Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



فضيلة الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : يشكل الحج رسالة اصلاح في حياة الامة


:: 2014-10-04 [02:00]::



أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين.

فلا يوجد تكليف الهي من دون بيان :

يقول الله تعالى في كتابه العزيز : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26))"الحج " ان الله تعالى قبل ان يكلف العباد بامتثال رسالته فانه تعالى أرسل اليهم الأنبياء وانزل الكتب حتى يعرفهم عليها وبعد ذلك يكلفهم بها وهكذا بالنسبة لباقي التكاليف فلا يوجد تكليف الهي من دون بيان، وهذا مقتضى الحكمة .ومن هنا نقرأ في الآية المتقدمة كيف ان الله تعالى أعد الكعبة لتكون مكانا لعبادته قبل ان يكلف الناس بالحج اليها كما اعد الانبياء اولا لقيادة الناس قبل ان يأمرالناس باتباع الانبياء, قال تعالى : (وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ) فالأنبياء الذين يحملون رسالة الله الى الناس لا بد وان يسبقوهم الى المعرفة بها وتطبيق أحكامها حتى يكونوا قدوة، لذا بدأ الله تعالى بإبراهيم عليه السلام وهو الرسول والقائد للمجتمع البشري الى معرفة دين الله.

ونستوحي من ذلك ان القادة لحمل الرسالات - ومنهم العلماء - لا بد وان يسبقوا المجتمع الى الالتزام بتعاليم الرسالة وإلا فان الناس سينفرون من الارتباط بها ، لانه ستضعف هممهم عن الالتزام حينما يَرَوْن قادتهم بعيدين عن هذا الالتزام، لذا امر الله تعالى نبيه ابراهيم اولا بقوله : (ان لا تشرك بي ) ثم امره تعالى ثانيا بان يحفظ الكعبة من كل مظاهر الانحراف والشرك قال تعالى : (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) حتى تكون مكانا معدا للعبادة والتوحيد، وهذا يدل على ان الله تعالى يهيء الظروف المساعدة للناس على الهداية الى طاعته, فهناك اذن ظروف تساعد الناس على الالتزام بطاعة الله, وهذا ما يجب علينا ان نسعى اليه, ان نعمل على إيجاد هذه الظروف المساعدة على الهداية وتطبيق تعاليم الاسلام.

وحينما يتحدث الله تعالى عن امره لنبيه ابراهيم في تطهير الكعبة وحفظها من كل مظاهر الشرك والانحراف ، فهو امر لنا في نفس الوقت بضرورة حفظ بيوت الله المنتشرة في كافة بقاع الارض والتي هي المساجد, فلا بد وان تحفظ ايضا من كل مظاهر الشرك والانحراف لانها بيوت الله كبيت الله الحرام, فلا يعصى الله فيها ولا يشرك به فيها وتكون منارة للمجتمعات. ونسأل هنا لماذا خص الله تعالى امره لنبيه ابراهيم بتطهير الكعبة من مظاهر الشرك مع انه يجب تطهير كل بقاع الارض من مظاهر الانحراف والشرك ؟ وقبل الاجابة نسال عن المقصود بالطهارة في قوله تعالى : (وطهر بيتي ) إن المقصود بالطهارة هو محاربة الشرك بالله الذي يشكل الرجس الحقيقي على الارض, والشرك بالله يتجلى في كل معصية يرتكبها الانسان, فالفساد والظلم والقتل بغير حق هو شرك اذن والشرك يشمل معاني عديدة.

ونعود الان للحديث عن الاجابة على السؤال المتقدم فنقول: ان الله تعالى امر بتطهير بيوته من الشرك بدءً بالبيت الحرام لعدة اموروهي : اولا : ان الله اراد لبيوته ان تكون منطلقا لتطهير الارض حتى تشكل القاعدة التي ينطلق منها الرساليون والمؤمنون في حمل مسؤولية نشر رسالة الاسلام ومحاربة الشرك, فلو كانت بيوت الله تتضمن شركا لفقدت قدرتها على الاصلاح في الارض, ثانيا : خص بيوت الله تعالى بالتاكيد على طهارتها لكي تبقى محصنة لانها ستستهدف من قبل القوى المنحرفة, لان هذه القوى تجد في بيوت الله ما يشكل خطرا على مشروعها القائم على نصرة الشرك . ثالثا : التأكيد على حرمة بيوت الله حيث ان ارتكاب الشرك والمعاصي فيها مما يتضاعف عقاب المرتكب عند الله. وعلى الانسان المؤمن والمسلم ان يأخذ عهدا على نفسه حينما يدخل الى اي بيت من بيوت الله الا يعصي الله فيه بمطلق انواع المعاصي الباطنية والظاهرية العقائدية والسلوكية، ويعاهد ربه اذا دخل بيته الا يذكر غيره تاكيدا وتجسيدا لقوله تعالى : ( وان المساجد لله فلا تدعو مع الله احد ) .

