Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



فضيلة الشيخ اسماعيل في خطبة الجمعة : مشروعية التوسل بالأنبياء والأولياء في الاسلام


:: 2014-09-20 [00:44]::


أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها مع التوضيح لبعض المحطات:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين

هناك سلوكيات عقائدية أثيرت حولها شبهات وهي في الواقع تشكل ركنا من أركان العقيدة، ومن هذه السلوكيات العقائدية قضية التوسل بالأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم، وغالب المجتمعات الاسلامية تعتقد بجواز التوسل وخاصة بالنبي وآله وهذا الموضوع جدير بالبحث والدراسة، وقبل الحديث عن الشبهات لا بد من بيان مفهوم التوسل فنقول : بان التوسل هو طلب الدعاء من الأنبياء والأولياء الى الله تعالى لقضاء حاجة من الحوائج الدنيوية او الأخروية التي شرعها الله تعالى حيث يتوجه المسلم بخطابه الى الأنبياء او الأولياء سواء كانوا أحياء أو أمواتا بان يدعوا له.

توسل بني اسرائيل في القرآن :

ان من الادلة على جواز التوسل هو توسل بني اسرائيل بنبي الله موسى عليه السلام، فقد طلبوا منه ان يدعو لهم الله تعالى في جعل الارض التي هاجروا اليها في سيناء بعد خروجهم من مصر تنبت لهم ببعض المزروعات، واستجاب موسى عليه السلام لطلب بني اسرائيل ، والله تعالى ذكر هذه الحادثة في سورة البقرة، وهذا نص الآية :( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم ) " البقرة 61" ولو كان التوسل محرما وغير جائز لما استجاب موسى عليه السلام لطلب بني اسرائيل ولما استجاب الله تعالى أيضا دعاء نبيه موسى عليه السلام.

وايضاً من الايات التي تدل على جواز التوسل بالأنبياء قوله تعالى حكاية عن قول نبيه عيسى عليه السلام، قال تعالى : ( اني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمة والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ) " ال عمران 49 " هذه الآية تشير الى معاجز السيد المسيح، ومن ضمن هذه المعاجز ان المرضى كانوا يطلبون منه ان يدعو لهم الله ان يشفيهم، وكانوا يحصلون على الشفاء بقدرة الله, وهذه الآية تدل على مشروعية التوسل بالأنبياء صلوات الله عليهم.

وايضاً من الايات الدالة على جواز التوسل قوله تعالى : ( ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) " النساء 64 " تحدث الله تعالى عن توسل المؤمنين بالنبي صلى الله عليه واله وسلم في استغفارهِ لهم، والله تعالى أشار الى قبول هذا التوسل بقوله : ( واستغفر لهم الرسول ) والرسول لا يفعل الا ماهو سنة وما يوافق شرع الله، وايضاً دل على مشروعية التوسل في الآية قوله تعالى عن نفسه : ( لوجدوا الله توابا رحيما ) اي ان الله تعالى يقبل استغفار المؤمنين لأنفسهم واستغفار النبي لهم فيتوب عليهم ويرحمهم الى غير ذلك من الايات الدالة على مشروعية التوسل.

ليس التوسل عبادة للأنبياء والأولياء :

ادعى المنكرون لمشروعية التوسل بانه يتضمن عبادة للأنبياء والأولياء الذين يتم التوسل بهم، واستشهدوا بآيات من القرآن الكريم من قبيل قوله تعالى : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) ان تدعوهم لا يسمعوا دعاء كم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) ) " فاطر " وهذه دعوى اقرب الى الافتراء من قربها الى الدعوى لانه اولا لم يدَّعِ احد من الذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء او بخصوص الرسول الاكرم وأهل بيته عليهم السلام انهم يعبدون من يتوسلون بهم، ثم ثانيا الاستشهاد بالآيات المتقدمة وأمثالها في غير مكانه لان الايات تتعرض الى توسل المشركين بالأصنام وهم يعتقدون انها تخلق وتدبر وتقضي الحوائج وهي تشارك الله في الألوهية، وهناك فرق بين من يتوسل بالأنبياء والأولياء وبين من يتوسل بالأصنام والأوثان، فالمسلم يتوسل ويقول يا رسول الله او يا ولي الله اسأل لي الله او أدعو لي الله في قضاء حاجتي ولا يعتقد ان من يتوسل بهم يشاركون الله في صفاته.

