Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : السيدة الزهراء عليها السلام بين العصمة و القدوة


:: 2014-04-26 [21:52]::


أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين

كم نحن بحاجة الى التركيز على دور المرأة في بناء المجتمع:

فرض الإسلام إحترام المرأة واعتبرها شريكة الرجل في مشروع بناء المجتمع، وخاصة من خلال دورها في الحياة كزوجة وأخت وإنسانة مسؤولة الى جانب الرجل، وأهم الأدوار التي قدسها الإسلامللمرأة هو دورها في الأمومة، وهو دور يشكل الأساس في صناعة شخصية الإنسان الناجحة، والأم تجسد المدرسة الأولى التي يتعرف من خلالها الإنسان على هذه الحياة وعلى كيفية التعامل معها.

وكم نحن بحاجة الى التركيز على دور المرأة وحفظ حقوقها حتى تستطيع أن تقوم بالدور الرسالي المعهود إليها، لأنه إذا تقدم تقدمت معه مسيرة البشرية وإذا تأخر تأخرت معه الأجيال، ويرفض الإسلام من خلال تعاليمه عزل المرأة بعيدا عن المجتمع أو أن يختزل الرجل دورها، كما يرفض الإسلام إستغلال المرأة وجعلها وسيلة للإغراء والتأثير السلبي، كما تحاول أن تصورها وسائل الإعلام في الكثير من برامجها، فمكانة المرأة أسمى من كل ذلك, والإسلام طلب منها أن تكون في الطليعة في بناء مشروع الحياة.

هناك نساء إختارهن الله تعالى و اصطفاهن ليحملن دور التغيير في المجتمعات والعمل على هدايتها الى دين الإسلام وتعاليمه، ومن هؤلاء النساء العظام السيدة فاطمة بنت خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي حملت الكثير من المواقف الرسالية الرائدة والمضيئة في حياتها, و تجلى في سيرتها نور النبوة وهديها, وكانت المرآة العاكسة لتعاليم هذه النبوة وقيمها ومبادئها.

والحديث عن السيدة فاطمة عليها السلام هو ضرورة لفهم ومعرفة دور المرأة في المجتمع الذي يجب أن تكون عليه بخلاف الأدوار الظلامية التي أرغمت المرأة عليها.


أهم صفات السيدة الزهراء عليها السلام العصمة :

امتلكت السيدة الزهراء عليها السلام الكثير من الخصائص التي حدثنا عنها الاسلام, وسنحاول أن نتحدث عن أهم هذه الخصائص التي حملتها عليها السلام في سيرتها وفي شخصيتها الإيمانية و الرسالية، وشكلت منطلقا للآخرين في الإقتداء بها ، وأهم هذه الخصائص هو إتصاف السيدة الزهراء عليها السلام بالعصمة ودل عليها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وسنحاول أن نتعرف على عصمة السيدة الزهراء عليها السلام من خلالهما, ولنعي أهمية كل حركة وكل كلمة كانت تصدر منها صلوات الله عليها.

ومن الآيات التي تشير الى عصمة السيدة الزهراء هي آية التطهير الشريفة الواردة في سورة الأحزاب، قال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) " الاحزاب 33 "، فقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن المقصود بأهل البيت عليهم السلام هو خصوص علي وفاطمة وابناهما الحسن و الحسين، ويلحق بهم الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا التخصيص أتى من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهو بلا شك أخذه من الوحي ولم يأتِ به من عنده، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) ) " النجم " فالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم لا يحدث الناس نتيجة رأي خاص به ولا إجتهاد بل عن علم ومعرفة.

ومن أراد أن يستوضح إختصاص نزول آية التطهير بأهل البيت عليهم السلام، فعليه مراجعة كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله، ونعود لنقول بأن آية التطهير واضحة في الإشارة الى أن الله أراد الطهارة لأهل البيت عليهم السلام من الرجس، وليس الرجس الا الذنوب والمعاصي, والطهارة منها هو جعلهم منزهين عنها لا يفعلونها وهذا هو معنى العصمة، كما أنه من معاني التطهير في الآية أنهم صلوات الله عليهم لا يخطئون في فهم الإسلام و تطبيقه.

