Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



فضيلة الشيخ حسين اسماعيل في محاضرة حول مشروعية طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء في الاسلام


:: 2014-09-07 [21:32]::



محاضرة لفضيلة امام مسجد الامام شرف الدين (قده) في صور الشيخ حسين اسماعيل حول مشروعية الشفاعة القيت في المسجد ضمن دروس وهذا نصها :



بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين


الحمد لله كما هو اهله والصلاة والسلام على اشرف المرسلين محمد خاتم النبيين واله الطاهرين وصحبه المنتجبين وكافة عباد الله المخلصين , وبعد :

تحدث الله تعالى عن موضوع الشفاعة في كثير من الآيات القرآنية حيث يجد المتدبر فيها انها تنقسم الى شفاعة مشروعة والى شفاعة غير مشروعة ، والشفاعة المشروعة هي ركن من أركان العقيد الاسلامية وهي طلب الاستنابة في الدعاء ومشاركة الشفيع للمستشفع به في طلب المغفرة من الله، ولكن للأسف هناك من وسم الشفاعة المشروعة بالشرك وحكم بتكفير المسلمين الذين يتمسكون بمشروعيتها القائمة على التوحيد واستباح دماءهم وحرمتهم ، ومن يراجع أحاديثهم واستدلالاتهم على نكران الشفاعة يجد انهم خلطوا بين الشفاعة التي ندب الاسلام الى الإيمان بها وهي التشفع بالأنبياء والأولياء وبين الشفاعة التي حرمها الله وهي التشفع بالأوثان والأصنام, كما انهم خلطوا بين مفهوم التوحيد ومفهوم الشرك, و سنسلط الضوء على موضوع الشفاعة وخاصة المشروعة ، ونبين ما أثير حولها من شبهات مع الرد عليها واثبات ضلالها , وذلك من خلال العناوين التالية :



انقسام آيات الشفاعة :



تقدم ان الآيات المتحدثة عن الشفاعة تنقسم الى آيات تثني عليها والى آيات تذمها مما يدل على ان الشفاعة على نوعين, ونبدأ حديثنا اولا عن الشفاعة المذمومة فنقول بان الشفاعة التي ذمها الله تعالى في القرآن الكريم هي الشفاعة التي كانت سائدة في أذهان العرب قبل الاسلام حيث يعتقدون بان الأوثان والأصنام لها مكانة عند الله فكانوا يتقربون بعبادتها الى الله ويطلبون منها ان تشفع لهم عنده، واشار الله تعالى الى ذلك بقوله:( ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) " الزمر 3 " وهذه الشفاعة حرمها الله تعالى لأنها تتضمن شركا واضحا ، وقال الله تعالى في آية ثانية :( ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل اولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ) " الزمر 43 " أشار تعالى في هذه الآية الى بعض الخصائص التي تتعلق بالتشفع بالأصنام وعلى أساسها كان النهي عنها ، وهي :



اولا : قال تعالى : ( ام اتخذوا من دون الله شفعاء ) ان الله تعالى لم يأذن بالتشفع بالأصنام ، فان التشفع بها كان من دون العودة الى الله ومعرفة حكمه فيها, ثانيا : قال تعالى : ( قل اولو كانوا لا يملكون ولا يعقلون ) فالأصنام لا تعقل ولا تملك من امر الشفاعة شيئا، وفي ذلك توبيخ لمن يتخذ شفعاء من هذا القبيل، وعليه فلا بد وان يكون الشفيع ممن يعقل ويملك مكانة عند الله وقدرة على الدعاء والسؤال ويكون له مقام محمود وان يأذن له تعالى بالشفاعة وبذلك يكون التشفع ممدوح .



ومقابل الآيات التي تنهى عن التشفع بالأصنام هناك آيات قرآنية تشرع جواز التشفع بالأنبياء وتثني على هذا القسم من الشفاعة, والى ذلك أشار تعالى بقوله :( وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو انهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) " النساء 64 " هذه الآية تنص على جواز التشفع بالنبي وسؤاله الدعاء الى الله بالمغفرة، وتشير هذه الآية أيضاً الى عدة أمور تتعلق بالشفاعة المشروعة منها :



اولا : تختص الشفاعة بالمذنبين والعاصين الذين تابوا الى الله تعالى واستغفروه، وعليه فلا بد للمؤمنين الذين يريدون ان يشفع لهم النبي ان يسألوا الله تعالى اولا المغفرة وبعد ذلك يطلبوا الشفاعة من النبي لذا قال تعالى :( ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا الله ...)، ثانيا : بعد استغفار المؤمنين من الله يطلبون الشفاعة من النبي ان يدعو لهم الله تعالى بالمغفرة والتوبة، قال تعالى:( واستغفر لهم الرسول ) ثالثا: اكد تعالى عن رضاه وحبه لهذا التشفع ، قال تعالى :( لوجدوا الله توابا رحيما ) اي يتوب الله على المؤمنين باستغفارهم و شفاعة النبي لهم .