ليس كل دعاء عبادة :

استدل المنكرون لمشروعية التوسل بالاضافة الى ما تقدم على ان التوسل هو دعاء والدعاء هو عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز واستشهدوا بقوله تعالى : ( ان الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) " الأعراف 194 " وقوله تعالى : ( ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داحرين ) " غافر 60 " فالآية الاولى حرمت الدعاء من غير الله والآية الثانية اعتبرت الدعاء عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز، وعليه فالتوسل غير مشروع كونه يتضمن دعاء للمتوسل بهم، نقول في الإجابة على هذه الشبهة انه قد اختلط على صاحبها التمييز بين الدعاء بمعنى الطلب وبين الدعاء الذي هو بمعنى العبادة، فالدعاء من الله عبادة لانه يتضمن إظهار للعبودية والربوبية لله تعالى بينما الدعاء بالنسبة لمن تتوسل بهم فهو بمعنى الطلب لان يسألوا الله لك ويدعوه هم دعاء عبادة، وقد وردت مفردة الدعاء في القرآن الكريم بمعنى الطلب الذي لا يشتمل على معنى العبادة، كما في قوله تعالى : ( ندع أبناءنا ...) " ال عمران 61 " فالدعاء هنا بمعنى طلب الخروج الى المباهلة، وقال تعالى : ( ثم ادعهن يأتينك سعيا ) " البقرة 260 " بالنسبة لنبي الله ابراهيم عليه السلام فقد أمره الله تعالى بدعوة الطيور التي قطعها وجعل على كل جبل منهن جزء، فالدعاء هنا ليس بمعنى العبادة بل بمعنى الطلب والمناداة، وقال تعالى :( استجابوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم ) " الأنفال 24 " فآلدعاء في الآية بمعنى الطلب للتمسك بالتعاليم الاسلامية التي حملها النبي الى الناس وفيها حياة حقيقية لهم0

نعم ورد في الأحاديث ما يفيد ان الدعاء يأتي بمعنى العبادة كقول النبي الاكرم محمد صلى الله عليه واله وسلم : ( الدعاء مخ العبادة ) " سنن الترمذي 5 / 456 " وقوله صلوات الله عليه : ( الدعاء هو العبادة ) " مسند احمد / 267 " وجاء في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين عليه السلام قوله : ( فسميت دعاءه عبادة وتركه استكبارا وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين ) " دعاء 45 المقطع 15 " فتم استعمال مفردة الدعاء هنا بمعنى إظهار الخضوع والتذلل لله وإبراز العبودية له تعالى، وبذلك يكون استعمال الدعاء تارة بمعنى العبادة، وتارة يكون الدعاء بمعنى الطلب والسؤال.

إمكان التوسل بالأموات أرواح الأنبياء والأولياء :

أيضاً من الشبهات التي أطلقها المنكرون لمشروعية التوسل هو قولهم بان التوسل بالأموات عبث، لان الأموات هم عدم لا وجود لهم ولا يستطيعون ان يقدموا نفعاً او يدفعوا ضرا، والعقل يحكم بقبح الطلب ممن هو معدوم، وعليه فالتوسل هو قبيح في نظر العقل، نقول بان هذه شبهة اخرى شبيهة بأخواتها التي تقدمت، والرد عليها يكون من خلال بيان الامور التالية :


الامر الاول : ان الأموات ليسوا بعدم بل هم ارواح موجودة

ثبت في النصوص القرآنية والروائية المتواترة ان الأموات ليسوا بعدم بل هم ارواح موجودة وان الانسان لا يعدم بعد موته الا الجسد منه, اما روحه فباقية وعليه فلا يكون خطاب الاموات عبث وخاصة اصحاب الشان الكبير والمكانة العالية كالانبياء والاولياء. وهناك ايات كثيرة في القرآن تدل على حياة الانسان بعد الموت، نذكر منها الايات التالية :

الآية الاولى : قال تعالى : ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) " ق 22 " فالإنسان بعد موته يكون أشد معرفة وأكثر وعيا بحياته حتى بما يتعلق بحياته الدنيوية التي رحل عنها، وليس كشف الغطاء الا ازاحة الحجب الدنيوية التي منعت الانسان من كثير من المعارف، ثم قوله تعالى : ( فبصرك اليوم حديد ) يختلف بصر الانسان من حيث القوة والقدرة على رؤية الحقائق بعد الموت عما قبله, والاية تدل على وجود للانسان بعد الموت.

