Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



فضيلة الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : في رحاب سورة الفاتحة الشريفة


:: 2014-04-11 [14:40]::

ام فضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمعة في مسجد الامام شرف الدين في حارة صور القديمة بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

إن من السور القرآنية الكريمة و التي تحتوي على معاني قيمة و مضامين مضيئة سورة الفاتحة, التي أنزلها الله تعالى مرتين على الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه و آله وسلم مرة في مكة و مرة في المدينة, و لأهمية هذه السورة فرض الله قراءتها في الصلوات اليومية و المستحبة, و لا بد أن نعيش أجواء هذه السورة الروحية و العقائدية و التربوية ونعكسها في حياتنا و مواقفنا, و نتحدث عن هذه السورة من خلال العناوين التالية :

سورة الفاتحة مدرسة في الدعاء :

الدعاء من أهم المحطات في علاقة الانسان بالله و لا بد أن يحسن الانسان دعاءه مع الله، فلا يخاطبه كما يخاطب غيره من الناس، و الاسلام حمل الى الناس أصول الدعاء و كيفية الدعاء الصحيح، و الذي ينبغي أن يبدأ بالحمد و التمجيد لله تعالى و الثناء عليه و إظهار التذلل و الخضوع له، و الإقرار بربوبيته و عبوديته تعالى ، و بعد ذلك يطلب الداعي و يسأل ربه ما يحتاج إليه. وسورة الفاتحة تحمل أجواء الدعاء وآدابه المتقدمة التي لا بد أن نلتزم بها حتى يكون الدعاء سليما، فلا تتخلله بدع و أمور منحرفة تخرجه عن مساره الطبيعي، ويصبح بذلك الدعاء طريقا و سبيلا لإبعاد الانسان عن ربه هذا إن لم يكن مأثوما و مؤاخذا لأنه تهاون بمناجاة الله وكان دعاؤه على خلاف الأصول وخاطب الله تعالى بما لا يليق به .

و أفضل الدعاء ما كان مسنونا و مأثورا و ثبت صحة روايته عن الرسول و أهل بيته عليهم السلام، فيكون طبقا لشروط الدعاء الذي يحبه الله تعالى و يحب أن يخاطبه به الناس، و من أصول الدعاء التي تشير اليه سورة الفاتحة بالإضافة الى ما تقدم عدم جعل واسطة في الدعاء بين الله و الداعي، و الا يتنافى مع عقيدة التوحيد.

سورة الفاتحة جامعة لكليات العقيدة و العمل :

ورد في بعض الأحاديث تسمية سورة الفاتحة بأم الكتاب ومنها ما جاء في مجمع البيان عن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال : ( و الذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة و لا في الإنجيل و لا في الزبور و لا في القرآن مثلها وهي أم الكتاب ) يشير النبي صلى الله عليه و اله و سلم في حديثه الشريف هذا الى أمرين ، وهما : الامر الاول : أشار النبي صلوات الله عليه الى فضيلة سورة الفاتحة أنها تتقدم على غيرها مما أنزله الله تعالى من الكتب السماوية، وأيضا على باقي السور القرآنية ولعل هذه الفضيلة هي من ناحية و ليس من كل النواحي وهي ما أشار اليها النبي في الامر الثاني من كون الفاتحة توصف بأم الكتاب و المقصود بهذا الوصف هو احتواء الفاتحة على معاني و مضامين تعود اليها كل مقاصد الكتب المنزلة و أيضاً باقي السور القرآنية حيث تشير سورة الفاتحة الى كليات في العقيدة و العمل، وهذا ما سيتبين معنا من خلال الحديث عن مضامين آياتها و ما تختزنه من قيم و مبادئ عقائدية و سلوكية.

وورد عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أيضاً ما يؤكد شمولية الفاتحة بالمعنى المتقدم, أنه قال : (أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن و أعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن و مؤمنة ) "مجمع البيان"، فالأجر و الثواب الذي يحصل عليه المؤمن التالي لسورة الفاتحة أو لغيرها هو مشروط بالتزامه العملي بما تتضمنه السورة من التوجيهات العقائدية و السلوكية، ومن هنا فالتلاوة الصحيحة للسورة هي التي يصحبها تجسيد لمعاني و مضامين آياتها، و يعكسها في حياته الى مشروع يسعى الى تحقيقه ، أما التلاوة التي لا تتجاوز حركة اللسان و الشفتين فإنها لا قيمة لها عند الله بل تنعكس سلبا على صاحبها و تكون حجة عليه غداً .

