Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



فضيلة الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة: خصائص المبعث النبوي الشريف


:: 2014-05-31 [00:06]::


أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين .

قال الله تعالى مخاطبا نبيه ورسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( إقرَأ باسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (1) خَلَقَ الاْنسَـانَ مِنْ عَلَق (2) اقْرَأ وَرَبُّكَ الاْكْرَمُ (3) الَّذِى عَلَّمَ بالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الاْنسَـانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)) ذكر أكثر المفسرين أن هذه الآيات من سورة العلق الشريفة هي أولى الآيات التي نزلت على الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، وذلك يدل على أن بعثة النبي الأعظم بدأت مسيرتها وجهادها في الدعوة الى دين الإسلام من خلال هذه الآيات الشريفة.

حول بدء البعثة النبوية الشريفة :

وورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أن بعثة النبي محمد بدأت في السابع والعشرين من شهر رجب، وهي بعثة مباركة كانت مصدرا لهداية الناس الى دين الاسلام، ودراسة خصائص البعثة النبوية الشريفة أمر في غاية الأهمية لأنها تعرف الإنسان بالهدف الأساسي من إرسال الأنبياء، والآيات المتقدمة يوجد فيها أكثر من دلالة على أبعاد البعثة النبوية الشريفة ، ونوضح ذلك من خلال تفسير هذه الآيات

ورد في كتب التفسير أن رسول الله كان يذهب الى غار حراء ويتعبد الله تعالى فيه, وزيارته صلوات الله عليه الى هذا الغار لم تكن تختص في شهر رمضان فقط بل أيضاً في غيره من الأشهر, وكان رسول الله على دين جده إبراهيم الخليل صلوات الله عليهما, وبينما كان رسول الله في غار حراء قبل البعثة يختلي لوحده يذكر الله ويتأمل في هذا الكون الواسع, كيف أنه مصدر لتجلي الله في عظمته وقدرته, وإذ بالملاك جبرائيل يهبط عليه لأول مرة بالآيات الخمس المتقدمة, وفيهن تبليغ واضح للنبي صلوات الله عليه أنه اختاره تعالى لحمل رسالته.

وورد في الأحاديث أن الرسول كان قد أخبر عن لقاءه الأول بالملاك جبرائيل كيف أنه نزل عليه وقد ضمه جبرائيل, قائلا له "إقرأ باسم ربك الذي خلق" وكان النبي يجيبه بأنه ليس بقارئ, كيف يقرأ وهو لم يتعلم القراءة لكن جبرائيل كرر قوله تعالى المتقدم خمس مرات حتى استجاب النبي, وأصبح يقرأ بقدرة الله تعالى, وهنا إختفى جبرائيل عن أنظار النبي .

وتخبرنا الروايات كما في كتب التفسير ومنها مجمع البيان و التفسير الكبير أنه بعد هذا اللقاء نزل رسول الله من جبل حراء قاصدا بيته وزوجته السيدة خديجة بنت خويلد, وكان متعبا يتصبب منه العرق قائلا لزوجته " زملوني دثروني", فقالت له وهي تهدئ من روعه : "ما يفعل اللّه بك إلاّ خيراً، فواللّه إنّك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث "، ثم انطلقت السيدة خديجة هي والنبي إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمّها فاخبره رسول اللّه (ص) بما رأى، فقال له ورقة: "إذا أتاك فاثبت له حتى تسمع ما يقول ثمّ إيتني فأخبرني ".

فلمّا خلا النبي ناداه يا محمّد: قل بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه ربّ العالمين... حتى بلغ ولا الضّالين، قل لا إله إلاّ اللّه، فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له: أبشر ثمّ أبشر، فأنا أشهد أنّك الذي بشر به ابن مريم، وإنّك على مثل ناموس موسى، وإنّك نبيّ مرسل، وإنّك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لاُجاهدنَّ معك، فلمّا توفي ورقة، قال رسول اللّه (ص) : "لقد رأيت القس في الجنّة عليه ثياب الحرير لأنّه آمن بي وصدّقني"

و نتوقف عند شخصية ورقة بن نوفل كيف يمكن له أن يكتشف نبوة النبي محمد قبل النبي ؟ كما أنه لا يمكن أن يخفى الوحي على النبي نفسه, فلا بد وأن يكون قد عرفه الوحي بأنه ملاك مرسل من قبل الله , لكن لا يمنع أن تكون القصة في الإجمال صحيحة حيث ورد روايات تشير الى أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون بعثة النبي محمد بحسب ما لديهم من أخبار كانوا قد توارثوها عن الأنبياء, وورقة بن نوفل شخصية عربية كانت قد تنصرت واهتمت بقراءة كتب النصارى, واطلعت على صفات وسمات آخر الأنبياء, ومضمون الأخبار المتحدثة عن ورقة بن نوفل هي في عمومها تؤكد إيمانه بنبوة وبعثة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

( إقرأ باسم ربك الذي خلق (1) )

إن مدلول الآية " إقرأ باسم ربك الذي خلق " يشير الى أبعاد البعثة النبوية الشريفة ونشير اليها في المحطات التالية :

أولا : أن الآية تأمر النبي أن يقرأ ورسول الله لم يكن قد تعلم القراءة والكتابة, ولكنه بقدرة الله أصبح يقرأ ويكتب وخاصة بعد نزول هذه الآية, وهنا كانت أولى معاجز النبي, ولا شك أن الله تعالى حينما أمره بالقراءة كان قد ألهمه في تلك اللحظة أصول القراءة والكتابة بل أصول العلوم والمعارف أيضا, وفي ذلك دلالة على أن علوم النبي هي من قبل الله تعالى.