الآية الثانية : قوله تعالى : ( حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب أرجعوني (99) لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون (100)) " المؤمنون " هذه الآية من ادل الايات على الحياة الثانية للإنسان بعد موته، والآية تتحدث عن وجود غير مادي للإنسان هو من يتكلم ويتحدث مع الملائكة وهو وجود يعبر عنه بالروح، ولا يخفى على احد ان حقيقة الانسان هي الروح وليس الجسد ودور الجسد هو ان يكون سفينة للروح تعبر به في عالم الدنيا .

الآية الثالثة : قوله تعالى : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشية ) " مريم 92 " في أشارة الى حياة المؤمنين بعد الموت فان الله تعالى يرزقهم وينعم عليهم من فضله في الصباح والمساء، وهذا يدل على وجود للإنسان بعد الموت وان الموت لا ينهي وجوده، نعم الموت يقطع صلة الانسان بالجسد ويقطع صلته بالدنيا الا ما اذن الله تعالى به، كما سيأتي معنا بما يخص الأنبياء والأولياء. ومن خلال ما تقدم ثبت معنا ان الاموات ليسوا عدما ويصح مخاطبتهم والتوسل بهم.

الامر الثاني : ان الاموات يعلمون بما يحصل مع الأحياء :

هناك احاديث تفيد بان الاموات يعلمون بما يحصل مع الأحياء, كما ان هناك ايات تدل على ان الاموات يعلمون بما يحصل مع الاحياء, ومن ضمن ما يعلمون هو التوسل وعليه لا يكون مخاطبة الارواح عبثا لاسيما الانبياء والاولياء وهذه بعض النصوص :


1- رد النبي (ص) للسلام يدل على صحة التوسل :

ورد في الأحاديث ان رسول الله صلى الله عليه واله قد اخبر انه من سلـَّم عليه فانه يسمع سلامه فيما لوكان المسلـِّم عن قرب، اما لو كان المسلـِّم عن بعد فانه اخبر صلى الله عليه واله بوجود ملائكة سخرها الله تعالى له لنقل السَّلام اليه وتبليغه به ومن هذه الاحاديث ما اخرجه ابو داوود في سننه عنه صلى الله عليه واله انه قال : ( ما من احد يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ) " 2/ 218 " , وجاء عن ابن مسعود ايضا قال صلى الله عليه واله انه قال : (ان لله ملائكة سياحيين في الارض يبلغوني من أمتي السلام ) " وفاء ألوفا 4 / 1349 "

وهناك احاديث كثيرة في المقام بالاضافة الى ما تقدم وكلها تتضمن ان النبي يسمع بسلام من يسلم عليه عن قرب، ويعلم بسلام من يسلم عليه عن بعد، ونسأل ما المقصود بالسلام على النبي وخاصة حينما يقول المسلـِّم " السلام عليك يا رسول الله " ؟ المقصود به هو الدعاء للنبي بان يهبه الله كل ما يتضمن معاني (السلام ) من الحصول على الدرجات الرفيعة التي تحمل معنى الأمن من غضب الله، ويلزم منها ان يكون النبي قريبا من الله بأعلى درجات القرب المعنوي ويلزم أيضاً ان يكون النبي مستجاب الدعاء من قبل الله تعالى، والرسول حينما يرد السلام على المسلم عليه ويقول : وعليك السلام او السلام عليك، فهذا يعني ان النبي أيضاً يدعو للأحياء المسلمين عليه، وبذلك يكون سلام النبي متضمنا للدعاء للأحياء الا ان الفرق بين التوسل والسلام ان التوسل يتضمن طلب دعاء خاص في قضاء حاجة معينة بخلاف السلام فانه يتضمن دعاء عام .

