Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لفضيلة العلامة الشيخ علي ياسين العاملي في مسجد الحوزة الدينية في صور


:: 2014-04-05 [00:16]::


" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"
منذ أن خلق الله سبحانه هذا الكون خلق معه جنة ونار ، وأمر مخلوقاته من الملائكة والإنس والجن أن يعبدوه ، فمن أطاع الله يكون من أهل الجنة ومن عصى الله فإنّ مصيره إلى جهنّم التي سجّرها جبّارها لغضبه ، وأمر الله سبحانه في هذه الآية المؤمنين ، وحينما يبدأ الله نداءه وخطابه بـ " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " حينها يكون موجّهاً للخواص من عباده وهو تعبير رحماني وتنبيه بأنّ النار التي خلقها الله سبحانه وقودها الناس العصاة والحجارة وفيها ألوان العذاب ، لا يطيقها الإنسان ، عذابٌ وصفه أمير المؤمنين (ع) قائلاً : ليس جرحاً بالمدى ولكن ما يستصغر معه ذلك أعاذنا الله منها برحمته .
وقد تحدّث القرآن كثيراً عن النار ؛ وبيّن صور عديدة للعذاب الذي وعد الله به من خالفه وعصاه ، وسمّاها بأسماء عديدة :
1- جهنّم : " وإنّ جَهنَّم لَمَوْعِدُهم أجمعين * لها سبعةُ أبوابٍ، لكل بابٍ منهم جزءٌ مقسوم " .
2- السعير : " فَرِيْقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيْقٌ فِي السَّعِيْرِ " .
3- سقر : " سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ " .
4- لظى : " كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى " .
5- الجحيم : " فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى " .
6- الحطمة : " كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ " .
7- الهاوية : " وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ " .
هذه الأسماء السبعة قد تكون هي الأبواب أو الدركات ( الدرجات ) و " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار " .
قال تعالى " وإنّ جَهنَّم لَمَوْعِدُهم أجمعين، لها سبعةُ أبوابٍ، لكل بابٍ منهم جزءٌ مقسوم " .
عن الإمام أمير المؤمنين "عليه السلام: " أنَّ جهنَّم لها سبعة أبوابٍ أطباق بعضها فوق بعض، ووضع إحدى يديه على الأخرى، فقال عليه السلام: هكذا وإنَّ الله وضع الجنان على العرض، ووضع النّيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنَّم وفوقها لظى وفوقها الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية، قال وفي رواية أسفلها الهاوية وأعلاها جهنَّم "
وإنّ عذاب جهنّم عذاب مادي جسدي وعذاب روحي نفسي .
إنّ العذاب في النار عذابٌ دائم ، قال تعالى " يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ " وقال أيضاً " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ " .
وعن أمير المؤمنين عليهِ السَّلام أنه قال: وأما أهل المعصية فخلدوا في النار ، وأوثق منهم الاقدام ، وغل منهم الأيدي الى الاعناق ، وألبس اجسادهم سرابيل القطران ، وقطعت لهم منها مقطعات من النار ، وهم في عذاب قد اشتد حرّه ، ونار قد اطبق على أهلها ، فلا يفتح عنهم أبداً ولايدخل عليهم ريح أبداً ، ولا ينقضي منهم عمر أبداً ، العذاب أبتداً شديد ، والعقاب أبداً جديد ، لا الدار زائله فتفنى ، ولا آجال القوم تقضى ، ثمّ حكى نداء أهل النار ، فقال : (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) قال : أي نموت، فيقول مالك(انكم ماكثون) .