فالشفاعة هي استنابة الشفيع في طلب الرحمة والمغفرة من قبل الله تعالى ومن الشفاعة دعاء المؤمنين لبعضهم البعض بغفران الذنوب والتوبة ،قال تعالى :( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) البقرة 286 لذا كان النبي واهل بيته صلوات الله عليهم يدعون للمسلمين والتشفع اعم من ان يكون في طلب الاستغفار بل قد يكون لقضاء حاجة من الحوائج الدنيوية المشروعة, وقد ورد عن النبي أنه قال صلى الله عليه واله وسلم :(من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجاب له ) "التفسير الكبير ج 10 / 207" وعليه فالذين ينكرون الشفاعة فانهم في الواقع ينكرون سنة استحباب دعاء المؤمن لإخوانه المؤمنين.



وأيضاً من الآيات الدالة على شفاعة النبي للمؤمنين قوله تعالى :( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) " محمد 19 " فالله أمر النبي بان يشفع للمؤمنين وهذا نبي الله نوح عليه السلام يسأل المغفرة لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات قال تعالى :( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) ' نوح 28" والأنبياء لا يشفعون لمطلق من يطلب الشفاعة، بل لمن ارتضى الله فقط ان يشفع له، قال تعالى :( ولا يشفعون الا لمن ارتضى )" الانبياء 28 "



ثم ان الله تعالى حكى عن اولاد نبي الله يعقوب عليه السلام يطلبون منه ان يستغفر لهم الله تعالى على تآمرهم على اخيهم يوسف عليه السلام بعد ان تابوا, وليس طلبهم هذا الا طلب للشفاعة قال تعالى :( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ان كنا خاطئين ) " يوسف 97" فاستجاب يعقوب لطلبهم ووعدهم بالشفاعة قال تعالى :( وسوف استغفر لكم ربي انه هو الغفور الرحيم) " يوسف 98 "والعجيب من قول البعض :" إن الله أعطى نبيه الشفاعة ، ولكن نهاك عن الاستشفاع به " فالخلط والتناقض واضح في هذه العبارة حيث يقول صاحبها بان الله أعطى الشفاعة للنبي لكن لا يجوز ان تطلب منه الشفاعة مع انه لا شفاعة من دون شفيع ومستشفع به وهذا ما لا يرضى به عاقل, كما لو قال قائل ان الله انزل القرآن لهداية الناس لكن لا يجوز ان تطلب الهداية به.



ووردت احاديث متواترة حول الشفاعة لا يمكن نكرانها الا لمن أنكر السنة، كما لا يمكن تجاهل مضمونها حول تأكيدها لمعنى الشفاعة الا لمن أراد ان يفهم اللغة العربية بغير معانيها، وهذه بعض الأحاديث, فقد ورد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال : ( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)" التبيان ج1ص225" وهنا إشارة الى ان الشفاعة لا ينالها المشركون والكفار بل انما هي مختصة بالمسلمين، وقال النبي صلى الله مؤكدا على ذلك في حديث آخر وهو :(شفاعتي لمن يشهد ان لا اله الا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه) " مسند احمد ج 1 ص 307 " وورد عن علي انه قال عليه السلام :( من كذب بشفاعة رسول الله لم تنله ) " عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 71، ح 292."