2- دعاء النبي لامته بعد مماته دليل على صحة التوسل به :

أيضاً من الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، والتي تفيد فائدة التوسل حديثه الآتي الذي يشير فيه الى انه بعد وفاته يدعو لامته اذا علم انه نالها سوء، وهذا نص الحديث فانه قال : ( حياتي خير لك تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) " وفاء ألوفا / 1353"

ان من الواضح في هذا الحديث ان النبي مطلع على اعمال أمته وانه يحمد الله فيما اذا استقامت، كما يسوءه فيما اذا انحرفت كما يدل استغفاره على إمكانية التوسل به لان التوسل من الاعمال التي تعرض على النبي، وإذا قال قائل لا يمكن للنبي ان يدعو الله لمن توسل به لكثرة المتوسلين به فإننا نجيب بان الله سخر له ملائكة يدعون نيابة عنه لمن توسل به فان ذلك ممكن كما يمكن لله تعالى ان يرزق نبيه قدرة على الإحاطة والمعرفة بكل من توسل به وليس على ذلك بعزيز ويدعو حينئذ للجميع بقضاء حوائجهم.

5- التوسل والتسليم على العباد الصالحين في الصلاة :

ما تقدم من الحديث عن التوسل هو متعلق بخصوص الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه واله, اما بالنسبة لغيره من الانبياء واهل بيته وباقي الاولياء فيدل على صحة التوسل بهم صيغة التسليم الواجبة في الصلاة وهي قول المصلي بعد السلام على النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم : " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ", فالتسليم على عباد الله الصالحين في خاتمة الصلاة نفسها تشرع موضوع التوسل لان السلام فيها يتضمن دعاء ولا يستقيم معنى السلام فيها الا على وجود مسلـَّم عليه ولا يستقيم السلام ايضا هذا السلام الا مع من يرد على المسلـمِّ, ومن هنا فالارواح الصالحة وخاصة من الانبياء والاولياء حينما يتم التسلـيم عليها فانها ترد السلام, والله تعالى في القرآن الكريم سلـَّم على انبياءه عليهم السلام قال تعالى :

1- ( سلام على نوح في العالمين ) الصافات 79 "
2- (سلام على ابراهيم ) " الصافات 109 "
3- سلام على موسى وهارون ) " الصافات 120 "
4- (سلام على إل ياسين ) " الصافات 130 "
5- ( سلام على المرسلين ) " الصافات 181 "

وليس سلام الله تعالى في هذه الايات على انبيائه الا دعوة للاحياء من عباده الى التسليم عليهم, ولا شك ان ارواح الانبياء والاولياء مشمولون في الصيغة في التسليم في الصلاة حينما نقول : " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ولا يصح السلام من دون رد السلام والا كان السلام عبثا وعليه فالسلام على ارواح الانبياء والاولياء في الصلاة يقتضي الرد عليه من قبلهم وليس سلامهم الا الدعاء, وعليه يمكن ان نقول ان من صيغ التوسل بالانبياء والاولياء يكون من خلال التسليم عليهم فانهم بدورهم يردون السلام, اما لو سأل سائل كيف يردون السلام على كثرة المُسلِّـمين فهذا امر من الغيب لا يعلم به الا الله تعالى, والله تعالى يمكن له ان يرزق ارواح الانبياء والاولياء قدرة على الاحاطة العلمية بالمُسلـِّمين عليهم ويوكل تعالى ملائكة تدعو بالنيابة عنهم وتتكفل بقضاء الحوائج والله تعالى هو العالم .

ومما يدل على اهتمام ارواح الانبياء والاوصياء والصالحين بالاحياء من اهل الايمان قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون (196) فرحين بما اتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) ) " ال عمران "

الاية الثانية من هذه الايات الشريفة تدل على اهتمام ارواح الشهداء وهي شاملة بمفهوم الاولوية لارواح الانبياء والاولياء على اهتمامهم بالمؤمنين الاحياء لذا كانوا يستبشرون خيرا لهم بحسب ما كانوا يعلمون عنهم من فعلهم للصالحات, وهذا الاهتمام يستتبعه الدعاء لهم وهو شامل للتوسل.

