Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لرئيس لقاء علماء صور العلامة الشيخ علي ياسين


:: 2014-05-02 [23:55]::

" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " .
من المعروف أنّ المسلم هو من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً (ص) رسول الله ، والمؤمن من آمن بالشهادتين حقاً والتزم بشريعة رسول الله (ص) قولاً وفعلاً ؛ بأن يعتقد الحق ويقول الحق ويعمل بالحق ، فيحلّل لنفسه ما أحلّه رسول الله (ص) ويحرّم ما حرّمه رسول الله (ص) ؛ لأنّ حلال محمدٍ (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة . فقد يكون الإنسان مسلماً ولا يكون مؤمناً ، وأما إذا كان مؤمناً فلابد وأن يكون مسلماً ، لأن الإسلام إقرار والإيمان اعتقاد وإقرار وعمل " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا " لأنّ الإسلام مرحلة ظاهرية والإيمان مرتبط بالقلب ، وقد روي عن الإمام الصادق (ع) في قوله تعالى " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " أنه قال : الصبغة هي الإسلام . وقال في قوله تعالى " فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " هي الإيمان بالله وحده لا شريك له .
قد يكون الدافع إلى الإسلام هو المحافظة على المنافع المادية أو الوصول إليها ، بينما الدافع إلى الإيمان أمر معنوي ، عن الإمام الصادق (ع) : الإسلام به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والإيمان ما وقر في القلب والثواب على الإيمان .
إن الإسلام بدون عمل ممكن ولكن الإيمان يجب أن يكون مقروناً بالعمل كما جاء في الحديث " أن الإيمان إقرار وعمل " والإسلام إقرار بدون عمل ، فمن كان مؤمناً لابد وأن يكون مسلماً ومن يكون مسلماً ليس بالضورة أن يكون مؤمناً .
وفي حديث شبّه الإمام الصادق (ع) الإسلام بالمسجد الحرام والإيمان بالكعبة ، إذ أن الكعبة في وسط المسجد الحرام وليس المسجد الحرام في الكعبة . فمن كان في الكعبة لابد وأن يكون في المسجد الحرام أما من كان في المسجد الحرام فقد يكون خارج الكعبة .
سُئل الإمام الصادق (ع) عن الفرق بين الإيمان والإسلام ، فأجاب (ع) قائلاً : الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان فهذا الإسلام ، والإيمان هو الأمر " يعني الإمام " مع هذا بقي الإسلام .
وفي الحديث : إنّ الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة وما قسم شيء في الناس أقل من التقوى .
إنّ التقوى حالة ممدوحة وهي وقاية الإنسان نفسه من عذاب الله سبحانه وأن يستشعر الإنسان نفسه دائماً أن الله مراقب لأعماله وأفعاله وأقواله أينما حلّ وارتحل ، فالتقوى هي جوهر الإنسان وعلى أساسها قامت شريعة الإسلام الحقيقية المذكورة في القرآن الكريم التي طبقها رسول الله (ص) والأئمة المعصومون ، وهي الإيمان الحقيقي بالله تعالى وعمل صالح يشمل عبادة الله وحسن التعامل مع الناس فلا يؤمن بإله سوى الله سبحانه ولا يعبد غيره ، كل ذلك ليحمي نفسه من جهنّم ، فلباس التقوى هو الذي يقي الإنسان من غضب الله ويحميه من نار خلقها الله لمن عصاه ، فيفرّ من المعاصي فراره من الأسد الغضبان .