فلا يحق لأحد ان ينكر الشفاعة بعد ورود هذه النصوص وغيرها ولكن رغم ذلك هناك فريق يكابر ويعتبر ان المستشفع بالنبي كالمستشفع بالوثن وذلك مما قصم ظهر المسلمين، قال الامام ناصر الدين احمد بن محمد بن المنير المالكي في كتابه الإنصاف : ( وأما من جحد الشفاعة فهو جدير ان لا ينالها وأما من آمن بها وصدقها وهم اهل السنة والجماعة فأولئك يرجون رحمة الله ومعتقدهم انها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم - الى ان قال : - وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة ورزقنا الله الشفاعة ) "الانتصاف بهامش الكشاف ج1ص214" وقال الشيخ الطوسي وهو من كبار علماء الشيعة الإمامية :(الشفاعة ثبتت عندنا للنبي صلى الله عليه واله وسلم وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين ) " التبيان ج1ص213"




ابطال شبهات حول الشفاعة :

ونأتي الان الى عرض بعض الشبهات التي وضعت من اجل تشويه الشفاعة المشروعة التي أذن الله تعالى بها، فنذكر هذه الشبهات باختصار وهي لا تحتاج الى تفصيل كثير في الرد عليها, لذا ردنا عليها سيكون موجزاً وهو يكفي لمن كان لديه أدنى عقل وتأمل حتى يدرك ان هذه الشبهات شبهات واهية، ونعرض هذه الشبهات مع الرد من خلال العناوين التالية :



1- ليست الشفاعة شركا بالله :


ادعى منكرو الشفاعة ان طلب الشفاعة شركا لان الذي يغفر ويتوب على المؤمنين هو الله وليس النبي او الولي ؟ هذه الدعوى واضحة البطلان لان المؤمن لا يطلب من النبي او الولي ان يغفر له ذنوبه بل الذي يغفر الذنوب هو الله تعالى لكنه يطلب من الشفيع ان يسأل الله نيابة عنه ليدعو له في غفران ذنوبه.



2- ليس كل واسطة بين الله والعبد مرفوضة :


ليست كل واسطة بين الله وعبده تكون شركا فالأنبياء والرسل عليهم السلام هما واسطة في الهداية من قبل الله للعباد، كما ان الشفاعة واسطة في الدعاء للمؤمنين لمغفرة ذنوبهم وهي واسطة أذن الله تعالى بها وكواسطة الهداية، فالله تعالى كما أذن لأنبيائه بان يكونوا واسطة لهداية عباده فانه تعالى أذن لهم أيضا بأن يكونوا واسطة في الاستغفار والتوبة والعفو الى جانب استغفار المستشفعين بهم.



3- الشفاعة ليست خلاف العدل الالهي :


ادعى البعض بان الشفاعة تدعو الى مخالفة العدل الالهي لان الشفيع يدعو الى إسقاط العقاب الذي جعله الله على عبده العاصي وهو لا يصح اسقاطه لأنه خلاف العدل ؟ هذا الادعاء هو وليد الوهم وباطل لان الله تعالى يحق له ان يسقط حقه في العقاب ويعفو ويتوب على عبده متى يشاء، و لا يخفى ان الشفاعة هي فرع التوبة وما يقال عن الشفاعة يقال عن التوبة والله تعالى وعد عباده بالتوبة لمن تاب توبة نصوحا.



4- الشفاعة ليست دعوة الى التخلف :


ذهب منكروا الشفاعة الى القول بان الشفاعة تدعو الى التخلف والتجرؤ على الله تعالى بارتكاب المعاصي اعتمادا على ان الشفاعة هي من تدفع الحساب والعقاب، وهذا وهم كسابقه لان الشفاعة غير متيقنة الحصول, كما ان الشفعاء لا يقبلون ان يشفعوا الا لمن أذن لهم الله بالشفاعة والأذن غير معلوم فطالب الشفاعة غير معلوم الاستجابة له, فكيف تكون الشفاعة دافعة للتهاون والتجرؤ.



5- الشفاعة تدعو الى الأمل برحمة الله :


ان من ثمرات الشفاعة انها تدعو الى الأمل والرجاء في غفران الذنوب والحصول على عفو الله، وهذا اهم أهداف تشريع الشفاعة ثم ان دعوة الناس الى ترك التشفع هي دعوة في الواقع الى حرمان الناس من شفاعة الأنبياء والأولياء والتي تعد غنيمة كبرى وهم أحوج ما يكونون اليها غداً يوم القيامة.




