Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


قصة نادرة ..... نصف قرن من الحب بين ابو موسى وام موسى .... الموت فرقهما اسبوعاً واحداً ثم جمعهما مجدداً !!


عبير محفوظ :: 2017-08-10 [01:42]::
ما الحب إلا ملاك أرسل ليطوف بنوره بين أهل المعمورة... تراه يجمع بين قلبين وروحين وجسدين... لا يحولهما قلباً واحداً ولا روحاً واحدة في جسدين... بل تراه يحيل العمر برزخاً بينهما...تتداعب سعادتهما عند جانبيه، ولا تحلو البسمة الا متى ما التقت مهجيتهما عندها.... هو ذا الحب الذي لا يموت بموت من نحب... فالحب نور سرمدي، وإن ادعينا واهمين أنا نعرف بدايته، فنحن حتماً لا نعرف له نهاية... لأنه يتدفق من أسمى مشاعر الانسانية، ويخترق جبروت كياننا حتى نستسلم لمشيئته ونرضخ بعزة لأحكام ستكتب لنا خلوداً في قلب من نحب وإن توقف نبض ذاك القلب.... وأحياناً، يستحيل الحب عشقاً، فيعبر أبواب السماء بأنفاسه، ويحمل العاشق إلى روضة المعشوق، كما رافقه في الدنيا، ليرافقه في عالم الأزلية....

عاشت بلدة الشهابية الجنوبية أسبوعاً مفجعاً حزيناً... فبعد وفاة رجل آمن بمن أحب حتى تغلغل حبها في أعماق شرايينه، قدمت السيدة رقية شبلي رقة (أم موسى) نبضات قلبها المرهق حزناً والشغوف حباً على مذبح العهد، فأسلمت الروح والتحقت، في أقل من أسبوع، بحبيب روحها وشريك عمرها المرحوم كامل موسى رقة (أبو موسى)....

وُلد المرحوم كامل رقة العام 1954 في بلدة الشهابية. ولما أدرك الواحد والعشرين من عمره، أنصت بحكمة لنبضات قلبه المتسارعة كلما رأى جمالها الساحر واستمع للطيف حديثها على صغر سنها، فأيقن أن ما يكنه لقريبته ليس مجرد مشاعر الود والإحترام بين القربى.... ومما زاد من إيمانه أن ما يعايشه حباً وشغفاً غيرته من أبناء البلدة الذين يتوددون إلى الجميلة رقية إبنة الـ13 ربيعاً....ولما كانت العادات حينها تسمح بزواجها على صغر سنها، تزوج كامل من رقية، لتكتمل سعادتهما بولادة ابنتهما مريم.

ومع مرور الأيام، زادت شعلة الحب بينهما اتقاداً... ومع أنهما أنجبا 7 شبان و5 بنات، إلا أن أبا موسى وأم موسى ظلا مضرب المثل في البلدة عن قصص الحب التي لا يقتلها روتين الحياة الزوجية، بل يزيد لمعانها بريقاً....وما انفكت ربة المنزل "أم موسى" تودع زوجها كل صباح عندما يترك منزله متوجهاً إلى المصرف حيث يعمل في بيروت وتنتظره كل مساء عندما يعود منهكاً من عمله، ولا تدري هي أهو تعب العمل الأشد إرهاقاً أم شوقه لمجالستها والحديث معها حتى ساعات اليوم الأخيرة! وكما عايشاه وخبرا حلاوته، لطالما شجع الوالدان أبناءهم على الزواج بمن يهتف له القلب... وقد بنوا لأبنائهم بيوتاً بالقرب منهم علهم يعيشون بركة المحبة والود التي خيمت على منزلهما منذ عشرات السنين....
يخبرنا إبنهما عيسى، "كانا أيقونة للحب... متى ما مرض هو، تراها تتوسل الله أن يشفيه وأن لا يعذبه أمام عينيها... أن تفتديه بنفسها كي لا يصيبه مكروه.... وإذا ما أعياها تعب الأيام، تراه بدموعه الحارة يطلب من الله أن يكون لها عوناً وأن لا تعاني يوماً ألماً.... وفي يوم الجمعة الماضي المشؤوم، عاد أبي كعادته من عمله... وأراد أن يستلقي قليلاً بعد عناء يوم متعب.... ولما ذهبت والدتي لإيقاظه، لم يجب نداء مهجة قلبه.... فعلا صراخ أمي حتى هرعنا إليهما.... ذهبنا إلى المشفى ليتبين انه كان قد أصيب بذبحة قلبية حادة لم تمهله طويلاً... فتوفي ودفن يوم السبت".

وعلى الرغم من تعبها وضعف عضلة قلبها، أصرت أم موسى أن تستقبل نعش حبيبها، تماماً كما كانت تستقبله عند عودته من العمل مشتاقاً لرفقتها... ولكنها لما رأته محمولاً على الأكتاف، لم تتحمل هول المشهد، فهوت وسقطت على الأرض... ونقلت الى المشفى في خضم مراسم تشييع حبيبها وزوجها ورفيق عمرها لتتوفى هي ايضاً يوم الجمعة التالي وتدفن كذلك الأمر يوم السبت...فيكون المكان الوحيد السانح قرب قبر زوجها هو مكان دفنها هي.... فكيف لأم موسى أن ترضى بشروق شمس لا تشع من علياء جبين زوجها؟ كيف لها أن تستبشر خيراً بدفء يوم لم تستقبله بين أحضان حبيبها؟ كيف لها أن أن ترنم صلاة لا يكون أبو موسى لها إماماً؟ كيف يمكن لها ان تحيا إن كان من اختزل أروع معاني الحياة في الأرض ينتظرها في الملكوت الأعلى لترافقه إلى جنان الرحمن؟

لهو مصاب جلل مُنِي به آل رقة... ولكن لعل عزاءهم في قول الشاعر، "لا يعرف الشوق الا من يكابده....ولا الصبابة إلا من يعانيها"... فالمحبة التي جمعت أبو موسى وأم موسى أقوى من أن يبددها الموت....فترى كلاً منهما، كماء العذب والبحر، ما تباعدا إلا ليلتقيا ليطفق الهيام يعزف بينهما لحن الوفاء.... هذا الوفاء الذي قل وجوده بيننا حد الندرة... فلعل هذا لمحبيهما بعضاً من عزاء....