إنّ السعادة الحقيقية تكمن في طاعة الله سبحانه ، والشقاء الحقيقي يكمن في معصية المولى سبحانه ، مما أمر به الإمام علي (ع) لأحد ولاته : أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحدٌ إلاّ باتباعها ولا يشقى إلاّ مع جحودها وإضاعتها . فالتقوى تعني مجاهدة النفس وحملها على ما تكره إن كان في ذلك رضا الله سبحانه ، وهذا هو الجهاد الأكبر ، يقول الإمام علي (ع) عن المؤمن : " إذا استعصت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب " . فيجاهد نفسه ويحملها على الطاعة ويبعدها عن المعصية فلا يكون محبوباً له إلاّ ما فيه رضا المولى سبحانه ولو كان في ذلك مشقة عليه ، ويكره ما يُغضب الله سبحانه ولو كانت نفسه تهواه ، فنهي النفس عن الهوى جهاد يدخله الجنة " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى " .
إنّ التقوى تحرّر الإنسان من عبودية الدنيا طمعاً بالحرية الكبرى بعد يوم القيامة ، يقول أمير المؤمنين (ع) : " فإنّ تقوى الله مفتاح سداد ، وذخيرة معاد ، وعتق من كلّ ملكة ، ونجاة من كلّ هلكة ، بها ينجح الطالب وينجو الهارب وتنال الرغائب " . فإذا ما حصل الإنسان على ملكة التقوى عليه أن يحرسها ويحفظها ، يقول أمير المؤمنين (ع) : " ألا فصونوها وتصوّنوا بها " إذ أن أخطاراً كثيرة تحيط بالتقوى من كلّ جانب ؛ لأنّ مغريات الدنيا كثيرة وقد تزلزل كيان التقوى في الإنسان فتحرفهُ عن خط طاعة الله وتزيّن له طريق الانحراف وتصمّ سمعه عن آيات الترغيب والترهيب ، كما أذهلت حتى من كان يعيش مع النبي (ص) ، والذين يقول عنهم أمير المؤمنين (ع) : " كأنهم لم يسمعوا كلام الله " تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها " .
وليصون الإنسان نفسه عليه أن يبتعد عن الأجواء المغرية والدافعة نحو المعصية ، وعندها نصون التقوى ونحفظها من الانهيار أمام ضغط الغريزة وقوة الشهوة ، إنّ التقوى هي أغلى القيم الإنسانية ، ولذلك جُعلت الميزان في التفاضل " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ " إذ لا شيء أفضل من التقوى والخوف من الله سبحانه وتعالى . فإنّ التقوى إحساسٌ بالمسؤولية الداخلية والوقوف بوجه الشبهات والالتزام بالحق والصدق والطهارة والعدل ، التقوى ترفع الإنسان والفجور يضع الإنسان ، فهذا سلمان بالتقوى كان من أهل البيت (ع) بينما أبو لهب الهاشمي بطغيانه وفجوره كان من الخاسرين والهلكى .
بالتقوى يحفظ الإنسان نفسه من العذاب الخالد بتحصيل الاعتقادات الصحيحة وبتجنّب كلّ إثم ، سواء كان ترك واجب أو فعل معصية ، ويصبر عن كل ما يشغل القلب ويصرفه عن الحق . إنّ التقوى تعين على ضبط النفس وتعطيها سلطةً على الشهوات ، وعدم التقوى يجعل المؤمن مستسلماً للشهوات وضعيفاً أمامها ، يقول الإمام علي (ع) : " ألا وأن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخُلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، إلا وأن التقوى مطايا ذُلُل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة " ويقول (ع) : " اعلموا عباد الله، أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه ، ألا و بالتّقوى تقطع حمة الخطايا و باليقين تدرك الغاية القصوى " ويقول (ع) : " فاعتصموا بتقوى الله، فإن لها حبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته " فحينما يمارس العبد الطاعة ويتجنّب المعصية ويلتزم بالمناهج الأخلاقية تترسّخ التقوى في نفسه ويظهر في النفس نور التقوى والإيمان ، وكلّما ازداد نور التقوى ازداد نور اليقين ، وقد جعلت بعض الروايات التقوى أعلى من الإيمان وأدنى من اليقين الذي لا يصله الإنسان إلاّ إذا اتقى الله حق تقاته ، في الرواية عن الإمام الرضا (ع) : " الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ، وما قسم في الناس بشيء أقل من اليقين " فالمتقي لله حق تقاته يخاف من الذنب مهما صغُر ويراه كبيراً ، لأنه لا ينظر إلى صغر الذنب بل يرى أنه عصى جبار السموات والأرض فيهرب من الذنب الصغير مخافة أن يعاقبه الله عليه ، فينشغل دائماً بذنوبه ولا ينظر إلى ذنوب غيره ، قال الإمام علي (ع) : " لا تستصغرنّ ذنبك فلربما عاقبك الله عليه ، ولا تستعظمنّ ذنب غيرك فربما غفره الله له " .
