Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


الشيخ حسين إسماعيل: دلالات ولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة الشريفة‎

:: 2018-04-03 [20:28]::



إن من الأبحاث التي تبحث في العقيدة، البحث حول موضوع الكرامة التي يهبها الله لأنبيائه وأوليائه صلوات الله عليهم، فما الحكمة من إيجاد الكرامة لهم ؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من معرفة الفرق بين الكرامة والمعجزة، نعم هناك فرق بينهما، كما أن هناك اشتراك بينهما، فيختلفان في الهدف ، ويشتركان في بعض الصفات، فالكرامة هي حدث غير طبيعي يفعله الله تعالى للدلالة عما لنبيه أو لوليه من فضل وكرامة وشأن عظيم عند تعالى، ولتكون هذه الكرامة حجة على صدق صاحبها الذي تم تكريمه ودعوة الناس إلى ضرورة اتباعه، فالله تعالى مثلا استجاب دعاء آصف بن برخيا وصي نبي الله سليمان، في الإتيان بعرش بلقيس إليه من اليمن إلى بلاد الشام بناء على طلبه ودعاءه، مما دل على أفضلية آصف بن برخيا على غيره، وأنه مستحق لأن يكون آصف بن برخيا خليفته. قال تعالى في سورة النمل : (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ (40) ) فآصف بن برخيا كان لديه علم ببعض الكتاب، والمقصود ببعض الكتاب الأدعية التي تحتوي على الإسم الأعظم، التي ما إن دعا بها أولياء الله إلا واستجاب لهم، وهذه الكرامة دلت على الشأن العظيم الذي لآصف بن برخيا عند الله، والذي يؤهله لأن يكون وصيا وخليفة لنبي الله سليمان.

وهناك كرامة أخرى ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم للسيدة مريم بنت عمران عليها السلام، وهي ليست بنبي ولا رسول، قال الله تعالى في سورة آلِ عمران : ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) ) كان نبي الله ذكريا مسؤولا عن كفالة مريم، وكانت يتيمة، فكان يأتي إليها ليقف على خدمتها، فكان عندما يدخل إلى محرابها الذي تتعبد الله فيه، كان يجد عندها طعاما، وهو عبارة عن فواكه، وورد أنه كان يجد فواكه الصيف في الشتاء، وفواكه الشتاء في الصيف، فيندهش لهذا المشهد، ويسأل زكريا عليه السلام مريم ، من الذي أتى إليك بهذا الطعام وهذه الفواكه ؟ ، فتجيبه أنه من عند الله تعالى.

ولا شك أن هذه الكرامة للسيدة مريم كانت تدل على مالها من فضل وشأن عظيم عند الله، وأنه سيكون لها دور كبير مرتبط برسالة نبي، وهو ابنها نبي الله عيسى عليه السلام. فإذا الكرامة الإلهية يهبها الله تعالى لنبيه أو وليه، لتدل على أن هذا النبي أو الولي سيكون له شأن عظيم عند الله، وتكون هذه الكرامة حجة على الناس، وتدعو إلى ضرورة احترام واتباع صاحب الكرامة، وغالبا ما تهدف الكرامة إلى إبراز ما لصاحب الكرامة من شأن عظيم مرتبط بالرسالة. بينما المعجزة يؤتيها الله للأنبياء وللرسل في موقع التحدي لإثبات نبوتهم وإرسالهم، والمعجزة هي الفعل المخالف لقانون الطبيعة ، الذي يعجز البشر عن الإتيان به، مما يدل على أنه من فعل الله، ويكون مقرونا بدعوى صاحب المعجزة للنبوة، وتدل المعجزة على صدق صاحبها الذي جرت على يديه لان المعاجز لا يؤتيها الله غير الصاقين.

إذا الهدف من المعجزة يختلف عن الهدف من الكرامة، نعم المعجزة تدل بالإلتزام على أن لصاحبها شأن عند الله. و الله تعالى آتى الأنبياء والأولياء الكرامات والمعاجز، وأتى الله تعالى نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله كرامات ومعاجز كثيرة ، كما آتى أهل بيته عليهم السلام كرامات ومعاجز كثيرة أيضا لإثبات إمامتهم وخلافتهم، تدل على فضلهم ورفيع مكانتهم، ومن الكرامات التي آتاها الله للإمام علي بن أبي طالب، هي ولادته في الكعبة الشريفة، وهذه الولادة كانت بعد عام الفيل بثلاثين سنة، كما كانت قبل البعثة النبوية بعشر سنوات، وكانت يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب، في داخل الكعبة الشريفة.

