Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



العلامة ياسين في خطبة الجمعة: "ام المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد (رض)"


:: 2015-06-30 [04:13]::

ام رئيس لقاء علماء صور العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، والقى سماحته الخطبة وجاء فيها:

في السنة العاشرة للبعثة النبوية الشريفة ، في العاشر من شهر رمضان المبارك ، تغادر دار الدنيا السيدة العظيمة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وقبلها بثلاثة أيام قد افتقد عمّه أبو طالب مؤمن قريش ، فسمى الرسول (ص) ذلك العام بعام الحزن .
فلابد من التعرف عليها (ع) : اسمها خديجة ، والدها خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، والدتها فاطمة بنت زائدة بن الأصم ، بعد أن نتعرف على شخصية السيدة خديجة بنت خويلد سندرك أن هناك عناية إلهية بهذه المرأة ، لتكون زوجة لخاتم الأنبياء (ص) .
هي منبت نسبٍ شريف ، رزقها الله رجاحة العقل وحسن الخُلُق ، كانت أعقل نساء مكة وأكثرهن جمالاً ، وأغنى تجار مكة ، ومن أكبر تجار الجزيرة العربية ، كانت تلقّب بالجاهلية بالعفيفة الطاهرة ، وسيدة قريش ، اختارتها العناية الإلهية لتكون زوجة لسيد البشر محمد (ص) ، بعد أن انتبهت بأن محمداً ليس إنساناً عادياً بالأمانة والجمال ، فشعرت أن عناية ربانية تحوطه ، وأن له دوراً عظيماً ، إذْ كانت معروفة بالحكمة ورجاحة العقل ، وقد ردّت كلّ من تقدموا بطلب الزواج منها من زعماء قريش ، ومن أبناء عمومتها ، وما ذلك إلاّ بتسديدٍ ربّاني ، فأوعزت لمحمدٍ أن يتقدّم لخطبتها ، بعد أن حدّثها خادمها ميسرة عن شأن محمد وما شاهده منه ولاحظه عليه ، حينما خرج محمد بتجارة خديجة إلى بلاد الشام ، والتي حققت لها أضعاف ما كانت تحقّقه الرحلات مع غير محمد (ص) ، ولم يكن محمد أجيراً لخديجة في التجارة ، بل شريكا مضارباً منه الجهد والخبرة ومن خديجة المال ، لقد شهد ميسرة من محمد مالم يشاهده من أحد ممن سبقه في التجارة ، من صدق وأمانة وحرص على مال خديجة ، وما شهده من عناية إلهية بمحمد بتيسير الأمر ومرافقة الغمامة له ، تلك الغمامة التي أذهلت خديجة وحيرتها وهي تنظر لمحمد وهو متوجه لدارها ، رأته مقبل والغمامة فوق رأسه ووجهه يضيء ، فأخذ بمجامع قلبها ولمَ لا ؟ وهو الشاب الصادق الأمين ذو جمال وحسب ونسب ، وممدوح على كلّ لسان ، فأخذت خديجة تفكّر بمحمد خاصة بما رأته بأم عينها وسمعته من غلامها ميسرة ، وكاشفت صديقتها نفيسة بالأمر وقالت لها : يا نفيسة إني أرى في محمد بن عبد الله ما لا أراه في غيره من الرجال ، فهو الصادق الأمين ، وهو الشريف الحسب ، وهو الشهم الكريم ، وهو إلى ذلك له نبأ عجيب وشأن غريب ، وقد سمعت ما قاله غلامي ميسرة عنه ، ورأيت ما كان يضلله حين قدم علينا من سفره ، وما تحدّث به الرهبان عنه ، وإن فؤادي ليكاد يجزم أنه نبي هذه الأمة .
أظهرت رغبتها فيه وأوصلت له الأمر مع نفيسة ، كلّم النبي (ص) عمومته أبا طالب والعباس والحمزة ، الذين خطبوها له من عمّها ، وقال أبو طالب حين خطبتها : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد (معدنه) وعنصر مضر (أصله) وجعلنا حضنة بيته وسوَّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم . فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم؛ وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على كذا... ثم سكت. فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها عمرو بن أسد: اشهدوا عليّ يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد . فقبل النبي (ص) النكاح وشهد على ذلك صناديد قريش. وتم الزواج على إثر ذلك ، وكان بعد رجوع النبي محمد (ص) من الشام بشهرين ، وهي أول امرأة تزوجها النبي (ص) ، وكان عمر النبي (ص) 25 سنة واختُلف في عمر خديجة بين قائل 25 وقائل 38 وقائل 40 سنة ، المهم بأنها قد تزوّجت بالنبي (ص) قبل البعثة النبوية بـ 15 سنة .