و نتوقف هنا عند حقيقة تتعلق حول تسمية سورة الفاتحة بالفاتحة و الرسول صلى الله عليه واله وسلم سماها بهذا الاسم بوحي من الله، لأنها وضعت في أول القرآن و في ذلك دليل على أنه تم جمع القرآن و ترتيب سوره في حياة النبي, وهناك روايات تشير الى ذلك منها ما ورد عن الامام الصادق عليه السلام أن رسول الله قال لعلي عليه السلام : ( يا علي ان القرآن خلف فراشي في الصحف و الحرير و القراطيس فخذوه و اجمعوه و لا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة و انطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب اصفر ثم ختم عليه ) " الأمثل ج 1 ص 19", و من المعلوم أن ترتيب السور القرآنية لم يكن بحسب النزول الزماني لها بل خضع لأسلوب آخر يتجاوز ذلك, وهو للتأكيد على أن القران هو كتاب هداية لكل العصور و لا يختص بعصر البعثة النبوية الشريفة.

و ما يؤكد أيضا أن جمع القرآن تم في حياة النبي هو أنه لو ترك صلوات الله عليه جمع القران للمسلمين من بعده لأدى الى اختلافهم حول ترتيبه وذلك يؤدي الى تضييعه، فجمع القرآن في حياة النبي يؤدي الى حفظه وهذا مضمون قوله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ) " الحجر / 9 "، و الترتيب الذي هو عليه القرآن الكريم الآن هو ما كان عليه في زمن النبي صلوات الله عليه، و القرآن محفوظ من قبل الله تعالى منذ أن نزل الى قيام الساعة, و الله حفظه من التبديل و التحريف و التنقيص و الزيادة، و ما ورد في بعض الاحاديث من وجود زيادة أو نقصان في القرآن الكريم فلا يؤخذ بها، فإنها أحاديث ضعيفة و موضوعة و ترويجها فيه تضليل للناس.

الفاتحة و السبع المثاني :

لم يتحدث الله تعالى عن سورة في القرآن من خلال سورة أخرى الا سورة الفاتحة، فقد أشار الله تعالى اليها في سورة الحجر فإنه قال تعالى : ( و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم (77)) وفي ذلك فضيلة لسورة الفاتحة كما تشير هذه الآية أيضا الى فضيلتين ثانيتين لها وهما :

الفضيلة الاولى : وهي مخاطبة الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و آله وسلم أنه أنزل عليه سورة الفاتحة امتنانا و كرامة له, قال تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني )، و في ذلك مدح و فضيلة للسورة.

الناحية الثانية : قال تعالى : ( و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم) المقصود بالسبع أن عدد آيات الفاتحة سبع, و أما المثاني فيقصد بها ان الله فرض قراءة الفاتحة مرتين في كل صلاة، ودلت هذه الآية على فضيلة ثانية لسورة الفاتحة وهي أنه تعالى جعلها بإزاء القرآن من خلال عطفه عليها, و مما ورد أيضا حول فضيلة سورة الفاتحة ما جاء على لسان الامام الصادق عليه السلام فانه قال :(رن ابليس اربع رنات أولاهن يوم لُعن و حين أُهبط الى الأرض و حين بعث محمد صلى الله عليه واله وسلم على حين فترة من الرسل و حين نزلت أم الكتاب ) " نور الثقلين ج1 / 4 " و المقصود برن ابليس هو صيحة الألم و صرخة الحزن و ابليس رن من نزول سورة الفاتحة لما لها من تأثير تربوي و عقائدي على الناس مما يقطع الطريق على الشيطان.

و نبدأ الحديث الآن عن مضمون آيات سورة الفاتحة بشكل عام و نبدأ بالآية الاولى من سورة الفاتحة وهي البسملة، قال تعالى :

( بسم الله الرحمن الرحيم (1) )

تتضمن البسملة عدة أمور، وهي : ان من الأمور التي تتضمنها آية البسملة انها تشير الى أهمية ذكر الله تعالى عند كل عمل أو أي أمر يريد أن يقدم عليه المؤمن، لأن ذكر الله هو مصدر الخير و البركة و التوفيق، و الباء في البسملة تدل على طلب الاستعانة, وعند دخولها على اسم الله تدل على طلب الاستعانة "باسم الله " في التوفيق و التسديد عند القيام بأي عمل، واستعانة الانسان بالله ضرورية لأنه تعالى هو القادر على التصرف في حياة الانسان و حياة المخلوقات من جلب الخير لها و دفع الضر عنها.

