Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ حسين إسماعيل في خطبة الجمعة : نبي الله داوود عليه السلام في القرآن


:: 2014-04-19 [00:40]::


أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين

قال الله تعالى في كتابه العزيز ذاكرا نبيه داوود عليه السلام :( اصبر على ما يقولون و اذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق (18) و الطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه و آتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا الى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال أكفلنيها و عزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه و إن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم و ظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا و أناب (24) فغفرنا له ذلك و أن له عندنا زلفى و حسن مآب (25) )

تحدث الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم في كثير من السور و الآيات، فذكر فصولا مضيئة من سيرتهم و تضحياتهم، كما تحدث الله تعالى عن مواقفهم الهادفة وعما وهبهم تعالى من خصائص ونعم امتازوا بها عن غيرهم. لقد قص الله تعالى علينا من قصص الأنبياء عليهم السلام في كتابه المجيد ليكونوا منارة و قدوة للناس ليس فقط في عصورهم بل في كل العصور و لجميع الأجيال، لذا لا بد من الإهتمام بدراسة حياة الأنبياء صلوات الله عليهم، ففي حياتهم دروس راشدة في العقيدة و الجهاد و العطاء و التضحية و الصدق و الإخلاص و الصبر و الثبات و كل القيم الإيمانية و الرسالية التي نحتاج اليها في حياتنا و قضايانا التي نعيشها . و من الأنبياء الذين تحدث الله عنهم في القرآن الكريم نبي الله داوود عليه السلام، وهو من الأنبياء الذين أرسلهم في بني إسرائيل، ومن الآيات التي تحدث الله فيها عنه عليه السلام الآيات المتقدمة، وهي تشتمل على جملة من العناوين العقائدية و التربوية و السلوكية نتحدث عنها على النحو التالي :

الأنبياء قدوة لكافة العصور :

لقد تحدث الله تعالى عن نبيه داوود و غيره من الأنبياء في القرآن المجيد ليكونوا ليس فقط منارة و قدوة للناس بل ليكونوا أيضاً قدوة للأنبياء بعضهم البعض، حيث دعى الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه و آله الى أن يذكر داوود، فيقتدي به وخاصة في صبره على التحديات و المصاعب التي كان النبي محمد صلى الله عليه وآله يواجهها من قبل الكفار و المشركين، حيث كانوا يتعرضون له بالأذى و الإعتداء. وهذا الأذى و الإعتداء لم يكن خاصا بالنبي محمد صلى الله عليه و آله وسلم، بل هو شامل لكل الأنبياء و الرسل الذين بعثهم الله الى جميع الامم و الشعوب و المجتمعات في الأرض، و الله تعالى أوحى لنبيه محمد و قال له : بأنك يا محمد لست لوحدك من تواجه المخاطر و المؤامرات و التهجير، بل إن الأنبياء من قبلك كانوا يواجهون و يتعرضون لكل أنواع الأذى و الإرهاب في القول و غيره و كانوا يصبرون و يثبتون حتى يجيئهم النصر من عندي, فهذا نبيي داوود أرسلته الى بني إسرائيل فمارسوا ضده كل أنواع الأذى و الشر من الشتم و التكذيب و الأذى و التشكيك بنبوته و التآمر عليه، فما عليك إلا الصبر و التوكل على الله تعالى فإنه ناصر من تحلى بهما من عباده، وفي ذلك درس و عظة للمؤمنين الذين يسيرون على خطى نبيهم محمد صلى الله عليه و آله وسلم و يتعرضون للمصائب نتيجة تمسكهم بدين الله الاسلام و يرفضون كل مشاريع جبهة الكفر و الشرك الذي يقوم على محاربة مشروع الاسلام الذي أراده الله تعالى لأهل الارض. ثم إن الله تعالى ذكر في الآيات المتقدمة جملة من الخصوصيات التي عاشها داوود عليه السلام في حياته وهي تشكل مواهب الهيه له و في ذكرها تسلية لنفس النبي محمد صلوات الله عليه.