هل أهل البيت عليهم السلام مسيرون في عصمتهم ؟

ونتوقف عند قوله تعالى : ( إنما يريد الله ) لنسأل هل المقصود بالإرادة هنا الإرادة التكوينية لله تعالى مقابل التشريعية، وإذا كان المقصود بالإرادة في آية التطهير الإرادة التكوينية, فهل هذا يعني أن عصمة أهل البيت عليهم السلام هي تكوينية لا تخضع لإرادتهم, وبذلك يكونون مُسَيرين في عصمتهم غير مختارين ؟

إن عصمة أهل البيت ليست تكوينية وإلا لو كانت كذلك لبطلت قدوتهم للناس, لأن الناس سيدعون بأن أهل البيت عليهم السلام مجبرون في عصمتهم ومُسيرون فيها، بينما نحن الناس مختارون والمُسير لا يكون قدوة للمختار، لذا المقصود بإرادة التطهير في الآية هو أن مقدمات العصمة تكوينية، أما العصمة نفسها فهي اختيارية حيث أن الله تعالى سدد أهل البيت عليهم السلام ووفقهم للعصمة بما رزقهم من العلوم حول دين الله وشريعته, وبما كشف لهم عن حقائق المعاصي وما لها من آثار سيئة في الدنيا وفي الآخرة، وقد تفاعل أهل البيت عليهم السلام مع هذه العلوم وامتلكوا الى جانبها صفاء الفطرة ونقاء السريرة وطيب المعدن وعظيم الإخلاص مما جعلهم لا يعصون الله في صغيرة ولا كبيرة، واختارهم الله تعالى معصومين ليقوموا بمهمة حفظ الرسالة وصونها عن التحريف حتى لا يتم التشكيك فيها بعد وفاة النبي ورحيله.

ولعل سائل يسأل ويقول : لماذا طهر الله تعالى أهل البيت وسددهم للعصمة دون غيرهم؟ والإجابة على ذلك هو أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل لأنه حكيم في أفعاله وخبير بما يقوم به، قال تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهو يسألون ) " الأنبياء 23 " وإذا لم يكشف تعالى للبشر عن وجه الحكمة في إختياره لبعض أفعاله لعله هو من قبيل إختبار الخلق وامتحانهم في مدى إنقيادهم وتسليمهم بأوامر الله تعالى دون إعتراض, كما أننا نعتقد أنه تعالى لو لم يجد أهل البيت و السيدة الزهراء مؤهلين لحمل العصمة لما سددهم نحوها.

والله تعالى إختار السيدة الزهراء عليها السلام لأن تكون مشمولة في آية التطهير, فهي معصومة ومطهرة وشأنها في ذلك شأن باقي من شملتهم آية التطهير فلا تقل عصمتها عن غيرها، وهناك آيات أخرى تفيد عصمة السيدة الزهراء، وخاصة الآيات التي نزلت في حق وشأن أهل البيت عليهم السلام كآية المودة وآية ويطعمون الطعام على حبه ، والآن ننتقل الى ذكر بعض الآحاديث الشريفة الواردة عن النبي في شأن السيدة الزهراء عليها السلام والتي تفيد عصمتها بوضوح.

هي سيدة نساء العالمين و المؤمنين وأهل الجنة :

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة في شأن ابنته السيدة فاطمة عليها السلام، وتفيد هذه الأحاديث أن لها مكانة كبرى في الإسلام، فقد ورد عن النبي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في حق السيدة الزهراء :

( أنها سيدة نساء العالمين ) " مسند أبي داوود ص 1373" وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً : ( أنها سيدة نساء هذه الأمة ) " صحيح مسلم ج 4 ص1905" وكذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم : (سيدة نساء أهل الجنة ) "صحيح البخاري شرح الكرماني ج 15 ص 4" تدل هذه الأحاديث الشريفة على أن السيدة الزهراء تسود نساء أهل الأرض فضيلة و مكانة عند الله تعالى، فعلى مستوى الجنة فهي تسود كل نسائها اللاتي يدخلنها وعلى مستوى التاريخ فهي تسود نساءه وعلى مستوى الأمة فهي تسود نساءها.

و المقصود بهؤلاء النساء هن النساء المؤمنات المسلمات الطاهرات الفاضلات وليس مطلق النساء، وهذه السيادة الكبرى لسيدة نساء العالمين عليهن لم تحصل عليها كونها ابنة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم, فصلوات الله عليه في كل كلمة يقولها فإنه يمثل شرع الله ودينه وتعاليمه ويبلغها بأمانة، فالقضية ليست مسألة قرابة، فالله تعالى يقول : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذها منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين ( 46) ) " الحاقة "

فرسول الله لا ينحرف عن الخطى المرسومة له من قبل الله تعالى، لذا نقول بأن ما نالته السيدة الزهراء عليها السلام من صفات خصها بها الرسول إنما نالتها بما تملك من علاقة مع الله تعالى قائمة على الصدق في الإلتزام بالتقوى بلغ غايته وإخلاص في الإيمان بلغ أقصاه.