الامر الثالث : التوسل في احاديث النبي (ص) :

ورد احاديث حول التوسل عن النبي صلى الله عليه تكشف عن استحبابه وكونه سنة نبوية, وتكشف هذه الاحاديث على ان للتوسل اقسام عديدة من التوسل بالنبي في حياته وبعد مماته الى التوسل باهل بيته عليهم السلام الى التوسل بالانبياء والملائكة الى التوسل ايضا بالصالحين والاعمال الصالحة. ومن هذه الاحاديث ما ورد حول التوسل بالنبي في حال حياته ما جاء عن عثمان بن حنيف انه قال : ان رجلا ضريرا اتى النبي صلى الله عليه واله وسلم, فقال : يا نبي الله ادع الله ان يعافيني, فقال: " ان شئت أخرت ذلك فهو افضل لاخرتك, وان شئت دعوت لك قال : لا بل ادع الله لي, فامره ان يتوضأ و ان يصلي ركعتين وان يدعو بهذا الدعاء : " اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه واله وسلم نبي الرحمة, يا محمد اني اتوجه بك الى ربي في حاجتي هذه فتقضي وتشفعني فيه وتشفعه في " قال حنيف : " فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر " ( مسند أحمد بن حنبل 4 / 138 و سنن ابن ماجة ا / 441 ح 1385 وسنن الترمذي 5/ 569 ح 3578 ) وفي غاية المأمول وهو شرح التاج الجامع للاصول جاء في ذي الحديث : " بسند صحيح "

وهذا الحديث يدل على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه واله وسلم بعد وفاته, وليس فيه دلالة على انه خاص بحياته . وفعلا قامت سيرة المسلمين على التوسل بالنبي واهل بيته صلوات الله عليهم وبغيرهم من الانبياء والاولياء عليهم السلام, وهذ السيرة قائمة منذ زمن النبي الى الان ولو انها كانت بدعة ومحرمة لما قامت عليها هذه السيرة ولتم النهي عنها منذ البداية , وورد توسل عمر بن الخطاب بالعباس عم النبي طلبا للماء ففي صحيح البخاري : ان عمر بن الخطاب كان اذا قحطوا استسقى بالعباس فقال : " اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا صلى الله عليه واله اذا قحطنا فسقينا , وانا نتوسل بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون " صحيح البخاري رقم 964

وورد في الاحاديث حول التوسل باهل البيت عليهم السلام جملة من الاحاديث منها ما رواه العلامة الاميني في غديره فانه قال : أخرج الديلمي في مسند الفردوس كما في الدر المنثور (ج1 ص 60) باسناده عن علي قال : سالت النبي صلى الله عليه واله عن قول الله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) فقال : " ان الله اهبط آدم بالهند وحواء بجدة (الى ان قال :) حتى بعث الله جبريل وقال : يا آدم الم اخلقك بيدي ؟ الم انفخ فيك من روحي ؟ الم اسجد لك ملائكتي؟ الم ازوجك حواء امتي ؟ قال : بلى قال : فما هذا البكاء ؟ قال : وما يمنعني من البكاء وقد اخرجت من جوار الرحمان ؟ قال فعليك بهؤلاء الكلمات فان الله قابل توبتك وغافر ذنبك قل : اللهم اني اسألك بحق محمد وال محمد سبحانك لا اله الا انت عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي انك انت الغفور الرحيم فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم ) " الغدير 7 / 300 "

التوسل ليس استعانة بغير الله :

أيضاً من الشبهات التي قيلت حول عدم مشروعية التوسل ان التوسل هو استعانة بغير الله تعالى، والإجابة على هذا السؤال هو على النحو التالي :

اولا : ليس كل استعانة بغير الله هي شرك وإلا للزم ان يكون كل المؤمنين مشركون بالله لانه ليس من مؤمن الا وهو يستعين في حياته بأخيه على قضاء الكثير من الحوائج، كما ان الأنبياء كانوا يستعينون بغيرهم كما كان موسى عليه السلام يستعين بأخيه هارون عليه السلام، والاستعانة بغير الله تكون شركا حينما يؤمن المستعين بان من استعان به يحمل صفات الألوهية والربوبية اما لو كان يؤمن بانه عبد مخلوق لله ولا يقدر على قضاء الحوائج الا بما اقدره الله عليه، فالاستعانة به حينئذ لا تكون شركا ويستحب للمؤمن ان يقضي حوائج أخيه المؤمن مع القدرة على قضائها .