استخدام المواهب و النعم الإلهية في طاعة الله تعالى :

تحدث الله تعالى عن داوود عليه السلام أنه كان يمتلك قدرة جسدية وهي من مواهب الله تعالى له، فكان يستخدمها في طاعة الله تعالى و عبادته حيث كان كثير العبادة و الذكر لله و في الجهاد في سبيل الله و نشر رسالته. قال تعالى : ( و اذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) و المقصود بصفة ذا الأيد أنه قوي على المهمات الصعبة و له قدرة على مواجهتها كما أن المقصود بصفة أواب أي كثير الرجوع الى الله تعالى، و نستفيد من هاتين الصفتين أن داوود عليه السلام كان يرجع الى الله تعالى في كل قضاياه و شؤونه، فلا يقدم على قول أو فعل الا من خلال معرفة حكم الله تعالى فيه. ثم إن قدرة داوود الجسدية المعروف بها وغيرها من القدرات كان يستخدمها فيما يرضي الله تعالى، وهذا ما يجب علينا أن نلتفت اليه وهو الا نستخدم نعم الله علينا و مواهبه لنا في معاصيه و لا نستعملها الا في طاعته و شكره، و نستعين بها على التزام أوامره التي فرضها تعالى علينا. لذا المعاصي تعظم من بني آدم عند الله تعالى لأنهم يعصونه في ملكه و من خلال القدرات الذهنية و الجسدية التي أنعم بها عليهم، و في الواقع هذه القدرات هي أمانات استودعنا الله إياها لنحافظ عليها في تحقيق الأهداف التي يريدها الله منا، و استخدام العقل أو البصر أو السمع أو اللسان أو اليد أو غير ذلك في إرتكاب المعاصي هو جريرة كبيرة وتعد واضح على حقوق الله، فهذه القدرات هي أمانات إلهية و الله تعالى سائلنا عنها، لذا علينا أن نقتدي بالأنبياء و نكون أوابين و نكثر من الرجوع الى الله تعالى في معرفة حكمه في أي قضية قبل الإقدام عليها حتى نلتزم به, كما كان داوود عليه السلام و كل الأنبياء صلوات الله عليهم.

الجبال و الطيور تسبح مع داوود عليه السلام

حدثنا الله تعالى أيضاً في الآيات المتقدمة أنه تعالى سخر الجبال مع داوود و حشر معه الطير حينما كان يذكر الله تعالى، و الهدف من ذلك تقديم كرامة إلهية لداوود عليه السلام، و هذه الكرامة هي أن داوود حينما كان يعبد الله و يذكره و يسبحه وخاصة عندما يخرج الى الطبيعة وسط الجبال و الأودية و يتعبد الله فيها كانت هذه المخلوقات تسبح معه و تذكر الله معه و يسمع أصواتها. و تهدف عملية التسخير و الحشر هذه الى اطلاع داوود على مخلوقات الله المحيطة بالإنسان كيف أنها تعبد الله و تسبحه، و هذا الاطلاع و المعرفة يزيد في درجات إيمان داوود عليه السلام، فهكذا كلما اطلع الانسان على آيات الله و عاينها و خاصة تلك الآيات الملكوتية فإنه يزداد إيمانا و خشوعا و ذكرا و قربا من الله تعالى، و يشعر الانسان حينئذ بأنه لا قيمة لهذه الحياة الا من خلال الارتباط بالله تعالى القائم على الإيمان به و العبادة و الطاعة له. قال تعالى : ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق ) و لعله هناك خصوصية للتسبيح في وقت العشي و الإشراق، فهما آيتان تدلان على عظمة الله، و كأنهما يشيران الى أن النور و الظلام الذين يرمز إليهما الليل و النهار المنعكسان عن عملية إشراق الشمس و غروبها هما بيد الله تعالى، فهو تعالى مصدر النور و الهدى و الحياة. قال تعالى : ( و الطير محشورة كل له أواب ) و حشر الله تعالى للطير معناه جمعها و كان الله تعالى يجمعها لداوود عليه السلام حينما يدعو الله فتسبقه وتشاركه في ذلك، و المقصود بقوله : ( كل له أواب ) أي أن كل شيء في الوجود و في السماء و الأرض من كائنات و مخلوقات يرجع الى الله تعالى، و يسبقه و يحمده ، و له إدراك و مشاعر لكن كل بحسبه. و نحن لا ندرك ذلك فحواسنا محدودة القدرات عن الإحاطة بذلك كما أن عقولنا قاصرة عن إدراك كيفية تسبيح الكائنات و طرق عبادتها لله تعالى، إلا اذا أراد الله تعالى أن يطلعنا على ذلك فإنه قادر على جعل أذاننا تسمع أصوات الكائنات و معرفة لغاتها و معانيها فإن لكل كائن و مخلوق في الطبيعة دعاءه و تسبيحه الخاص به. و الله تعالى أنعم على الأنبياء بهذه الكرامة كما تقدم فإنها تجذبهم و تزيد من شوقهم و عشقهم لعبادة الله و ذكره و تسبيحه، وهم لم يحصلوا على هذه الكرامات الا عندما أخلصوا له تعالى و صدقوا في عبوديتهم له تعالى. وورد في الأحاديث أن الحصى كانت تسبح في يدي رسول الله و كان يسمعها، و ليس من المستبعد أن يرزق الله تعالى غير الأنبياء كرامات، تزيد من إيمانهم و ترفع من درجات سيرهم الى الله تعالى، لكنه كله مشروط بصدق العبودية و الطاعة لله تعالى.