شهرة ولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة

إن ولادة الإمام علي في الكعبة أمر متفق على صحته عند جميع المسلمين ومتواتر، وها هو الحاكم النيسابوري وهو من كبار علماء الأخوة من السنة فإنه قال في كتابه المستدرك في الجزء الثالث في الصفحة 483: ( وقد تواترت الأخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة )، فلم يولد في الكعبة غير الإمام علي لا قبله ولا بعده، وهذه منقبة تفرد فيها الإمام علي عليه السلام، وخصه تعالى بها، ولها دلالات على فضيلته، وكانت هناك محاولات لطمس واخفاء هذه الفضيلة لأنها تشكل احراجا شديد لكثير من الناس، وخاصة بني أمية، وهناك دعوى أن هناك من ولد في الكعبة غير الإمام عليه السلام وهو حكيم بن حزام، وهي دعوى ضعيفة وتفتقد إلى السند الصحيح، حيث روي في صحيح مسلم : ( ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة ) رقم الحديث (1532).

والغريب أن حكيم بن حزام اشترك في معركة بدر ضد المسلمين والنبي، ولم يدخل في الإسلام إلا عام الفتح، كما أشار إلى ذلك ابن حجر في الإصابة 2 / 98 ، ولم يكن له شأن، ومن الواضح أن هذه الرواية ضعيفة والهدف منها النيل من الإمام علي عليه السلام، حتى لا يقال خصه الله بهذه الكرامة لوحده، بل هناك من اتصف بها غيره، لذا الهدف من وضع هذه الرواية واضح، وهناك مصادر عديدة وكثيرة وفوق الإحصاء تؤكد تفرد الإمام بكرامة ولادته في بيت الله الحرام، ومن أراد أن يراجع هذه المصادر فعليه بكتاب الغدير للعلامة الأميني طاب ثراه، ولعل البعض يطرح سؤالا ويقول : كيف تكون ولادة الإمام علي في الكعبة كرامة، وهو بعد لم يظهر جهاده وإسلامه، وتضحياته وعطاءاته ؟ الإجابة على هذا السؤال، والذي هو شبهة في الاساس هو أن الله تعالى يعلم مسبقا بما سيكون عليه حال هذا المولود من الشأن العظيم من خدمة الرسالة وتضحياته الكبيرة في سبيل نصرتها وكونه تعالى سيختاره ليكون خليفة ووصيا لنبيه الذي سيبعثه بعد عشر سنوات حصول هذه الولادة الذي هو علي، وأراد الله تعالى لهذه الكرامة أن تكون تأييدا لذلك.

ولادة الإمام علي في الكعبة حصلت بإرادة الله

ثم إننا لا نستطيع أن ندعي بأن ولادة علي عليه السلام حصلت بطريق الصدفة، وأنه ليس فيها دلالة على تكريم الله تعالى له، بل هذه الولادة تدل على أن لعلي بن أبي طالب شأنا كبيرا عند الله، وهذا الشأن مرتبط بمستقبل الإمام عليه السلام، وهو اختيار الله له لأنه سيكون إماما وخليفة للنبي، وبشكل عام ولادة الإمام في الكعبة حصلت بإرادة الله تعالى ولم تحصل صدفة، ولم تحصل بإرادة من والدة الإمام السيدة فاطمة بنت أسد، بل تذكر الأحاديث أن السيدة فاطمة بنت أسد أتت إلى الكعبة الشريفة لتسأل الله وتدعوه أن ييسر عليها أمر ولادتها، وبعدما انتهت من الدعاء جاءها مخاض الولادة، وإذ بها ترى الكعبة تنشق لها، لتدخل إلى جوفها، وكأن الله ألهمها بأنه تعالى يريد لهذا المولود أن يولد داخل بيته، فالسيدة فاطمة بنت أسد لم تأت إلى الكعبة لتولد مولودها عليا فيها، كما لم تطلب من سدنة الكعبة أن يفتحوا لها باب الكعبة حتى تدخل إليها، ولو طلبت ذلك لما فتح لها أحد، لأن الكعبة ليست مكانا للولادة، كما أن قريش ستمنعها، ولو أولدت السيدة فاطمة الإمام عليا بهذه الطريقة فرضا، لما كانت لهذه الولادة أي كرامة وفضيلة، لذا ليس نفس ولادة الإمام علي في الكعبة هي الكرامة، بل الكرامة هي انشقاق الكعبة لولادة الإمام في داخلها، وعملية الإنشقاق كانت بلا شك بإذن الله وقدرته وإرادته.

