث الشريفة الواردة عنه، و منها هذا الحديث الذي رواه بن عباس عنه أن النبي قال صلوات الله عليه: (خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلّط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر) "صحيح الجامع 3240"

فإنه قال صلى الله عليه و آله و سلم : ( خمس بخمس قيل يا رسول الله و ما خمس بخمس ؟ ) يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك خمس معاصي إذا ارتكبها الانسان فان لها نتائج سلبية لذا قال صلوات الله عليه : ( ما نقض قوم العهد الا سلط الله عليهم عدوهم ) المقصود بالعهد هو طاعة الله تعالى و التزام أوامره، و قد عهد بها تعالى الى البشر عبر الرسل و الأنبياء عليهم السلام و الكتب المنزلة، و إذا ما ترك الناس عهد الله اليهم فإنهم يعاقبون بحكام لا رحمة في قلوبهم يمارسون الظلم و الجور بأبشع صوره هذا الامر الاول و الامر الثاني قال النبي صلى الله عليه و اله و سلم : ( و ما حكموا بغير ما أنزل الله الا فشا فيهم الفقر) و يقصد صلى الله عليه و آله و سلم هنا أن المجتمعات التي لا يحكم حكامها بالتشريعات التي أنزلها الله و اختاروا بدلا عنها تشريعات وضعية فإن هذه المجتمعات ستبتلى بالفقر و الجوع لأنه لا يحمي حقوق الناس الا الالتزام بالتشريعات التي أنزلها الله تعالى أما التشريعات الوضعية فإنها وضعت من قبل الطبقة الرأسمالية لمصالحها. و الامر الثالث في حديث النبي هو : ( و ما ظهرت الفاحشة الا فشا فيهم الموت ) و المقصود بالفاحشة هنا الزنا, و قوله صلوات الله عليه فشا فيهم الموت كأنه إشارة الى أن الفاحشة تتسبب بأمراض تفتك بأهلها، والأمر الرابع هو : ( و لا طففوا الكيل الا منعوا النبات و أخذوا بالسنين) و المقصود بطففوا الكيل هو الفساد التجاري القائم على الغش في الكيل و الوزن و الخداع و التمويه مع المشتري, و معصية التطفيف في الكيل تؤثر على الزرع فيسلب منه الله البركة فيقل أو ينعدم و ينتج عن ذلك الجوع و الفقر، و الامر الخامس و الأخير وهو يشبه الامر الرابع قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( و لا منعوا الزكاة الا حبس الله عنهم المطر ) وحرمتهم من الزرع حينئذ .



ضرورة التففه في أحكام التجارة :

إن من الأمور التي ركز عليها الاسلام لإصلاح الوضع الاقتصادي هو دعوة الناس وخاصة التجار الى التفقه في أحكام التجارة, وقد أنزل الله تعالى منظومة من الاحكام التي تتعلق بالتجارة وبيان ما يحل منها وما يحرم لذا يجب على كل من يتعاطى التجارة أن يدرس أحكامها في شرع الله حتى لا يقع في المخالفة, وورد عن الامام علي عليه السلام أنه كان يوصي التجار بضرورة التفقه في الدين و تعلم أحكام التجارة، وكان صلوات الله عليه يبين للناس هذه الاحكام. روى الأصبغ بن نباتة أنه قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول على المنبر : ( يا معشر التجار الفقه ثم المتجر, الفقه ثم المتجر, الفقه ثم المتجر. ) الى أن قال : ( التاجر فاجر و الفاجر في النار الا من أخذ الحق و أعطى الحق ) "أصول الكافي ج 5 ص150" بين الامام صلوات الله عليه في حديثه أمرين، و هما:

والتفقه في الدين لا يختص بالتجار بل يجب على كل الناس التفقه في الدين, وفي حديث المفضل: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعراب. فإنه من لم يتفقه في دين الله لمينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملاً ) "الكافي ج1 ص31",وفي صحيح أبان بن تغلب عنه عليه السلام قال: (لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا) "نفس المصدر المتقدم"

إن الحضور الى المساجد بهدف التفقه واجب لوجوب التفقه فلا اسلام بلا تفقه في الدين و معرفة عقائده و أحكامه . وفي صحيح مسعدة بن زياد سمعت جعفر بن محمد عليهم السلام وقد سئل عن قوله تعالى: (فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) فقال:( إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: أ كنت عالم؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهل، قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه. وذلك الحجة البالغة) "بحار الأنوار ج1ص177"
ونحن نؤكد على أهمية دور المساجد في تفقيه الناس و تعريفهم بدينهم، و هناك مسؤولية على المؤمنين في أن يقفوا الى جانب العلماء العاملين في المساعدة على إحياء دور المساجد، فإنه يحرم تعطيلها و خاصة في إضعاف دورها في نشر العلم و المعرفة و الفقه في الدين، فالمساجد ليست فقط مكاناً للصلاة و تلاوة القرآن بل هي أيضاً مكاناً لتعلم أحكام الدين و عقيدته و التعرف على كافة المعارف و المفاهيم الدينية.

الفساد الاقتصادي أساس دمار الأرض :

لا شك أن الحديث في الآيات المتقدمة يشكل عنوانا للحديث عن الفساد الاقتصادي بكل معانيه، فالآيات لا تنحصر في المعاملات التجارية الصغيرة فقط، بل تشمل كل أنواع المعاملات الاقتصادية لاسيما الكبرى منها التي تتحكم باقتصاد الشعوب و التضييق عليها من أجل دفعها نحو أخذ مواقف لصالح القوى الحاكمة و الظالمة، و تعرف في عصرنا بالشركات الاقتصادية الكبرى العالمية و التي تقف وراءها دول و أنظمة و حكومات لا سيما شركات النفط و الأدوية و المواد الغذائية و مواد البناء و السيارات و غير ذلك، و الآية تعتمد على الاحتكار و التحكم بالأسعار و حرمان الشعوب من بناء اقتصادها، و فرض واقع اقتصادي له انعكاس سيئ على العقيدة و الأخلاق و السياسة و الثقافة.

و نلاحظ كيف أن سوء إدارة الاقتصاد يؤدي الى نشر الفقر و الفساد و الرذيلة بين الناس و سرقة أموال شعوب العالم لصالح رفاهية و ترف طبقة حاكمة ، فالفقر و الحرمان يدفعان المجتمعات الى الكفر و الاستعباد و الوقوع في المفاسد، و الاسلام يحارب كل أنواع التجارة التي تؤدي الى إفساد المجتمعات، و الله تعالى جعل في الأرض خيرات لينعم بها جميع الناس فيعيشون حياة سعيدة, و قدر الله تعالى لكل مولود رزقه و قوته و اذا حرم منه فهذا بسبب الظلم و الفساد و سوء التوزيع، فالفساد الاقتصادي يؤدي الى الفساد الديني و العقائدي و يؤدي أيضاً الى الفساد الأخلاقي و الاجتماعي و يدفع المجتمعات نحو الحروب و سفك الدماء.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد واله و صحبه و جميع عباد الله الصالحين.

امام مسجد الامام شرف الدين (قده) – صور
الشيخ حسين اسماعيل
28 / 3 / 2014


New Page 1