و لا يخفى أن حقيقة الاستعانة لا تتعلق "باسم الله" فان اسم الله غير الله و الاسم غير المسمى، و لكن المقصود من ذكر الاسم هو الدلالة على المسمى أي الإشارة الى نفس الذات الإلهية ، وعليه فحينما يقول المؤمن بسم الله يضمر في نفسه أنه يستعين بمن إسمه الله و ليس باسمه, و الا فالاستعانة بالاسم توقع في الشرك, و الى ذلك أشار الامام الصادق عليه السلام في حديثه الى هشام بن الحكم فقد جاء في اصول الكافي للكليني رحمه الله بسنده عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبدالله عليه السلام عن أسماء الله واشتقاقها: (الله مما هو مشتق؟ قال: فقال لي: يا هشام الله مشتق من إله والاله يقتضي مألوها والاسم غير المسمى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد أفهمت يا هشام؟

قال: فقلت: زدني قال: إن لله تسعة وتسعين اسما فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها إلها ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الاسماء وكلها غيره، يا هشام الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعداءنا ( الزنادقة و المشككين بعقائد الاسلام ) والمتخذين مع الله عزوجل غيره؟ قلت: نعم، قال: فقال: نفعك الله به وثبتك يا هشام، قال هشام فو الله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا) " الكافي ج1 باب المعبود ص 87 الحديث 2 ".

و حول استحباب ذكر الله قبل أي عمل جاء في حديث النبي الشريف أنه قال : ( كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو ابتر ) فان ذكر الله تعالى مصدر الخير و البركة، وورد عن أمير المؤمنين أنه قال عليه السلام : ( ان العبد اذا أراد ان يقرأ أو يعمل عملا فيقول بسم الله الرحمن الرحيم فانه يبــارك فيـه) " البحار / ج 89 / ص 241 "

و الله تعالى يخبرنا عن نبي الله نوح عليه السلام أنه بدأ بذكر البسملة حينما ركب السفينة حتى يباركها الله تعالى و يدفع عنه و عمن ركب معه فيها مخاطر الطوفان، قال تعالى متحدثا عن نوح عليه السلام : ( و قال اركبوا فيها بسم الله مجراها و مرساها ) " هود / 41 " ، و الانسان حينما يرتبط بالله تعالى يشعر بالسكينة و الطمأنينة لأنه يكون محاط برعاية الله و حصانته و تدبيره، و الله تعالى وعد من ذكره و اخلص في ذكره له ان يذكره بعنايته عند الشدائد, قال تعالى : ( اذكروني أذكركم ) " البقرة / 152" و لا بد للمؤمن ان يذكر الله تعالى على كل حال و في كل الأوقات, حتى ينال الرعاية العامة و الشاملة من قبله تعالى.


و المقصود بكلمة " الله " هي اسم علم يدل على الذات الجامعة لكل صفات الألوهية من الصفات الثبوتية الكمالية كالعلم و القدرة و الحياة و الإرادة و الصفات السلبية من التنزيه عن الجسمية و كل صفات النقص كالظلم و الجهل، كما أن المقصود ب " الرحمان " هو المنعم الذي عم بنعمه جميع البشر دون فرق بين مؤمن و كافر في الدنيا، فالجميع ينعمون بخيراته الا ان هذه النعمة زائلة و بائدة بخلاف صفة " الرحيم" التي تدل على ان الله تعالى ينعم في الآخرة فقط على المؤمنين المتقين، وهي نعمة خالدة لا انقطاع لها.

كما نستوحي من صفتي الرحمان الرحيم لله تعالى ان علاقة الله بالخلق قائمة على الرحمة، و رحمة الله تعالى تعني إحسانه و كرمه و لطفه و رحمته و ما شابه من متفرعات الرحمة، و الله تعالى ليس بمحتاج الى رحمته بل هي من تجليات عظمته، و الله تعالى ليس بحاجة الى ان يخلق الخلق، كما خلقه تعالى للخلق لا ينقص من قدرته شيئا و لا يزيد فيها، فهو متصف بالكمال المطلق الذي لا حدود له و يغنيه عن غيره غنا مطلقا.