وقد أجاد الشاعر في قوله :
خَلِّ الذُنوبَ صَغيرَها *** وَكَبيرَها فَهوَ التُقى
كُن فَوقَ ماشٍ فَوقَ أَر*** ضِ الشَوكِ يَحذُرُ ما يَرى
لا تَحقِرَنَّ صَغيرَةً *** إِنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى
كان الإمام علي (ع) يقول : " لأهل التقوى علامات يُعرفون بها : صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وقلّة الفجور وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلّة المؤاتاة للنساء وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الحلم وإتباع العلم فيما يقرّب إلى الله عزّ وجلّ " ويقول (ع) : " أيُّها الناس، اتّقُوا اللهَ الذي إن قُلتُم سَمِع، وإن أضمَرتُم عَلِم، وبادِروا الموتَ الذي إن هَرَبتُم منه أدركَكُم، وإن أقَمتُم أخَذَكُم، وإن نَسِيتُموه ذَكَرَكُم " وقال (ع) : " من نقله الله من ذل المعاصي إلى عز الطاعة أغناه بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس " وعنه (ع) قال : " سمعت رسول الله (ص) يقول : لا حسب إلاّ بالتواضع ، ولا كرم إلاّ بالتقوى ، ولا عمل إلاّ بنية ، ولا عبادة إلاّ بيقين " وفي الحديث أنّ رسول الله (ص) قال لعلي (ع) : يا علي ! نَّ الإِسْلامَ عُرْيَانٌ ، لِبَاسُهُ التَّقْوَى ، وَرِيَاشُهُ الْهُدَى ، وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ ، وَعِمَادُهُ الْوَرَعُ ، وَمِلاكُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ،وَأَسَاسُ الإِسْلامِ حُبِّي وَحُبُّ أَهْلِ بَيْتِي"
أيّها المؤمنون : لقد دخل علينا شهر رجب ، شهر النور ، رابع الأشهر الحرم ، عن النبي (ص) : "رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي ، فمن صام يوماً من رجب إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر وأشكن الفردوس الأعلى " .
وعن الإمام الكاظم (ع) : " رجب نهر في الجنة أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ، من صام يوماً من رجب سقاه الله عزّ وجلّ من ذلك النهر " .
ويعرف شهر رجب بالأصب : لأنه الرحمة تصبّ فيه على أمة محمدٍ (ص) صبّاً .
عن النبي (ص) : " من صام يوماً من رجب كان ذلك أماناً له من شدّة سكرات الموت ، وأماناً من هول المطّلع وعذاب القبر ، ومن صام يومين من آخر هذا الشهر كان له بذلك جوازاً على الصراط ومن صام ثلاثة أيام من آخر الشهر أمن يوم الفزع الأكبر من أهواله وشدائده وأُعطي براءة من النار " .