وبناء على ما تقدم فالله تعالى هو من أراد لعلي أن يولد داخل الكعبة تكريما له، لذا ليس من العدل والإنصاف القول، بأن ولادة الإمام في الكعبة تمت صدفة وأنها أمر طبيعي، فهذا هروب من الإقرار بالكرامة التي لم تكن لغيره، وتجعله مقدما عليه باستثناء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى أن هذه الكرامة ولادة الإمام في الكعبة، لاتزال مستمرة إلى عصرنا الحاضر، ولازال الشق يظهر للعيان، وعملت الحكومات المتعاقبة على إخفاء الشق من الكعبة فلم تستطع، والشق لم يلتئم، وكلما حاولوا إصلاحه عاد إلى ما كان عليه، وظهر للعيان من جديد، لذا تركوه ويستطيع أي إنسان أن يرى الشق، فصورة الشق ظاهرة لكل حجاج بيت الله الحرام، كما أن صورة الشق منتشرة على كثير من مواقع الأنترنت، ونسأل أليس هذا الشق كرامة للإمام أن يبقى إلى عصرنا الحاضر، وفشل كل محاولات طمسه.

وكانت ولادة الإمام علي في جوف الكعبة محط اهتمام الناس ومحور حديثهم، حتى اشتهرت بين الناس، وذكرها المحدثون والمؤرخون في كتبهم، ونظم الشعراء حولها القصائد ، ومنهم الشاعر الكبير السيد الحميري، وجاء فيها :

ولــــــدتْهُ في حَـرَمِ الإلهِ وأمنِــــه والبيتِ حـــــيث فناؤه والمسجدُ

بــيـضـاءُ طـــاهرةُ الثيابِ كريمةٌ طابتْ وطابَ وليدُها والمولـــدُ

فــــي ليلةٍ غابتْ نحوسُ نجومـِهــا وبــدتْ مع القمرِ المنيرِ الأسعدُ

مـــا لُـــفَّ في خِرَقِ القوابلِ مثـلُه إلا ابــــــــنُ آمنــةَ النبيُّ محـــمدُ

والجميل في هذه الأبيات أن الشاعر يمدح والدة الإمام السيدة فاطمة لما تملك من الإيمان والتوحيد، وأشار السيد الحميري إلى أن هذه الولادة لا يعادلها في الفضل إلا ولادة الرسول الأكرم حيث أحاطها الله بفضله وكرمه، بل ولادة الرسول فيها من المزايا ما تخص النبي وحده.

والدة الإمام علي كانت على ملة إبراهيم عليه السلام

إن مدح السيد الحميري رحمه الله لوالدة الإمام علي عليه السلام ، لم يكن بلا مناسبة ولمجرد المدح، بل هي صاحبة كرامة وشأن كبير عند الله، فلو كانت مشركة كباقي النساء في قريش، وتدين بالمذهب الوثني، لما انشق لها البيت لتلد ابنها فيه، بل حتى إيمانها بالله لم يكن إيمانا عاديا، بل كانت مؤمنة وموحدة ومسلمة وعلى ملة إبراهيم الخليل، وكذا زوجها أبو طالب والد الإمام علي عليه السلام كان مؤمنا وموحدا على ملة إبراهيم الخليل، بل يستفاد من بعض الروايات أن السيدة فاطمة كانت صاحبة شأن في العلم، فقد روى شيخنا الصدوق قدس سره بسنده عن سعيد بن جبير، قال : (( قال يزيد بن قعنب: كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ، وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق، فقالت:

رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل.

ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين ، ثم قالت: .... وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سميه عليًّا، فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.)) الأمالي للشيخ الصدوق ص 194. يستفاد من نص هذه الرواية جملة من الدلالات الهامة، المتعلقة بكرامة ولادة الإمام علي داخل الكعبة، ونشير إلى هذه الدلالات على النحو التالي :

الدلالة الأولى : أن ولادة الإمام علي عليه السلام داخل الكعبة، كانت بمرأى من قريش، فقد شاهد البعض منهم هذه الكرامة، كما تذكر الرواية المتقدمة، وكأن الله تعالى أراد لهذه الولادة أن تكون بمشهد من بعض الناس، حتى يبلغوها لغيرهم، وحتى يدرك الناس ما لهذا المولود في الكعبة من شأن كبير عند الله، وتذكر الرواية المتقدمة التي رواها يزيد بن قنعب أن العباس بن عبد المطلب كان موجودا، وأيضا كان هناك جماعة من عبد العزى، وشاهد الجميع هذه الكرامة ، ولعله لو حصلت هذه الكرامة ولم يشاهدها أحد لتم التشكيك فيها، ومن هنا كان سر انتشارها، أنها حصلت بمرأى من قريش. ولعل البعض يطرح شبهات حول هذه الكرامة لماذا لم تذكر في القرآن، أو لم يتحدث عنها أهل الكتاب، أو لم تشتهر بين العرب شهرة أكبر مما هي عليه؟

الإجابة باختصار على هذه الشبهات والتي عمل البعض على الترويج لها، بهدف طمس فضائل الإمام علي عليه السلام، حتى لا يكون له فضيلة على غيره، هو أنه ليس بالضرورة أن تذكر هذه الكرامة للإمام في القرآن الكريم، فهناك فضائل كثيرة وكرامات عديدة للنبي الأكرم لم تذكر في القرآن.

ثم إنه لا مصلحة لأهل الكتاب لأن يؤرخوا ويذكروا هذه الكرامة للإمام علي عليه السلام في كتبهم ، التي ستلزمهم فيما بعد بالدخول في الإسلام، بل إن الكثير من الكرامات للنبي محمد التي وردت في كتبهم، كانوا قد أخفوها لما أرسل الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما لماذا لم تشتهر ولادة الإمام علي بين العرب أكثر مما اشتهرت، فنقول الشهرة الموجودة كافية للدلالة على حصولها، كما أن هناك جهات عملت على محاربة شهرة هذه الولادة لعلي في الكعبة ، لأنها تعطي خصوصية للإمام مما تجعله مقدما على غيره، لذا لم تكن هناك مصلحة للأمويين ولا للعباسيين بالعمل على نشر هذه الفضيلة أو السماح لها بالإنتشار، ولكنها رغم ذلك انتشرت هذه الفضيلة، واستمرت هذه الكرامة، ولا زال الشق واضحا إلى عصرنا الحاضر رغم المحاولات التي كانت تسعى لإصلاحه وطمسه.

ثم إن شأن الإمام عليه ليس سهلا، وخاصة أن الله تعالى اختاره ليكون خليفة النبي ووصيه، لكن حالات دون ذلك فتن، رغم وجود النصوص الصحيحة عن النبي والدالة على إمامته كحديث الغدير وغيره، والله تعالى أراد لهذه الكرامة أن تكون دليلا وحجة على إمامته وشأنه ومكانته عند الله، فتدعوهم لأن يتبعوه بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله، كما أن النص الذي ذكره الشيخ الصدوق هو صحيح وينسجم تمام الإنسجام مع طبيعة المناسبة، والتي لم تكن مناسبة طبيعية والتي خالفت القوانين الطبيعية.

الدلالة الثانية : ذكرت الرواية المتقدمة دعاءا للسيدة فاطمة بنت أسد رضوان الله عليها، وهو يحمل دلالات على سمو إيمانها، ومعرفتها بالعقائد، وهذه محطة لا بد من الأخذ بها بعين الاعتبار، وهي أن السيدة فاطمة والدة الإمام لم تكن امرأة عادية، بل هي ممن آمن بالأنبياء وتمسك بهديهم ونهجهم، وسنحاول أن نلقي نظرة على دعائها الذي توجهت به إلى الله تعالى، فقالت : ( رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي.)، أشارت السيدة فاطمة إلى عقائدها الإسلامية في هذا الدعاء الذي سمعه من كان حاضرا عند الكعبة، وتشير عبارات هذا الدعاء إلى أنها كانت على معرفة عالية بالعقيدية التوحيدية، التي تتنافى مع العقيدة الوثنية التي كانت منتشرة بين العرب ولا سيما في قريش، ونشير إلى عقيدة السيدة فاطمة المستوحاة من دعائها المتقدم عند الكعبة على النحو التالي:

توحيد الله وعدم الشرك : أشارت السيدة فاطمة في دعائها المتقدم أنها تؤمن بوجود الله ولا تشرك به، فقالت : ( رب إني مؤمنة بك ) ، فالسيدة فاطمة تؤمن بتوحيد الربوبية، ولم تشرك بها، لأنها بدأت دعاءها بمخاطبة ربوبية الله وحده، وهذا خلاف عقائد الوثنيين الذي يعتقدون بربوبية غير الله تعالى.