( الحمد لله رب العالمين (2))

دلت هذه الآية الثانية من سورة الفاتحة على حصر الحمد بالله تعالى، قال تعالى : ( الحمد لله) الحمد في اللغة معناه الثناء على الافعال الجميلة التي تصدر عن مشيئة و اختيار, و المقصود هنا بالحمد الثناء على الله تعالى على أفعاله الحكيمة الصادرة عنه كالخلق و التدبير، و المدح أعم من الحمد لان المدح قد يكون على الصفات الجميلة غير الاختيارية كما لو مدحت انسان على ذكاءه الذي هو أمر غير اختياري، اما لو كان صادقا فإنك تحمده و تثني عليه، "و الألف و اللام " الداخلة على الحمد هي للاستغراق الشاملة لكل انواع الحمد ، بمعنى أن كل الصفات التي هي مورد الحمد و الثناء ترجع الى الله تعالى، و من الأمور التي يحمد الله تعالى عليها هي ربوبيته تعالى لكل عوالم الخلق من سماوية و أرضية فإنها خاضعة لرعايته المباشرة دون واسطة أو شريك، بما فيها عالم الانسان فهو تعالى المدبر له و الذي يرعى مسيرة استمراره و وجوده و صلاحه و سيره التكاملي, و نستفيد من حمد الله لنفسه أنه غير مجبر على خلقه للعوالم و تدبيره لها بل ابتدعها برحمته وجوده.

و الله تعالى لم يفوض أمر ربوبيته الى أحد من خلقه لذا تدعونا الآية المتقدمة الى التوحيد في الألوهية و الربوبية، فلا يجوز ان ننسب الربوبية لغير الله تعالى و للأسف أغلب المجتمعات البشرية انحرفت على مدار التاريخ عن عقيدة التوحيد في الربوبية و قالوا بتعدد الآلهة، و الله تعالى أرسل الأنبياء عليهم السلام بدين التوحيد في الربوبية و غيرها، و هناك من قال بوحدة الله و لكنه قال بتعدد الأرباب وهذا باطل و غير صحيح.

( الرحمان الرحيم (3) )

هذه الآية الثالثة من سورة الفاتحة و فيها تأكيد لصفتي الرحمة في البسملة، كما تذكر هاتان الصفتان العباد برحمة الله في علاقته معهم، فانه تعالى يعاملهم برحمته دون أن يكون هناك ظلم و جور، و ينبغي على المؤمنين أن يتحلوا بالرحمة في علاقتهم مع بعضهم البعض و في سلوكهم فلا يكون لديهم تباغض و لا تحاقد و لا تحاسد و لا كراهية.

( مالك يوم الدين (4) )

تشير هذه الآية الكريمة الى الأصل الثالث من أصول العقيدة وهو الإيمان باليوم الاخر، الذي يحاسب الله فيه الناس على أعمالهم في الحياة الدنيا و يجازيهم عليها، و الله تعالى وصف نفسه في هذه الآية بانه المالك ليوم الدين، و نتوقف عند كلمة " الدين " فإن معناها في اللغة الجزاء وسمي اليوم الاخر بيوم الدين لان الله تعالى يجازي فيه العباد على أعمالهم, اما بدخول دار النعيم و إما بتصليتهم دار العذاب و الشقاء، و مالكية الله تعالى ليوم الحساب هي مقتضى مالكية الله للعباد و الخلق، وإيمان الانسان بمالكية الله تعالى له في الدنيا و للأشياء من حوله يفرض عليه ان يحاسب نفسه على مواقفه و أعماله و أقواله قبل أن يقوم بها، فإن كانت منسجمة و متوافقة مع أرادة الله تعالى المالك لأمره يقدم عليها و الا فيجب ان يعرض عنها، لان الأقدام عليها حينئذ يشكل معصية يؤاخذ عليها الانسان.

و من هنا كان الارتباط بالشريعة السمحاء و التفقه فيها أمر مطلوب وواجب, لان الله تعالى حدد فيها ما يريده من الانسان و ما لا يريده ، على قاعدة انه المالك للإنسان و لما يحيط به, و الله حدد ما يريده من عبيده و ما يأذن به لهم و ما لا يأذن به، كما ان الإيمان بمالكية الله المباشرة للحساب و الجزاء يوم القيامة هو التزام بتوحيد الله بأنه لا يشاركه أحد في الحساب و الجزاء، و أما دور الشفعاء و الملائكة يوم القيامة فهو مسبوق بالإذن لهم من الله و دون ان يكون لهم استقلالية.