ثم ان الله تعالى بعدما تحدث عن تهيئة الكعبة لأداء فريضة الحج اليها أمر نبيه ابراهيم عليه السلام ان يؤذن في الناس ويبلغهم بوجوب الحج عليهم الى بيت الله الحرام، قال تعالى : (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27)) "الاذان " معناه الإعلان و"رجالا" جمع راجل و"الضامر" الضعيف و"الفج" في الأصل تعني المسافة بين جبلين و"العميق" تعني البعيد،جاء في تفسير الامثل حول تفسير الاية المتقدمة حديثا عن علي بن ابراهيم يقول فيه : " عندما تسلم ابراهيم عليه السلام هذا الامر الرباني قال : (ان آذاني لا يصل الى إسماع الناس فأجابه سبحانه وتعالى : (عليك الاذان وعلي البلاغ ) فصعد ابراهيم عليه السلام موضع المقام ووضع إصبعيه في أذنيه وقال : ( يا أيها الناس كتب عليكم الحج الى البيت العتيق فأجيبوا ربكم ) وابلغ الله عزوجل نداءه أسماع جميع الناس حتى الذين في أصلابهم آبائهم وأرحام امهاتهم فردوا : لبيك اللهم لبيك، وان جميع الذين يشاركون في مراسم الحج منذ ذلك اليوم وحتى يوم القيامة هم من الذين لبوا دعوة ابراهيم عليه السلام ".

تشير هذه الرواية المتقدمة الى جانب غيبي هام وهو ان الله تعالى أوصل نداء ابراهيم بالدعوة الى اداء فريضة الحج الى المسلمين الذين لم يولدوا وما زالوا في عالم الأصلاب، ونسأل هل هناك نحو وجود للإنسان في عالم الأصلاب غير امكان تولده وحمل خصائص آبائه وأجداده، لعل المقصود من ذلك هو هذا فيما اذا أولنا الحديث, ويمكن ان يكون هناك نحو آخر لوجود الانسان وهو ما يطلق عليه بعالم الذر ولكن الانسان لا يذكر منه شيئا في نفسه والله هو العالم.
وقدمت الآية من يحج مشيا على من يحج راكبا على بعير او اي وسيلة نقل أخرى باعتبار أفضلية الحج مشيا على الحج راكبا قال تعالى : (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) وذلك لان المشي مسافات طويلة فيه مشقة على الانسان والاجر على قدر المشقة, ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه واله : ( للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة) "تفسير روح المعاني ومجمع البيان والتفسير الكبير"، والإسلام حث على الحج مشيا لما فيه من الأجر والثواب مع القدرة عليه .

ثم أشار الله تعالى إشارة أخرى الى ان هناك من يقصد الحج من الأماكن البعيدة من الارض وفعلا يقصد المسلمون الحج من أقاصي الارض ومن كل بلدان العالم, وخاصة في عصرنا الحاضر عبر وسائل النقل الحديثة والسريعة لا سيما الطائرات. وفي السابق كانوا يسافرون الى الحج عبر الإبل التي مكنها الله تعالى من قطع الصحراء وتحمل قساوتها حتى تنقل الحجاج الى مكة مع امتعتهم لقضاء فريضة الحج، والله تعالى وصف الإبل (بالضامر) اي الضعيفة والمتعبة نتيجة قطع المسافات البعيدة، في إشارة الى الاستعداد لتحمل اعباء الحج .