الإيمان بدعوة الأنبياء وكتبهم : أيضا من عقائد السيدة فاطمة بنت أسد أنها تؤمن بمبدأ النبوة، وأن الله أرسل أنبياء للبشر، وأنزل معهم كتبا لهداية الناس، وإلى ذلك أشارت بدعائها فقالت : ( رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب )، وهذا بخلاف عقائد الوثنيين الذين يرفضون الإيمان بوجود أنبياء أرسلهم الله لهداية الناس، وعليه فالسيدة فاطمة كانت عالمة وعارفة بوجود أنبياء كنبي الله إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، وأن هناك كتب منزلة كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى.

الإيمان برسالة نبي الله إبراهيم : فوالدة الإمام علي السيد فاطمة كانت مسلمة على دين إبراهيم الخليل عليه السلام، وكانت مصدقة بدعوته، وإلى ذلك أشارت بقولها في الدعاء : ( وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل)، والمقصود بكلام جدها إبراهيم، هو تعاليمه التي أرسله الله بها إلى الناس، ثم إن السيدة فاطمة كانت عالمة بأن نسبها ينتهي إلى جدها إبراهيم وهي تفخر بذلك، لذا قالت بكلام جدي ابراهيم، وهي تعلم مكانة ابراهيم عند الله وهو أنه خليل الله، لذا السيدة فاطمة كانت مسلمة بالفطرة وعن عقيدة، ولم تعرف معنى الشرك، وهي أخذت دين الإسلام عن أبيها أسد.

الإيمان بقدسية الكعبة وتعظيمها : أيضا تؤمن السيدة فاطمة بنت أسد بقدسية الكعبة وعظمتها عند الله، وهذا ما عليه الإسلام والقرآن، حيث قد ورد آيات وأحاديث تدل على وجوب احترام وتعظيم بيت الله تعالى، وحرمة هتكه والاعتداء عليه، وهي رضوان الله عليها تعلم أن ابراهيم الخليل نبي الله هو من بنى الكعبة ورفع قواعدها، لذا قالت : ( وإنه - ابراهيم الخليل - بنى البيت العتيق ).

الإيمان بمكانة ابراهيم عند الله : وكانت السيدة فاطمة عالمة بمنزلة الله ابراهيم عند الله تعالى ، وأن له شأنا عظيما لديه، لذا توسلت به عليه السلام، وسألت الله بحقه، لذا قالت : ( فبحق الذي بنى هذا البيت ) ، وتوسل السيدة فاطمة وغيره من فصول الدعاء، يدل على أنها كانت تملك معارف إسلامية وعقائدية، ولعل هذه المعارف تم طمسها، حتى لا يتعرف الناس على الدين الإسلامي الذي كان موجودا في مكة قبل البعثة النبوية المحمدية، حتى لا يتعرف الناس على فضيلة والدي الإمام علي فاطمة بنت أسد وأبو طالب أنهما كانا مسلمين، وأن عليه السلام تربى على الإسلام منذ صغره.

الإيمان بالشأن الكبير للإمام علي : ولادة الإمام علي في الكعبة ليس حدثا طبيعيا، بل هو حدث يحمل دلالات كبيرة على أن العناية الإلهية شاءت لأن يكون لهذا المولود شأن كبير في المستقبل وأنه سيكون وصي خاتم الأنبياء وخليفته، وسيحفظ الرسالة من بعده، والسيدة فاطمة كانت تعلم أو تشعر بذلك نتيجة أسباب كثيرة، لذا توسلت السيدة فاطمة بمولودها عند الله تعالى أن ييسر أمر ولادتها، لذا قالت في دعائها المتقدم : ( وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي. ).