6- إمكانية طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء الأموات :


احتج منكروا الشفاعة ومعطلوها على بطلانها بانه لا يصح التشفع بالشفعاء الأموات لان الأنبياء والأولياء بعد موتهم تنقطع صلتهم بالحياة الدنيوية ولا إمكانية لهم للقيام بالشفاعة، وهذا الكلام هو في غاية الوهن وهو خلاف ما قامت عليه عقائد الاسلام من وجود حياة ثانية بعد الموت وان الله أعطى لأرواح الأنبياء والأولياء خصوصيات لحياتهم بعد الموت لم يعطها الله تعالى لغيرهم ودل على ذلك قوله تعالى :( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل احياء عند ربهم يرزقون ) " ال عمران 169" الا انهم أرواح بلا أجساد مادية لكنهم مطلعون على احوال المؤمنين من وراء حجاب الغيب بدليل قوله تعالى : ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) " ال عمران 130" نعم تستبشر أرواح الشهداء والأنبياء والأولياء من خلال اطلاعهم على احوال وصلاح اهل الإيمان الذين لا زالوا أحياءا في الدنيا، ثم ان الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه واله وسلم أعطاه الله كرامة الاطلاع على اعمال أمته فهو يراها من وراء الغيب بدليل قوله تعالى :( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) وفي تفسير مدرسة اهل البيت عليهم السلام المقصود بالمؤمنين هنا في هذه الآية هم خصوص أئمة اهل البيت عليهم السلام، وعليه فمن طلب من النبي ان يشفع له عند الله وخاصة بعد مماته صلوات الله عليه فان النبي يعلم بطلبه ويراه، ولا شك ان النبي يشفع له اذا وجده اهل للشفاعة ويدعو له.



ثم ان من الأدلة الدامغة التي لا تصمد أمامها ادلة منكري الشفاعة قول المصلي في صلواته المكتوبة والمسنونة في التسليم في خاتمة صلاته: ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) فلو لم يكن النبي يسمع لما كان لهذا التسليم من معنى ولكان عبثا، فما المشكلة اذا خاطب المسلمون نبيهم وطلبوا منه الشفاعة بعد موته وهم في الحياة الدنيا ؟ نعم ليس هناك من مشكلة اذا اردنا أن نفقه الشفاعة على حقيقتها ولا نحرف فيها , ثم أليس الله تعالى قد اعطى نبيه مقام الشهادة الذي من خلاله يشهد على اعمال العباد وهو مقام موجود مع النبي في حياته وبعد مماته فكيف يشهد النبي بعد موته صلوات الله عليه لو لم يكن مطلعا على احوال الأحياء من الناس, وهذا ما يؤهله الى الاستماع الى تشفع المسلمين به قال تعالى :( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ) " الاحزاب 45 " فهو صلى الله عليه واله وسلم شاهد في حالة حياته ومماته, وقوله تعالى :( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) " النساء 41 " فالنبي صلوات الله عليه ليس بشاهد على امته فقط بل انه شاهد على الانبياء, وقال تعالى في نفس السياق :( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) " سورة البقرة 143 "



7- عقيدة الشفاعة تزيد من ارتباط المسلمين بنبيهم وأئمتهم :


ان من ثمرات عقيدة الشفاعة بمفهومها الصحيح انها تزيد من قوة علاقة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه واله وسلم وأئمتهم عليهم السلام حيث يشتد انجذابهم اليهم صلوات الله عليهم، خاصة حينما يعلمون أنهم مطلعون على أحوالهم وتصلهم أخبارهم وأنهم يشفعون لهم, وكله حاصل بقدرة الله وأذنه وليس ذلك على الله بعزيز، فحينما نقول بأن النبي قد مات وانه لا نفع من مخاطبته وتشبيه موته بباقي الموتى هو خلاف ما حدثنا به القرآن من كون النبي شاهدا على العباد ويرى أعمالهم فيسره قربهم من الله ويسوؤه بعدهم عنه تعالى.




8- عقيدة الشفاعة لا تدعو الى التغيير في أرادة الله تعالى :

ان من الشبهات التي طرحت حول الشفاعة انه يلزم من القول بها التغيير في أرادة الله تعالى وهو لا يصح قوله في حق الله لذا قالوا ببطلانها, وهذه شبهة هي كأخواتها في البطلان لان شأن الشفاعة كشأن التوبة فإذا أراد الله معاقبة العاصي على ذنوبه التي ارتكبها ثم بعد ذلك تاب هذا العاصي الى الله تعالى فتاب تبارك عليه فهل يعني ذلك ان التوبة غيرت في إرادة الله حتى نقول ببطلان التوبة، لا احد يقول بذلك لان الله امر بالتوبة فقال :( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) " التحريم 8 " كما ان الله يقول :( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ) "الرعد 39".