إنّه شهر الاستغفار والتسبيح والصوم ، ويستحب فيه أداء العمرة وزيارة الإمام الرضا (ع) ، والأعمال كثيرة ، وبيان فضله في كتب الأدعية وغيرها كثير . وفيه مناسبات عظيمة وعديدة ، والتقوى مطلوبة على كلّ الصعد ومن كلّ إنسان حسب مسؤوليّته ؛ حتى من الماديين أصحاب القوانين الوضعية التي تنظم وضع الشعوب والأوطان ، فالسياسي حينما يلتزم بالقوانين وكذلك المواطن يقي نفسه من العقاب ، هذا عند الشعوب المتحضّرة والدول المتحضّرة ، أما شعوب العالم الثالث والذي أسموه زوراً الدول النامية ، وصححها الإمام الخميني (رض) فسمّاها الدول النائمة ، فإنّ الحكام يفتقدون تقوى الله سبحانه فلا يخافونه في عباده ، ويفتقدون التقوى السياسية لأنهم تعدوا القوانين وعطلوها أو جعلوها مطّاطة لإشباع غرائزهم وجشعهم وطمعهم ومن حولهم من أزلام ومحاسيب وأبناء وأصهار ، فتصبح الدولة بقرة حلوب ، إن لم يجدوا لبناً فيحلبون الدم حتى تصاب بالهزال والضعف ، كما هو حال دولتنا التي بالكاد مواردها تخدم فائدة الدين العام الذي تراكم بسبب الأداء السياسي السيّء الذي سبب هدر المال العام ، وصارت الدولة عاجزة عن تأمين الماء والكهرباء والطبابة والتعليم لمتوسطي الحال في البلد ومن هو دونهم ، ولن نجد فئة مطمئنة على نفسها إلاّ من اعتلوا كرسي المسؤولية والمتولون والمتكبرون ، فالنواب المسؤولون عن الشعب وأمام الشعب صاروا كما كل الحكام عالة على الشعب ، وقد اطمأنوا لمصاريفهم مع أولادهم مدى الحياة تشبّهاً بالمسؤولين السويسريين الذين أمّنوا لشعوبهم كل ما يحتاجون ولمّا وجدوا فائضاً سنّوا قانون الراتب مدى الحياة لمن تشرّف بخدمة الناس ، أمّا أن يبدأوا بأنفسهم ؛ ونسبة عالية من الشعب تحت خط الفقر وغالبية البنانيين دون حالة الوسط ؛ هذا يؤكّد عدم التزامهم بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم بخدمة الشعب وتأمين مصالحه .
إنّ وضع الدولة لا يُطمئن ؛ لأنّنا نحتاج لجيش قوي يتمكّن من الحفاظ على انجازات المقاومة بحماية الشعب والأرض وقيام دولة القانون ، تُعطي المعلّمين والموظفين ما يستحقّون وتنصف العمال ، وندعو الجميع للإلتفاف حول الجيش وقيادته لمواجهة الأخطار المستجدّة وخاصةً الحالات التكفيرية ؛ لتثبيت الأمن للمواطنين ، ونتمنّى الشفاء العاجل لكل الجرحى من الجيش وخاصةً جرحى الأمس في جرود عرسال على أيدي مسلّحين غير لبنانيين يريدون بلبنان سوءاً ، وهذا يلقي مسؤولية على كل مواطن ومسؤول أن يكون ظهراً وحاضناً للجيش لقطع الطريق على الفتنة ومنع إسرائيل من معاودة العدوان وليكف العدو عن غطرسته وإملاءاته على القوات الدولية بسد بعض الطرق أو استثمار بئر ماء على الأراضي اللبنانية التي تحرّرت بفعل المقاومة الحاضرة دائماً لكبح أطماع إسرائيل ومنع عدوانها بفضل احتضان الشعب لها لتبقى ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة الحصن لهذا الوطن الذي يستحقّ رئيساً قوياً لكل اللبنانيين يؤمن بضرورة الحفاظ على المقاومة وسلاحها ، حتى يصير لدينا جيش يُطمئن الشعب ويحمي الدولة لنحافظ على ثروات البلد ومصالح أبنائه .
وآخر دعوانا أن صلِّ اللهم على المصطفى وآله الطاهرين والحمد لله رب العالمين .








New Page 1