الدلالة الثالثة : يدل النص المتقدم الذي ذكره الشيخ الصدوق رحمه الله حول ولادة الإمام علي عليه السلام، أن السيدة فاطمة لما انتهت من ولادتها، خرجت من الكعبة وهي مسرورة، لأن ما رأته وحصل معها لم يكن حدثا طبيعيا، ولا شك أن الله هيأ لها كل أسباب الراحة والمعونة من الطعام والماء، ومن يلي أمر مساعدتها، وأخبرت رضوان الله عليها ببعض ما حصل معها داخل الكعبة وما شاهدته وما رأته فيها، وذكرت أنها سمعت صوتا، ولعله إلهام أو صوت ملائكي، يخبرها ويأمرها بأن تسمي ولدها عليا لأن الله تعالى هو من اختار له هذا الإسم، فقالت السيدة فاطمة : ( فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سميه عليًّا، فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، ) وهذا الأمر ليس بمستغرب، فالسيدة مريم بنت عمران كانت ترى الملائكة وتتحدث معهم، وأخبروها بأنها ستكون أما لنبي دون أب، وهي لم تكن من الأنبياء والرسل، بل كانت ولية من أولياء الله تعالى ، ولا يمنع أن تكون أيضا السيدة فاطمة بنت أسد كذلك، وعدم ذكر ذلك في القرآن لا يدل على عدم حصوله ، بل حدوث هذه الولادة وما أحاط بها من كرامات، يلزم منه أن تكون والدة الإمام على شأن كبير عند الله تعالى.

الدلالة الرابعة : ذكرنا أن ولادة الإمام علي لم تكن أمرا طبيعيا، بل تخللها أحداث غيبية، وهذا أمرا ليس بمستبعد، وخاصة أن هذه الولادة مرتبطة بشأن بعثة نبي كبير سيكون خاتم الأنبياء وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، لذا عند تحليلنا للرواية المتقدمة نجد أن ولادة الإمام تهدف وتمهد لبعثة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، لذا لا بد وأن يقترن هذا الحدث - الذي لم يكن يعلم به أحد إلا الله - بما يدل على الهدف من حصوله، لذا أخبرت السيدة فاطمة بأنها سمعت صوتا، وقد يكون إلهام عبر ملاك كما تقدم يقول لها : ( فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سميه عليًّا، فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه. ).

وليس في كلام هذا الهاتف أي استغراب بل هو يعبر عن إرادة الله، والدليل على صدقه هو أنه اقترن بكرامة في بيت الله الكعبة الشريفة، حيث انشقت لهذه السيدة الجليلة لتلد مولودها الذي هو علي، وما يدل على صدق هذا الكلام أنه بعد عشر سنوات من هذه الولادة الميمونة والكريمة ، بعث الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبر الناس بمكانة علي بن أبي طالب منه.

الرسول (ص ) لعلي (ع ) أنت بمنزلة الكعبة

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثا صحيحا له مصادر عديدة، يخاطب به عليا ويصفه بأنه بمنزلة الكعبة، وهذا نص الحديث فعن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فإن أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك - يعني الخلافة - فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك.)، روى هذا الحديث ابن الأثير الجزري في أسد الغابة (ج 4 ص 31 ط مصر سنة 1285)، وصاحب كتاب إحقاق الحق - للسيد المرعشي ذكر في الجزء الخامس صفحة 646 مصادر هذا الحديث بما يدل على صحته، يمكن مراجعته وفِي هذا الحديث جملة من الدلائل الهامة ، ونشير إلى بعضها :

الدلالة الأولى : أن النبي صلوات الله عليه وآله الكرام أخبر المسلمين عن مكانة علي عليه السلام، أنها بمنزلة الكعبة الشريفة، وذلك نسبة للدور الذي كلفه الله تعالى به، من القيام بمهام الخلافة والإمامة، وكما أن الكعبة يجب أن تقصد بالحج إليها، فإنه يجب أيضا على الأمة أن يقصدوا عليا ويقتدوا به بعد النبي للتعرف على أحكام دينهم وإسلامهم، لأن الله تعالى ألهم الإمام عليا والأئمة من بعده الأحد عشر العلوم والمعارف التي يحتاجون إليها لحفظ الرسالة، ولهداية الناس إليها، تماما كما حصل مع العبد الصالح الخضر، الذي قصده نبي الله موسى ليتعلم منه، ومن يطلع على أحاديث الإمام علي وإلأئمة من بعده عليهم السلام يجد أنهم يحملون في صدورهم أسرار العلم والقرآن، وهم ورثة علم النبي ومعارفه صلى الله عليه وآله.