9- الشفاعة ليست من المتشابهات :


أيضاً من الحجج الواهية التي أوردها البعض على الشفاعة انهم ادعوا بان الشفاعة هي من المتشابهات والمتشابهات حكمها لديهم هو التفويض الى الله تعالى فهو اعلم بمعناها، وهذه الحجة هي في الواقع إقرار بالعجز وهروب من الكلام في الشفاعة لأنهم لا يملكون دليلا قويا على بطلانها, ونزيد فنقول بان الشفاعة هي من القضايا الواضحة التي لا إبهام فيها، وقد نزلت فيها آيات محكمات وأحاديث واضحات كما تقدمت الاشارة الى ذلك, ثم لو فرضنا انها وردت فيها آيات متشابهات فإننا لا نسلم بتفويض الآيات المتشابهات الى الله تعالى حتى لا يلزم من ذلك تعطيلها عن دورها في هداية العباد، فالله تعالى لم ينزل الآيات المتشابهات لكي نتلوها فقط دون ان نفهم ونفقه معناها، بل لنهتدي بها ثم ان الله تعالى أوضح في كتابه العزيز السبيل الى فهم الآيات المتشابهات، وذلك بعرضها على الآيات المحكمات اللاتي هن ام الكتاب، قال تعالى :( هو الذي انزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات )

" ال عمران ".



10 - التفريق بين المعاصي لا يسقط الشفاعة :


استدل المنكرون للشفاعة بأنها تدعو الى التفريق بين الذنوب لان الشفاعة لا تكون في كل الذنوب بل في بعضها فلا شفاعة للمشركين والكفار، وهذا التفريق بين الذنوب هو ترجيح من دون مرجح مما يدل على بطلان الشفاعة، نقول بأن هذا الاحتجاج في غاية الضعف والوهن لان الشفاعة من بعض الذنوب دون البعض الاخر لا يضر في صحة الشفاعة لان الشفاعة لا تصح في كل الذنوب, فذنب الشرك مثلا لا يغفر فلذا لا تصح الشفاعة فيه وهكذا، وعلى هذا تكون الشفاعة كالتوبة لها شروطها وحيثياتها.



11- الشفاعة ليست عبادة لغير الله تعالى :


ادعى المنكرون ان الشفاعة هي عبادة لغير الله لان المستشفعون انما يعبدون الأنبياء والأولياء الذين يتشفعون بهم، وهذا ادعاء مثير للعجب ويضحك الثكالى لا اعلم من أين استفاده المنكرون للشفاعة ؟ فليس هناك من يتشفع بالأنبياء والاوصياء والأولياء ويدعي عبادته اياهم او ان غفران الذنوب يعود اليهم أو أنهم أرباب من دون الله، وعليه فهذه الدعوى ليست الا افتراء على المسلمين والشفاعة ليست الا التزام بما امر الله تعالى به حيث شرع الله تعالى الشفاعة في كتابه الكريم وفي سنة نبيه صلوات الله عليه، وإنكارها إنكار للشريعة وأصبح من الواضح ان الذين ينكرون الشفاعة لا يميزون بين العبادة وغيرها فحسبوا ان الشفاعة عبادة لغير الله وهي ليست منها في الواقع لكن المنكرين يحرفون الواقع.



أخيرا لا بد من كلمة في خاتمة المطاف :

الشفاعة لا تعني الا الاقتران بين شيئين الشفيع والمستشفع فانهما يقترنان في الدعاء الى الله، فالمستشفع يسال الله المغفرة ويطلب من الشفيع أن يسال له ايضا المغفرة, فالاثنان يسالان الله تعالى حتى ان الشفيع في عمله هذا يتقرب الى الله تعالى، قال تعالى :( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) " النساء الآية 85" فالمستشفعون المؤمنون لا يقولون بان الشفيع هو شريك الله في الغفران بل هو سائل وطالب وداع مثلهم يدعو الله الا ان الفرق بين الشفيع والمستشفع هو ان الشفيع صاحب مكانة ومقام عند الله ويتقدم في الإخلاص والتقوى على المستشفع ، لذا كان دعاء الشفيع اقرب الى استجابة الله تعالى إكراما له، ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعظم الشفعاء مكانة عند الله، واصبح من الواضح من خلال العرض المتقدم ان إنكار الشفاعة بالمفهوم المتقدم هو إنكار لعقيدة اسلامية نص عليها القرآن .


New Page 1