ثم إننا نتوقف عند مضمون معنى التسبيح لله تعالى لنسأل : ما المقصود منه ؟ فنقول : بأن التسبيح معناه التنزيه، و تسبيح الله تعالى معناه تنزيهه عن كل نقص, و من هنا كان من صفات الله تعالى الصفات السلبية، وهي الصفات التي يجب أن نسلبها عن ذات الله تعالى، والتي لا تليق بقدسيته و خاصة أنه تعالى متصف بالكمال المطلق، ومقتضى اتصافه هذا أن نسلب عنه كل صفات النقص كالظلم و الجهل و الجسمية و الاحتياج و ما شابه ذلك.

وعليه فالتسبيح لله تعالى يتضمن صفات الكمال و الثناء بها عليه تعالى، و من هنا فالكون ينزه الله تعالى عن النقص و يثني عليه بذكر صفات الحمد و التمجيد ولكن لا نفقه ذلك، غير أن أكثر البشر كانوا قد ضلوا عن التسبيح لله تعالى ووصفوه بصفات لا تليق بقدسه و جلاله من تشبيهه بخلقه، فجعلوا له ولد و نسبوا له صفات المخلوقات من الجسمية و من كونه يرى و غير ذلك من صفات النقص، و كلها شرك باطل في حق الله تعالى.

داوود بين الملك و النبوة

و أيضاً من الأمور التي أشارت اليها الآيات المتقدمة أنه تعالى مكن لداوود أسباب ملكه و سلطانه و أتاه النبوة وفصل الخطاب، وهذه ثلاث خصائص هامة أشار الله تعالى اليها بقوله : ( و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب ) فنبي الله داوود عليه السلام كان ملكا عادلا يحكم بالعدل و بشرع الله في بني إسرائيل، و الله تعالى جمع له الملك و النبوة و أشار في الآية الى النبوة بالحكمة ، لأن الحكمة من خصائص النبوة وهي المعرفة بدين الله عقيدة و شريعة . و كان لداوود عليه السلام هيبة و سلطة و حاكمية في مجتمعه، و قلما نجد في الأنبياء من كان حاكما في قومه و مجتمعه الا القليل، و الله تعالى آتاه لنبيه سليمان و هو ابن داوود عليهما السلام، و آتى الله تعالى الحاكمية أيضاً لرسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه و آله وسلم، و الملك في الآية بمعنى الحاكمية أي مالك لشؤون إدارة العباد و البلاد.

و أيضا من الأمور التي آتاها الله تعالى و وهبها لنبيه داوود عليه السلام أنه تعالى آتاه فصل الخطاب، و المقصود به الفصل في النزاعات التي تحصل بين الناس، فكان داوود يحمل مهمة القضاء في مجتمعه للفصل في الخصومات و النزاعات، و هذا يعني أن الأنبياء لا يقتصر دورهم على الناحية التبليغية لدين الله، بل أيضاً لهم أدوار أخرى من قيادة المجتمع في شؤونه السياسية و الإدارية و القضائية و الاقتصادية و التربوية و غير ذلك.