الدلالة الثانية : أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عليا بن أبي طالب، بالصبر في موضوع الخلافة لحكمة تهدف للحفاظ على الإسلام، حيث قد بلغ النبي المسلمين في أكثر من مناسبة أن عليا هو خليفته ووصيه من بعده، كما في غدير خم، ولكن النبي أوصى عليا إذا عمل الناس بهذه الوصية فليلتزم بها، ولكن إذا رفضوها فليصبر ولا يخرج ولا يأتيهم، كما جاء في الحديث المتقدم ، وهو : ( فإن أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك - يعني الخلافة - فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك.)

ولعل هذا الحديث يخص الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان، دون غيرهم، والمقصود بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك) ، أي فلا تخرج عليهم، لتطالبهم بحقك في الخلافة، والمقصود بالخروج هنا الخروج على الحكم والسلطة، ولتبقى دائرة المطالبة للإمام في حقه بالخلافة في إطار المعارضة السلمية، والتزم الإمام وصية النبي مع الخلفاء، وكان في التزامه حفظا للإسلام ولوحدة الأمة، ولو خرج الإمام لما سَلُمَ الإسلام والمسلمين، وخاصة أنه بعد وفاة الرسول عصفت عواصف الفتن بالمسلمين وخاصة حرب الردة وانشقاق المسلمين في ثقيفة بني ساعدة وغيرها.

كما أن النزعة القبلية لا زالت موجودة عند الكثير من المسلمين، ولا زالوا يخشون من أن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم ، فيكون لهم السيادة على العرب والمسلمين، فاعتبروا ان الخلافة هي زعامة وسلطة بشرية، مع أن الواقع كان خلاف ذلك، ثم كان هناك أطراف يجدون في أنفسهم حساسية من مجيء علي بن أبي طالب خليفة، وخاصة أن قتل أقرباءهم في بدر وغيرها، فلم ينسوا له ذلك، وحتى أن الخليفتين أبا بكر وعمر بن الخطاب كانا قد صرحا بأحقية علي عليه السلام بالخلافة، إلا أن الفتنة حالت بين الإمام واستلامه لزمام الخلافة، وليس من تعبير أصدق من تعبير الخليفة عمر بن الخطاب عن ذلك ، حيث قال لابن عباس :

( يابن عباس أم والله إن كان صاحبك - يعني عليا عليه السلام - أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أنا خفناه على اثنتين، قال ابن عباس : فجاء بمنطق لم أَجِد بدا من مساءلته عنه، فقلت يا أمير المؤمنين ، ما هما ؟ قال حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب) شرح نهج البلاغة: 2 / 57 و 6 / 50 وفي رواية اليعقوبي: (والله يابن عبّاس! إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ الناس بها، ولكن قريشاً لا تحتمله ) تاريخ اليعقوبي: 2 / 158 ـ 159.

وفِي حديث عمر بن الخطاب هذا وغيره من الأحاديث اعتراف بأحقية الإمام علي بالخلافة، إلا أن الغالبية من الناس، اعترضوا للأسباب الذي ذكرها عمر لابن عباس ولغيرها، ونشير هنا إلى أن الإمام على استمر في دوره في حفظ الرسالة بالقدر المتاح له من تقديم النصيحة للخلفاء والنَّاس ونشر علوم الإسلام ومعارفه، ورفض أن تستغل أي جهة أزمة الخلافة للنيل من الإسلام ولإضعاف وحدة المسلمين، والخلفاء اعترفوا وأقروا بعلم الإمام وشجاعته في أكثر من مناسبة، وكانوا يرجعون إليه في كثير من المسائل، وهذا ما يجب علينا في عصر الحاضر، فلا نجعل أزمة الخلافة سبيلا لتفريق الأمة، بل نبقي موضوعها في دائرة الحوار الهادف، إلى جانب دعم التعاون بين المسلمين في كافة الموضوعات الأخرى التي تهم مصلحة الإسلام والمسلمين.

إمام مسجد السيد عبد الحسين شرف الدين (قده) - مدينة صور

الشيخ حسين إسماعيل