ثانيا : إن قوله تعالى للنبي" إقرأ " يدعونا الى أن نسأل ماذا يقرأ فالآية نفسها تجيب " باسم ربك الأكرم" أي أن يقرأ إسم الله وفي ذلك دلالة على أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله تقوم على الدعوة الى الإيمان بالله وحده والإرتباط برسالته, ورفض كل أنواع الشرك والعبادات القائمة على الإنحرافات العقائدية.

ثالثا : يوجد في قوله " إقرأ " إشارة الى الرابطة بين العقيدة الإسلامية والعلم لأن القراءة ترمز الى العلم, ومن هنا نجد المفارقة بين عقيدة الإسلام القائمة على العلم و المعرفة والعقائد الأخرى فإنها لم يكن لها سند من العلم و العقل, ثم إنه بنفس الوقت لما كان العقل لوحده لا يستطيع أن يحيط بدين الله ولا يستطيع أن يعرف كل تعاليمه وأحكامه كان لا بد من دور للنبوة ونزول للوحي .

( خلق الإنسان من علق (2) )

أشار الله تعالى في الآية الثانية الى أنه خلق الإنسان من علق, وقد اختلف المفسرون في تفسير العلق, فهناك من قال بأن المقصود بالعلق هو الدم المنعقد من النطفة, والذي يلتصق بجدار الرحم, وأخذ هذا المعنى من المعنى العام لمفردة العلق والتي تعني الإلتصاق بالشيء, وبذلك يكون المقصود من الآية المتقدمة أن الإنسان يخضع في تكوينه في عالم الأرحام الى ربوبية الله وعنايته .

وقيل : أن المقصود بالعلق هو الطين الذي خلق الله تعالى منه الإنسان, وأطلق على الطين علق لأنه متلاصق ببعضه البعض, وفي ذلك إشارة الى عظمة الخالق الذي جعل من هذا الطين جسدا في غاية الحسن والإتقان فجعل فيه لسانا ينطق وجسدا يتحرك في هذه الأرض.

وقيل : بأن المقصود بالعلق هو صاحب العلاقة, والله تعالى خلق الإنسان وهو يحمل في طبيعته التعلق بمجتمعه حيث يرفض أن يعيش لوحده, لذا يحتاج الإنسان الى عملية تنظيم في علاقته مع أخيه الإنسان, فلذا أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء لهذا الهدف, ونلاحظ أن كل التفسيرات المتقدمة لمعنى العلق تنسجم مع المعنى العام للآية الشريفة.

( إقرأ وربك الأكرم (3) )

هذه الآية الشريفة هي تأكيد للآية السابقة " إقرأ باسم ربك الذي خلق " فقد وصف الله تعالى نفسه بالأكرم من موقع بعثته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى أهل الأرض, ويمكن لسائل أن يقول إن تبليغ الرسالة يحتوي على المشقة والأذى فكيف تكون النبوة تكرما ربانيا ؟ الإجابة على هذا التساؤل هو أن حمل الرسالة فيه كرامة للنبي قياسا مع المكانة الكبرى التي يحصل عليها عند الله تعالى نتيجة تحمل أعباء تبليغ الرسالة , ثم إنه تعالى لو لم يجد في النبي الأهلية والقدرة لحمل رسالته لما اختاره تعالى .

وفي قوله تعالى ( إقرأ وربك الأكرم ) دلالة أخرى, وهو أن الله تعالى أشار الى نبيه أنه سيرعى بعثته في تبليغ الرسالة ولن يتركه لنفسه, فالربوبية هنا " وربك ..." تفيد معنى الرعاية لحركة النبوة والتي كان من ضمنها تعليمه للقراءة.

( الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) )

لا قراءة من دون كتابة ولا كتابة من دون قلم, فالقلم أساس التعلم وأساس حفظ العلوم والمعارف, والله تعالى هو من ألهم البشر السبيل الى معرفة الكتابة والقلم, وأشار تعالى في الآية " علم الإنسان ما لم يعلم" الى أن العلوم مصدرها الله تعالى, كعلم الطب وعلم الزراعة وعلم الهندسة وغير ذلك, والله تعالى وهب أصول العلوم للإنسان عبر الأنبياء, ثم طورها الإنسان بعد ذلك.

ثم إن بعثة الأنبياء قائمة على العلم والمعرفة وهم يحملون رسالة حضارية للبشر فيها كل الفنون والعلوم التي يحتاجون إليها في حياتهم, بل إن الدين يأمر باكتساب العلوم والمعارف لأنها تكشف عن عظمة الله تعالى, ونقرأ في هذه الآيات المتقدمة أن النبوة تستنهض المجتمعات البشرية لاكتشاف الأسرار والكنوز التي اختزنها الله تعالى في الطبيعة .

ومن هنا نجد أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان لها الفضل في إخراج المجتمع العربي من ظلمات العصر الجاهلي الى عصر العلم والعقل والوحي, والرسول الأكرم كان قد استنهض في العرب روح العلوم و المعارف والسعي الى بناء مجتمع الايمان والعدالة, وكان لرسالته السمحاء التأثير في باقي المجتمعات غير الإسلامية التي استفادت في الكثير من مبادئها وقيمها .

إن الكثير من العلوم والمعارف الموجودة في العصر الحاضر, كان المسلمون سباقين الى اكتشافها و تطويرها بفضل السنة الكريمة التي زرعها النبي محمد صلى الله عليه وآله في نفوس المسلمين, والتي تقوم على الترغيب في طلب العلم وجعله فريضة على المسلمين كالصلاة والصوم, إلا أن الكثير من العلوم و المعارف التي كانت بين أيدي المسلمين انتقلت الى الغرب بسبب تهاونهم وابتعادهم عن الالتزام بأحكام شريعتهم, وقد استغل الغرب هذه العلوم في سبيل تطوير نفسه ومحاصرة المسلمين. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.


New Page 1