الامتحان يشمل الأنبياء عليهم السلام أيضاً

نقرأ في الآيات التي تلت الآيات المتقدمة قصة هادفة حصلت مع نبي الله داوود فيها دروس و عبر، و اليها أشار الله تعالى بقوله : ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21)) خاطب تعالى نبيه محمد صلى الله عليه و آله و سلم، و في هذا الخطاب حث له و ترغيب في التعرف على نبي الله داوود و المحطات التي واجهها، لأن الأنبياء يشتركون في كثير من الأمور، و الله تعالى أراد أن يعرف الرسول الأكرم بقصة حصلت مع داوود عليه السلام، و فحوى هذه القصة أنه بينما كان داوود مختلي في محرابه يتعبد الله تعالى و كان المكان مغلقا عليه، و هناك الجنود و الحرس الذين يحيطون به حيث لا يستطيع أن يدخل عليه أحد و إذ يدخل عليه رجلان، و الآية تشير الى أنهما دخلا عليه من دون إذن داود و أنهما صعدا حائط المحراب و دخلا عليه، مما أدخل الفزع الى قلب داوود لأنه خشي أن يكون هناك مكروه ينتظره وراء دخولهما فقالا له لا تخف إننا أتينا إليك لتفصل بيننا في خلاف حصل، و نريد أن تقضي فيه بالحق. قال تعالى : ( إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا الى سواء الصراط (22) ) يريد الرجلان أن يتحاكما الى داوود عليه السلام، و الله تعالى أشار في الآيات السابقة بأن الله آتى داوود " فصل الخطاب " أي العلم بالفصل و القضاء العادل في خلافات الناس بين بعضهم البعض، و الله تعالى لا يؤتي إنسانا نعمة الا و يمتحنه بها، ما هو الخلاف بين هذين الرجلين الذين جاءا من أجله، أوضحه تعالى في تكملة الآيات فقال : ( إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال أكفلنيها و عزني في الخطاب (23) ) و مختصر القصة أن أخوين اختلفا فادعى أحدهما على الآخر بأنه أخذ نعجته وضمها الى نعاجه حتى اختلطت بها و لم تعد تعرف و أخوه طمع في النعجة رغم أنه يملك تسع و تسعين نعجة، فادعى صاحب النعجة بأن أخاه طلب منه النعجة و لم يرغب في إعطائه إياها الا أن أخاه يملك قوة في التعبير و الإقناع و الجدال وهو قاصر حتى قبل مكرها و حياء وهو يريد نعجته، ويخبرنا الله تعالى عن رد داوود على المدعي في قوله : (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه و إن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم (24)) و هنا داوود حكم بمظلومية صاحب النعجة لأنه أخوه أخذها غصبا ، و أخبر داوود عليه السلام بأن هناك كثير من الشركاء يبغون على شركاءهم و يأخذون مالهم حياء و غصبا، مع أنه من المفترض أن يكون المال للشركات أمانة لدى الجميع، و أخبر تعالى بأن الذين لا يبغون و لا يطمعون في مال شركاءهم هم المؤمنون الذين يخشون عقاب الله و غضبه في أخذ ما ليس لهم لكن هؤلاء هم قلة.

و هنا داوود بعدما انتهت المحاكمة و ذهب الرجلان شعر بأنه استعجل في الحكم، حتى ولو كان مصيبا لأنه يجب عليه قبل إصدار الحكم أن يستمع الى المدعى عليه صاحب التسع و تسعين نعجة. قال تعالى : ( وظن داوود أنما فتناه ) علم فيما بعد أن هذا الخلاف بين الرجلين امتحان له من قبل الله تعالى (فاستغفر ربه و خر راكعا و أناب ) فاستغفر داوود عن خطأه و ندم على عدم استماعه الى المدعى عليه حتى و لو كان ظالما، فلا بد أن يأخذ دوره المدعى عليه في الدفاع عن نفسه وعلى القاضي أن يستمع له، فلا يستمع القاضي لطرف دون طرف آخر و أخبر الله تعالى بأنه قبل توبة داوود و غفر له. قال تعالى : ( فغفرنا له ذلك و أن له عندنا زلفى و حسن مآب (25) ) و تخبر الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام أن الرجلين الذين تسوروا المحراب كانا ملكين أرسلهما الله تعالى الى داوود، و لعل الحكمة من وراء ذلك هي إمتحان و اختبار لنبي الله داوود بهدف إعداده لتحمل مسؤولية أكبر في قيادة المجتمع في عصره، ولعل قضية زيارة الرجلين لداوود عليه السلام كانت قبل استلام الملك و الحكم في بني إسرائيل، و ليس هناك ما يمنع من أن الأنبياء قبل تحمل مسؤولية حمل الرسالة يتم إعدادهم من قبل الله تعالى لهذه المهمة، فيتعرضون لسلسلة من الإمتحانات و الإختبارات، وخاصة أن الله تعالى بعد هذه الآيات يخاطب داوود، و يقول له : ( يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة) و هي خلافة من الله تعالى في حاكمية المجتمع البشري على أساس العدل.