لماذا الحج الى بيت الله الحرام ؟

بعدما أخبرنا الله تعالى عن المشقة التي يواجهها الانسان في سبيل اداء فريضة الحج، فإننا نسأل هل يحتاج الله تعالى الى حج الانسان الى بيته الحرام ؟ أليس الله تعالى هو غني عن عبادة الانسان له ؟ إذا ما الحكمة من تشريع فريضة الحج ؟ أجاب الله تعالى على هذا السؤال في الايات التي تلي الايات المتقدمة من سورة الحج قائلا : ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير )" الحج" أشار تعالى في هذه الآية الى العلة من تشريع فريضة الحج، ونحن نشير اليها على نحو الإجمال، فنقول : شرع الله تعالى الحج لانه يحتوي على منافع دنيوية وأخروية للناس, والى ذلك أشار تعالى بقوله : (ليشهدوا منافع لهم )

فالحج كله منافع تعود بالخير والصلاح على الحجاج والمسلمين, وليس الله تعالى بحاجة الى هذه المنافع بل هي مورد حاجة الانسان والمجتمعات البشرية، ومن هذه المنافع أن الحج يحدث ثورة في المشاعر الانسانية فيجعلها تذوب في عقيدة التوحيد لله رافضة كل مظاهر الشرك والانحراف، كما ان الحج يحدث في المشاعر ايضا ثورة ثانية في الدعوة الى رفض كل الفوارق الاجتماعية والطبقية المصطنعة بين الناس التي يصطنعها الطغاة والمستكبرون في الارض, وتدفع هذه المشاعر الانسان نحو التواضع لاخيه الانسان حيث لا تمييز بين الناس في منطق فريضة الحج الا على اساس التقوى.

وايضا من منافع الحج ان مشهد الحجاج في اجتماعهم ووقوفهم على جبل عرفات يذكر المتأمل والمتدبر فيه بمشهد يوم القيامة كيف يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة من قبورهم للحساب مما يدفعهم الى الاستعداد لهذا اليوم العظيم، ثم انه ايضا من منافع الحج هو حصول من يحج على غفران الله لذنوبه وسيئاته, حيث ورد انه من أدى الحج كما امر الله تعالى واخلص فيه له، فانه لا يخرج من الحج الا وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (الحاجّ يصدّرون على ثلاثة أصناف:صنف يُعتَق من الناروصنف يَخرُج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أُمّه,وصنف يُحفظ في أهله وماله فذاك أدنى ما يرجع به الحاج) " المجلسي، بحار الأنوار، ج99، ص26".
فالحج مدرسة في الدعوة الى الوحدة بين المسلمين حيث يشعرون كأنهم جسد واحد اذا اشتكى منه عضو واحد تداعت له جميع الأعضاء بالسهر والحمى ، وورد في الحديث عن رسول الله انه قال صلى الله عليع واله وسلم :(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) حيث تذيب فريضة الحج كل الحواجز السياسية والثقافية والقومية والمذهبية والمادية التي فرقت بين المسلمين، ومن هنا يخشى أعداء الاسلام من فريضة الحج لانها تستنهض الوحدة الحقيقية في نفوس المسلمين رغم اختلاف قومياتهم وبلدانهم ولغاتهم ، مما تدفعهم الى التكامل فيما بينهم لمواجهة التحديات التي تعترضهم في حياتهم الإيمانية والرسالية

ونختصر لنقول : بان الحج يشكل اكبر مؤتمر إسلامي عالمي يحصل على الارض، وهذه الرسالة ترمز الى كثير من الحقائق والعناوين التي تشكل مشروع اصلاح في ساحة الامة ، ولو ان المسلمين التزموا بها لكانوا أقوى أمة على وجه الارض، وتجعل باقي الامم تهابها الا ان المسلمين ابتعدوا عن روح وجوهر رسالة الحج وارتبطوا بها شكليا وصوريا وخسروا بذلك الكثير من فوائد الحج ومنافعه. وان الغرب يدرك ابعاد فريضة الحج ويخشاها وهناك من عبر عن ذلك, وهذا قول لبعض السياسيين المشهورين : "الويل للمسلمين إن لم يعرفوا معنى الحجّ، والويل لأعدائهم إذا أدرك المسلمون معنى الحجّ"! وجاء عن الإمام الصادق(ع) حيث قال: "لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة" بحار الأنوار، ج99، ص32." ولهذا الحديث مضامين سياسية هامة وهي واضحة لمن تأمل فيها. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.


New Page 1