بين السيدة مريم و السيدة الزهراء :

ولعل هناك من يسأل كيف تكون السيدة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين لما قبلها ولما بعدها، والله تعالى حدثنا في القرآن الكريم أنه اصطفى السيدة مريم على نساء العالمين, قائلا في حقها :( وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42)) أليس الإصطفاء لمريم على نساء العالمين يتعارض مع كون السيدة الزهراء سيدة نساء العالمين، لكن عند التأمل في هذا التعارض فإنه يرتفع لأن المقصود بإصطفاء الله للسيدة مريم على نساء العالمين هو إختيارها على نساء أهل زمانها و ليس مطلق النساء، حيث اختارها الله تعالى لأن تحمل بنبي الله عيسى عليه السلام دون أب بقدرته, قال تعالى :( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) " الأنبياء 91 "

ثم إن السيدة الزهراء عليها السلام قد نزل في شأنها سورة الكوثر، فكانت الكوثر الذي وعد الله به نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يعش له أولاد واتهمه عتاة قريش بأنه أبتر، فوعده الله تعالى بأن يرزقه ذرية كثيرة تملأ الأرض, فكانت ذريته عبر إبنته السيدة الزهراء عليها السلام، كما علينا ألا ننسى أن السيدة الزهراء عليها السلام هي أم الإمامين الحسن و الحسين عليهما السلام، اصطفاهما الله تعالى لحفظ رسالته بعد رحيل جدهما النبي وأبيهما علي أول الأئمة صلوات الله عليهم.

وما يؤكد التفسير المتقدم قول النبي حيث ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للسيدة الزهراء ذات يوم : ( يا بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين قالت: يا أبت فأين مريم ابنة عمران ؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين، أما والله زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة ) " حلية الأولياء ج 2 ص 43 " ونختم كلامنا في هذه المحطة بأن سيادة السيدة فاطمة على نساء العالمين تقتضي عصمتها من السيئات والمعاصي حتى تنال تلك السيادة العالمية على النساء المؤمنات في كافة الأزمان السابقة واللاحقة.




إن الله يغضب لغضب فاطمة :

وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث بالإضافة الى ما تقدم في حق إبنته السيدة الزهراء ما يدل على عصمتها فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها)" والطبراني في المعجم الكبير ج 22 ص 401 " ، وقال أيضاً صلوات الله عليه : ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني ) "صحيح البخاري شرح الكرماني ج15" وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما ابنتي فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها) " صحيح مسلم ج4 ص1903".

لعل البعض قد يُهَيء له أن في هذه الأحاديث غلوا فيتساءل كيف يكون رضا السيدة فاطمة وغضبها مقياسا لرضا الله وغضبه ؟ لكنه بعد التأمل في فحوى هذه الأحاديث, يجد أنه لا تحتوي على الغلو لأن المقصود من حديث النبي صلوات الله عليه أن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، إنما هو للتعبير عن أن السيدة فاطمة تجعل رضاها وغضبها طبقا لأحكام الله تعالى، فلا تغضب الا في المواطن التي يغضب الله تعالى منها، ولا ترضى إلا حينما يرضى الله تعالى، وهو دليل عصمتها لأن المعصوم لابد وأن يكون خاضع في إرادته وغضبه لإرادة الله تعالى، فالعصمة تتضمن تأكيدا على كون صاحبها حجة من قبل الله تعالى على الخلق.

إن عصمة السيد الزهراء تدل على دورها في حفظ الرسالة وحفظ الدعوة, وقولنا هذا ينطلق من دور المعصوم في تحصين الرسالة من أي تحريف وتبديل, وخاصة بعد رحيل النبي لأن الرسالات السماوية كانت تتعرض لعملية تحريف من قبل الطغاة والأعداء، فكان الله تعالى يرسل الأنبياء تلو الأنبياء عليهم السلام لتبقى الرسالة محفوظة، وكلما حصل تحريف يأتي من الأنبياء من يكشف زيف هذا التحريف، فتحفظ الرسالة حينئذ، لكن الله تعالى ختم بعثة الأنبياء صلوات الله عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث لا أنبياء من بعده فكان تعالى أن اختار أهل البيت و الأئمة عليهم السلام، ليحفظوا الرسالة بعصمتهم.

والسيدة الزهراء شكلت بعصمتها القدوة والأسوة للعالم وللمسلمين، فإختيار الله تعالى لها لأن تكون من جملة أهل البيت الذين عصمهم الله تعالى دلالة على تكريم الله تعالى للمرأة من خلالها, وعلى أنها قادرة على مشاركة الأنبياء والأوصياء في حفظ الرسالات السماوية وبناء المجتمع الصالح.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.



New Page 1