ثانيا : المُتوسِل يستعين بالمتوسَل به فقط في ان يدعو له الله تعالى، وهذا ليس شركا وخاصة حينما يقول : "يا نبي الله أدعو لي الله او يا ولي الله اسأل لي الله وأدعوه لي في قضاء حاجتي " فهذا جائز وليس فيه ما يدل على حرمته لانه في نهاية الامر هو دعاء الى الله لكن بالاستنابة، نعم يكون توسل المؤمن شركا حينما يطلب المُتوسِل من المتوسَل به قضاء الحوائج ويعتقد انه مستقل عن الله تعالى في قضائها, وهذا ما لايعتقد به المتوسلون المسلمون.

الحذر من التوسل الخاطئ :

ان اي خطأ يرتكبه المؤمن في تطبيق اي امر مرتبط بتعاليم الاسلام واحكامه فانه ينعكس سلبا عليه وعلى نفس العمل، وهذا ما ينبغي الوقوف عليه لخطورته وأهميته لان التعاليم والأحكام الاسلامية هي أمانة والإنسان مسؤول عنها ويجب المحافظة عليها وهذا ما يحتاج الى توضيح:

نحن نتحدث عن التوسل مثلا فالتوسُل هو مما ثبتت شرعيته من خلال القرآن والأحاديث رغم كثرة ما أثير حوله من تشكيكات الا ان المتوسِل اذا اخطأ في فهم التوسل او في القيام به كما لو أخطأ في فهمه عقائديا بان اشتبه عليه الامر وتصور ان من يتوسل بهم هم من يقضون الحوائج بشكل مستقل, فانه يكون قد وقع في الانحراف من حيث لا يدري، بل ان الله تعالى لا يستجيب توسل من يشرك به، كما ان من يتوسل بالانبياء والاولياء صلوات الله عليهم فانهم لا يستجيبون لهذا المتوسِل لما في توسله من خلل وانحراف.

وعليه فلا بد من التأكيد على الوعي العقائدي للتوسل القائم على التوحيد بان الله لا يشاركه احد في قضاء الحوائج للعباد، وان أرواح الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم لا يملكون الا الدعاء وإذا كان لهم من قدرة على القيام بفعل شيئ فهو بفضل الله تعالى وقدرته، ويقودنا هذا الحديث الى ضرورة الاهتمام بصيغ التوسل حيث لا بد وان تكون واضحة ولا يعتمد صاحبها على الصيغ المبهمة, كما لو قال المتوسِل : " يا علي اقضي حاجتي " ، فان المستمع له او حتى نفس المتوسل قد يسهو على ان التوسل هو ارتباط بالله، حيث يتصور المتوسِل ان التوسل هو علاقة مع المتوسَل به فلا يطلب قضاء حاجته من الله تعالى, لذا لا بد من التركيز على البعد العقائدي في التوسل.

ولا يخفى ان الممارسات الخاطئة للتوسل في بعض الأحيان وغير المقصودة , وخاصة من قبل محبي اهل البيت عليهم السلام يتم استغلالها من قبل البعض من اجل النيل من التشيع وإعطاء صورة عنه غير صحيحة بانه يدعو الى الغلو بأهل البيت عليهم السلام، لذا لا بد من تقييد التوسل من قبيل "يا رسول الله أدعو لي الله في قضاء حاجتي" بدل قول " يا رسول الله ساعدني "، وحتى هذه العبارة لا تدل على الشرك طالما ان صاحبها يقصد بقوله ان يدعو له الله ان يقضي حاجته، لكن دفعا للالتباس وحفظا للعقيدة فإنه من الافضل اعتماد الصيغة المناسبة.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.







New Page 1