( إياك نعبد و إياك نستعين (5))

الآيات قبل هذه الآية كانت تتحدث عن العقيدة و عن توحيد الله تعالى في الربوبية و الخلق و الحساب، ثم في هذه الآية المتقدمة و ما يتلوها الى آخر الآيات تحدثت عن الجانب العبادي و السلوكي للإنسان ، و من الواضح أن العقيدة أساس العمل، و نقرأ في الآية المتقدمة عدة أمور جديرة بالاهتمام ، وهي :

اولا : أشارت هذه الآية الى التوحيد لله في العبودية فلا تجوز العبادة لغيره، و العبادة هي حق من حقوقه تعالى على المخلوقات و كل بحسبه، قال تعالى : ( إياك نعبد ) تقديم المفعول به على الفعل يفيد الاختصاص و الحصر أي العبادة مختصة بالله تعالى وحده.

وثانيا : أشارت الآية المتقدمة الى موضوع الاستعانة بالله تعالى و الانسان بحاجة الى عون الله في كل شؤونه، بما فيه العبادة لله تعالى و اذا لم يكن هناك توفيق الهي للإنسان فانه يحرم من النجاح ومن تحقيق الأهداف، و لابد و أن يوحد الانسان ربه في موضوع الاستعانة و يعتبر أنه لا مؤثر في الوجود نفعا و لا ضرا الا الله تعالى، فلا يشرك أحدا مع الله في موضوع الاستعانة .

( اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين (7) )

تشير هاتان الآيتان الكريمتان من سورة الفاتحة الى جملة من الموضوعات المنيرة التي ينبغي على المؤمنين ان يعرفوها، و نتحدث عنها من خلال الأمور التالية :

الامر الاول : يعلمنا الله تعالى أن نسأله التوفيق و الهداية الى معرفة دينه و رسالته و معرفة ما هو الصالح لنا في هذه الحياة، قال تعالى: ( اهدنا الصراط المستقيم ) و الصراط المستقيم هو الاسلام بكل ما يمثل من قيم و مبادئ و تعاليم، و الصراط المستقيم هو الصراط الذي لا انحراف فيه و يقابله الطرق المنحرفة التي تقف على يمين و شمال الصراط المستقيم، وعلى المؤمنين أن يحذروا منها لكي لا تلتبس عليهم.

الامر الثاني: بعد ان تم توجيه الله تعالى عباده المؤمنين الى ان يسألوه الهداية عن الصراط المستقيم، أرشدهم تعالى الى كيفية معرفة هذا الصراط, وذلك من خلال معرفة من انعم الله تعالى عليهم بالنبوة و الرسالة وأيدهم بالمعاجز و الأدلة القاطعة عليها، قال تعالى : ( صراط الذين أنعمت عليهم ) فانه بمعرفة الأنبياء و أوصياءهم عليهم السلام تتم الهداية الى معرفة الصراط المستقيم.

الامر الثالث : وهو تحذير المؤمنين من فئتين يشكلان خطرا عليهم، و تحاول كل فئة أن تضللهم و توحي بأنها صاحبة الصراط المستقيم, و أشار الله تعالى الى الفئة الأولى بالمغضوب عليهم، و تم تسميتهم بهذه التسمية لانهم علموا بالصراط المستقيم لكنهم أعرضوا عنه و شككوا به و اتبعوا أهواءهم في ذلك وسلكوا طريقا آخر، ، والفئة الثانية هي فئة ضالة و غير عالمة بالصراط المستقيم و تحسب أنها تسير على الصراط المستقيم لكنها في الواقع هي خلاف ذلك، و السبب في ضلالها هي الفئة الاولى و في الروايات ان المقصود بالفئة الاولى هم اليهود و بالثانية النصارى و كلاهما في الواقع مصاديق و و لا تنحصر الآية بهما, و نقرأ في حديث الله عن هاتين الفئتين " المغضوب عليها " و "الفئة الضالة " تحذيرا ربانيا للمؤمنين منهما, لانهما يحاولان ان يشككا المؤمنين بإسلامهم و رسالتهم و خاصة من خلال الترويج لثقافات مضللة حول تشويه صورة الاسلام و ابراز استقامة غيره, وهذا ما نلاحظه في عصرنا الحاضر كيف يحاول اليهود و الغرب بكل ما أوتوا من قدرات مادية و اعلامية و سياسية و غيرها أن يسيئوا لسمعة الاسلام عالميا, و بالمقابل يجب على المسلمين ان يتصدوا لهذه الهجمة ويدافعوا عن دين الاسلام وخاصة من خلال نشر معارفه السمحاء و المستقيمة.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و صلى الله على رسولنا الاكرم محمد و اهل بيته الطيبين و صحبه المنتجبين و جميع عباد الله الصالحين.








New Page 1