وليس هناك عذاب أشد من عذاب النار ومهما اشتد العذاب وعظم لا يقارن بعذاب النار ، يقول الإمام علي (ع) : كلّ بلاءٍ دون النار عافية . ويقارن أمير المؤمنين (ع) بين عذاب النار الذي لا يطيقه وعذاب الدنيا الذي لا يستطيعه – كما ورد في دعاء كميل – ليظهر عظيم الفرق بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة : يا رَبِّ وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفي عَنْ قَليل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها وَما يَجْري فيها مِنَ الْمَكارِهِ عَلى اَهْلِها، عَلى اَنَّ ذلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَليلٌ مَكْثُهُ، يَسيرٌ بَقاؤُهُ، قَصيرٌ مُدَّتُهُ فَكَيْفَ احْتِمالي لِبَلاءِ الاْخِرَةِ وَجَليلِ (حُلُولِ) وُقُوعِ الْمَكارِهِ فيها وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ اَهْلِهِ لأنَّهُ لا يَكُونُ إلاّ عَنْ غَضَبِكَ وَاْنتِقامِكَ وَسَخَطِكَ، وَهذا ما لا تَقُومُ لَهُ السَّمـاواتُ وَالاَْرْضُ يا سَيِّدِي فَكَيْفَ لي (بي) وَاَنَا عَبْدُكَ الضَّعيـفُ الـذَّليـلُ الْحَقيـرُ الْمِسْكيـنُ الْمُسْتَكينُ .
طعام أهل النار شجرة الزقوم ؛ والزقوم عشب مرٌّ كريه الرائحة عصارته شديدة المرارة وحادة الطعم ، إذا لامس جسم تورم ، والشراب ماء حميم " وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ " ، " فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ " ، " مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ " ، " فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ " ففي النار تنضج الجلود وتبدّل ليستمرّ العذاب ؛ هذا العذاب الجسدي المادي ، أما العذاب الروحي النفسي فهو المهانة وكثرة اللوم والتقريع والحسرة ، يقول تعالى " وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ " ، ويقول " كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " .
ويتحدّث القرآن بلسانهم " رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ " فيقول لهم الله " اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ " وكلمة إخسأ تستخدم لطرد الكلب . " وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي " .
هذه هي النار التي إن ذكرها المعصوم يرتجف ويصفرّ ويكاد يغمى عليه من شدّة هولها ، روي عن محمد بن أبى عمير عن أبى بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قلت له : يا ابن رسول الله خوفنى فان قلبى قد قسى...! فقال: ( يا أبا محمد استعد للحياة الطويلة فان جبرائيل جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجئ مبتسما، فقال رسول الله: يا جبرائيل جئتنى اليوم قاطبا...! فقال : يا محمد قد وضعت منافخ النار...؟ فقال(صلى الله عليه واله): وما منافخ النار يا جبرائيل...؟ فقال: يا محمد أن الله عزوجل أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى احمرت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، ولو أن حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرها، ولو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من ريحه ووهجه.
قال: فبكى رسول الله (صلى الله عليه واله) وبكى جبرئيل. فبعث الله إليهما ملكا فقال لهما: أن ربكما يقرئكما السلام, ويقول: قد أمنتكما أن تذنبا ذنبا أعذبكما عليه، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): فما رأى رسول الله (صلى الله عليه واله) متبسما بعد ذلك. ثم قال: أن أهل النار يعظمون النار، وان أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم، وان جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد، وأعيدوا في دركها، هذه حالهم وهو قول الله (عزوجل): ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج:22), ثم تُبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم. فقال: أبو عبدالله (عليه السلام): حسبك يا أبا محمد..؟ قلت: حسبي حسبي .
هذه هي النار التي ارتعبت منها سيدة نساء العالمين السيدة الزهراء (ع) ، في الحديث أنها عليها السلام حينما قرأت " " جاءت مرتعبة إلى رسول الله (ص) وقالت : ونحن يا رسول الله ؟ فقال (ص) : ونحن ؛ لكن الورود يختلف : منهم من يردها كلمح البصر ، ومنهم من يردها كالبرق ، ومنهم من يردها كالطير ، ومنهم من يردها كعدو الخيل ، ومنهم من يردها ركضاً ، ومنهم من يردها مشياً ، ومنهم من يردها حبواً ... ومنهم من يقع فيها ، ثم قال (ص) لها : يا فاطمة اعملي فإنّ أباك لا يغنِ عنكِ من الحق شيئاً ، يا فاطمة إنّ الله خلق الجنّة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً .
لذا أمر الله سبحانه المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأولادهم وأزواجهم النار قبل أن يأتي يوم القيامة ويطلب الولد من الله سبحانه أن يجعل والده جسراً يعبر عليه إلى جهنّم لأنه لم يدلّه على طريق الخير والنجاة .
الإنسان العاقل والمؤمن قبل أن ينجب الأولاد يبحث للزواج بامرأة صالحة تربت في بيت إيمان وعلم ، وقد ورد في الحديث عن النبي (ص) : تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس . وإن رزقه الله أولاداً يبدأ بتربيتهم وتعريفهم أحكام دينهم وسبب وجودهم باكراً ، وما استحباب أن نؤذّن بالأذن اليمنى للمولود ونقيم في اليسرى إلاّ التأكيد على أن تسمع ولدك الكلام الطيب ، عن الإمام الصادق (ع) : علّموا أولادكم علمنا وما ينتفعون به قبل أن تسبقكم المرجّئة . وهي إشارة إلى تحصينه عن طرق الضلال .
وهناك مضمون أحاديث : لاعبه سبعاً وعلّمه سبعاً واصحبه سبعاً .
نقي أنفسنا وأهلينا النار بتحصينها وعدم اطلاق العنان للنفس لأنها أمارة بالسوء ، ومحاسبة أنفسنا كل ليلة ، فعن الإمام الكاظم (ع) : ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه ، وإن عمل شرّاً ؛ استغفر الله منه وتاب إليه . وعن الإمام علي (ع) : مَنْ حاسب نفسه ربح .
فعلى الإنسان أن يحذر عدوّه اللدود الشيطان ، فلا يسمع لوسوسته ويسد جميع المنافذ والسبل التي يمكن للشيطان أن ينفذ إليه من خلالها ، حينئذٍ نقي أنفسنا ونقي أهلنا نار جهنّم وذلك بحثّهم وإرشادهم إلى فعل كل ما يرضي الرب .
عن الإمام الصادق (ع) حينما نزلت هذه الآية " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا " : جلس رجل من المؤمنين يبكي وقال : أنا عجزت عن نفسي وكُلّفتُ أهلي ؟ فقال رسول الله (ص) : حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك وتنهاهم عما تنهي عنه نفسك .
وفي الحديث سأل أبو بصير الإمام الصادق (ع) عن هذه الآية : كيف أقيهم ؟ قال (ع) : تأمرهم بما أمر به الله وتنهاهم عما نهى عنه الله ، فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك .
وفي ختام الكلام لابد وأن نبارك للجيش والقوى الأمنية الانجازات التي يحققونها في تثبيت الأمن ، بمجرد أن أمن الغطاء السياسي للعملية الأمنية ، وهنا نسأل : على من تقع مسؤولية سفك الدماء والدمار الذي حصل ؟ لا شك أنّ من تسبب بذلك هو من أهل النار وسيندم يوم لا ينفع مال ولا بنون . فالواجب أن نستغل الفرص ونتعاون على ما ينهض ببلدنا ويثبت الأمن والاستقرار ويؤمن الخدمات للمواطنين لتسير عجلة الاقتصاد ويستقر الوضع ويتعاون المواطنون لينسوا الماضي الأليم ، وما مشاهد العناق بين أبناء طرابلس وجبل محسن إلاّ تأكيد على أنّ الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني تسعى للتعايش وتنبذ الطائفية التي يعمل على تغذيتها من يريد السوء للبنان واللبنانيين ويسير في ركاب المؤامرة الصهيو أمريكية على المنطقة .
وآخر دعوانا أن صلِّ اللهم على المصطفى وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .













New Page 1