الأنبياء عليهم السلام و العصمة عن المعاصي دون المكروهات :

و هنا سؤال جدير بأن يطرح وهو : هل يمكن للأنبياء عليهم السلام أن يخطئوا و يرتكبوا المعاصي ؟ في الدراسات العقائدية نقرأ أن الأنبياء معصومون لأنه لو كانوا يخطئون و يرتكبون المعاصي لما أمكن أن يأمر الله تعالى بإتباعهم، لأنه إغراء بارتكاب المعاصي و السير في خط الإنحراف، مع أن دور الأنبياء هو هداية الناس الى ترك المعاصي و الأخطاء، لذا ذهبت مدرسة أهل البيت الى القول بأن الأنبياء معصومون من ارتكاب الذنوب و الوقوع في الأخطاء، لكنهم غير معصومين عن ترك المكروهات لذا هم يتفاوتون في فعلها، لذا ما فعله داوود عليه السلام فإننا نجعله في دائرة المكروهات و ليس المحرمات، وخاصة أن الهدف من القضاء هو الحكم بالحق و العدل ثم إن المدعى عليه لم يعترض على حكم داوود، لكن كان من المفترض الإستماع اليه.

و الإسلام برأ ساحة الأنبياء صلوات الله عليهم من دنس المعاصي و الأخطاء، لكن المشركين و أهل الكتاب نسبوا اليهم أفعالا لا تليق بمكانتهم و مقامهم الشريف، و خاصة اليهود فإنهم و ضعوا الكثير من الروايات الكاذبة التي نسبوها للأنبياء، بما فيها تلك القصة التي ابتدعوها حول قصة علاقة داوود بزوجة أوريا. وهذه القصة باختصار تقول : بأن داوود رأى يوما زوجة أوريا أحد القيادات العسكرية لديه فطمع بها و استغل فرصة غياب زوجها عنها، فأرسل وراءها و اختلى بها و أخبرته بأنها حامل، فعمل داوود على التخلص من زوجها بجعله في مقدمة الحرب ، و بذلك استطاع أن يصل داوود الى مبتغاه، و الاسلام يرفض كل هذه الأكاذيب على نبي الله داود وينزهه عن فعلها ويصفه بأنه مثل أعلى في الورع و الصدق و الاستقامة، وهناك أحاديث تفيد بأن أوريا قتل في الحرب و تزوج داوود زوجته ليس طمعا بها، بل نزل تشريع رباني على داوود يبيح الزواج من زوجة مات زوجها، وكان هذا التشريع الالهي قبل ذلك يحرم هذا الزواج .

و لاتزال الإساءة للأنبياء مستمرة الى عصرنا الحاضر حيث لا تزال ثقافة اليهود عن الأنبياء عليهم السلام قائمة على نسب فعل الكبائر لهم, وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام يقيم الحد أثناء حكمه على من حدث بتلك الروايات الاسرائيلية التي تسيء للأنبياء عليهم السلام. فعن الامام علي عليه السلام أنه قال : (من حدّثكم بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلدته مئة وستّين ) " تفسير الفخر الرازي ذيل آيات البحث" وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال فيه : (لا اُوتي برجل يزعم أنّ داود تزوّج امرأة أوريّا إلاّ جلدته حدّين حدّاً للنبوّة وحدّاً للإسلام ) "مجمع البيان ذيل آيات البحث".

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.


New Page 1