وكانت كما النبي (ص) وأجدادهما على دين الحنفية ، دين النبي إبراهيم الخليل (ع) ، أحاطت السيدة خديجة النبي بكل عناية واهتمام ، وأنجبت منه زينب ورقية وأم كلثوم والقاسم وعبد الله وفاطمة الزهراء (ع) ، استمرت خديجة بتجارتها واهتمت برعاية أولادها ، وخدمة زوجها الذي كان يترك بيته للتأمل والتعبد في غار حراء ، تحوطه بعنايتها إذا عاد إلى بيته وتؤمن زاده إذا أراد العودة إلى الغار ، وإن تأخر عن العودة تأتيه بما يحتاج وتصعد إلى الغار تتأمل وتتعبد معه ، وعندما نزل الوحي على قلب الحبيب محمد (ص) وعاد إلى البيت أدركت - برجاحة عقلها وإيمانها – أنها النبوة فلم تتردّد بالإيمان بالنبي لتكون أول الناس إسلاماً ومعها الفتى علي الذي كان رسول الله (ص) قد أحضره إلى بيته ليعيش معهم ويتكفّل بمعيشته ليخفف عن عمّه أبي طالب ، وقد يكون وفاءً لأبي طالب الذي ربّى النبي (ص) واحتضنه وكفله وحماه ، حتى بعد النبوة كانت السيدة خديجة تنفق المال لمساعدة المستضعفين ونصرة النبي (ص) ، وأبو طالب يحميه من طواغيت قريش ، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) : أن الإسلام قام على مال خديجة وحماية أبي طالب وسيف علي وصبر النبي (ص) .
بعد بعثة النبي (ص) ابتعدت نساء قريش عن خديجة ليشعرنها بالوحدة وأظهرن العداوة لها ، وقد حصل طلاق لبناتها ، لكن الله قد عوضها بفاطمة التي كانت تؤنسها وهي جنين في بطنها ، لم تتخلى السيدة خديجة (ع) عن النبي (ص) حتى عندما قررت قريش والعرب مقاطعة بني هاشم ، وحاصرتهم في شعب أبي طالب ، ومنعت التواصل معهم ، ومنعت عنهم البيع والشراء والزواج ، حتى أكلوا أعشاب الأرض ، وخديجة أصرت على مشاركة النبي (ص) في الضراء كما كان وفياً معها في السراء ، وضعفت وأصيبت بمرض ، لكن كل ذلك لم ينل من صبرها وصمودها ، كل ذلك الحصار كان للضغط على أبي طالب وبني هاشم ليسلموا النبي لهم ليقتلوه ، وقد استمر الحصار ثلاث سنوات إلى أن أكلت حشرة الإرضة العهد الذي كتبه زعماء قريش ووضعوه على جدار الكعبة وهو عدم فك الحصار عن بني هاشم حتى يسلموا النبي لهم ليقتلوه ، يخبر الوحي النبي (ص) بأن حشرة الإرضة قد أكلت العهد ولم يبقى منه إلاّ : باسمك اللهم . فخبر النبي عمه بالأمر فخرج أبو طالب وعندما اعترض طواغيت قريش قال لهم : أخبرني ابن أخي الذي لا يكذب : بأن الإرضة قد أكلت الورقة . فسخروا منه ، فقال اذهبوا وعاينوا وإن لم يكن الأمر كما قال محمد أسلمه لكم لتقتلوه ، فكان ما قاله أبو طالب وخرجوا من الحصار وخرجت خديجة وقد أنهكها المرض ، وفي العاشر من شهر رمضان بالسنة العاشرة للبعثة النبوية ، يفجع النبي بزوجته متزامناً مع رحيل عمه أبي طالب ، فسمى النبي (ص) ذلك العام بعام الحزن .
خمس وعشرون سنة قضتها السيدة خديجة مع النبي (ص) فكانت الزوجة المثالية والمعينة للنبي (ص) ، كيف وقد عاشت معه حالات الوحي ، لأن جبرائيل كلما نزل على النبي (ص) كان يخبرها النبي بذلك ، واكبت نزول الوحي وفي اليوم الذي علّم فيه حبرائيل (ع) الوضوء والصلاة للنبي (ص) صلت معه (ص) ، أجمع المؤرخون أن خديجة أول من آمن برسول الله ولم يكن إيمانها عن عاطفة بل عن إيمان وعقيدة ، وقد بلغها النبي (ص) سلاماً من الله سبحانه كما تحدّثت الروايات .
قال لها النبي (ص) : أخبرني جبرائيل أن الله سبحانه وتعالى أرسله إليك بالسلام . فقالت خديجة : يا رسول الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام .
حزن النبي لموتها وتألم لفراقها ، وكان دائما يذكرها ويوصل من كانت من صديقاتها ، في السيرة أن النبي (ص) أتى بالشيء يقول : اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة ، اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت تحبّ خديجة . حتى أن بعض نسائه كانت تغار من مديح النبي لخديجة .
يروي أحمد بن حنبل عن عاشة أنها قالت : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاء .
هذا شيء عن خديجة التي لم تغرها الدنيا وجاهدت بمالها ونفسها مع رسول الله (ص) ، ليقتدين بها نساء المسلمين ويحملن هم الدعوة وهم الإسلام كما حملته أم المؤمنين السيدة خديجة (ع) ، وليحسنّ التبعّل ويهتممن بأولادهن ويقفن مواقف الحق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلِّ اللهم على محمدٍ وآله الطاهرين .








New Page 1