Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


رشيد الخالدي: «البنتاغون» يلعب على «حواسبه» حرباً شاملة مع إيران... ويخسر

الأخبار :: 2018-05-16 [08:37]::
ألقاب علميّة وأكاديمية كثيرة، يستظل فروعها رشيد الخالدي. المؤرخ الفلسطيني، الأميركي المولد، واللبناني المنشأ حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فخورٌ بحلوله في كرسي الراحل إداورد سعيد للدراسات العربية المعاصرة في «جامعة كولومبيا»، مديراً فيها أيضاً «مركز الشرق الأوسط» في كلية العلاقات الدولية والعامة. خارج جدران الجامعة يجد الخالدي متّسعاً من الوقت لإدامة إصدار فصلية «دراسات فلسطينية». من كلّ هذه المواقع يشرف رشيد الخالدي بلغة مزدوجة سياسية وعلمية على ما يعتمل في قلب المؤسسة الأميركية من تحوّلات منذ دخول دونالد ترامب، ويرى الاعتبارات الانتخابية «الترامبية» في مقدمة إلغاء الاتفاق النووي، وهو في قلب تيار أيديولوجي قوي داخل الإدارة الأميركية أولويته إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.
ليس واضحاً ما إذا كان إلغاء الاتفاق جزءاً من خطة أو استراتيجية، وليس يسيراً تفسير دوافع الإلغاء وتداعيات ذلك على الصراع الدائر حالياً في سوريا، وأحوال الإجماع داخل الإدارة الأميركية على هذه السياسة.
«يعود إلغاء هذا الاتفاق إلى وعد انتخابي ترامبي للقاعدة الانتخابية، ويقول ترامب عبر الإلغاء بأنه وفيٌّ لالتزاماته، ولكن ما الحسابات الحقيقية وراء ذلك؟ العداء المطلق للنظام الإيراني. لدى ترامب، ولدى الكثير من القيادات الأميركية، موقف أيديولوجي لم يتغير عبر تعيين مايك بومبيو وزيراً للخارجية، وجون بولتون مستشاراً للأمن القومي. هناك تحول شامل في الاستراتيجية الأميركية، والدليل على ذلك هو إلغاء الاتفاق، ما الهدف من ذلك؟ الهدف الظاهر هو محاولة الضغط على إيران، وربما إسقاط النظام الإيراني، من خلال العقوبات الاقتصادية، أو من خلال العمليات داخل إيران لزعزعة الأوضاع الأمنية».
إذاً كان مسعى الثلاثي، ترامب ــ بومبيو ــ بولتون، وحلفائهم في إسرائيل والخليج واضحاً من أجل إسقاط النظام الإيراني. لكن ما لا يزال غامضاً هو موقفهم من حرب شاملة ضد إيران، الذي يفرضه هدف كبير كهذا.
«هناك مراكز داخل الإدارة الأميركية تعارض فكرة الحرب الشاملة ضد إيران. الواضح أيضاً أن ترامب قد حرّر نفسه من قيود الدولة العميقة، في المخابرات والبنتاغون والأمن القومي. قبل ستة أشهر كان لا يزال أربعة من الجنرالات يمسكون بمعظم حقائب الأمن القومي الحساسة. الآن لدينا جون بولتون، الأيديولوجي المنفصل عن العالم، الناظر إليه عبر نظارات الأيديولوجيا فلا يرى ما نراه. ولدينا بومبيو، الذي يعتقد أنه بسبب خبرته العسكرية الطويلة في الجيش والمخابرات، قادر على كل شيء. بسبب هذا الثنائي الذي يحيط بالرئيس ويقاسمه الكثير من آرائه، يتم جره إلى مواقف لا يفقه منها شيئاً».
يعني ذلك أن فهمه ضئيل جداً، لكل ما يتصل بالسياسة الخارجية أو الأمن؟
«ينبغي أن أؤكد على أن قرارات الرئيس تُتخذ من أجل إرضاء قاعدته الانتخابية. فالرئيس يفكر قبل كل شيء بانتخابات الرئاسة عام 2020، ولا يفكر بالأزمة الكورية ولا بإيران إلا من هذا المنظور، أي إن ما يفكّر به هو إعادة انتخابه. قد يهتم بكوريا، وبإسقاط النظام في إيران، لكنه منشغل يقيناً بإعادة انتخابه، ومنع الديموقراطيين من الحصول على أكثرية الثلثين في انتخابات منتصف الولاية الرئاسية هذا العام، لأن ذلك سيفضي إلى إسقاطه. وترامب لا يملك أدنى فهم ممكن لمسائل الاستراتيجية والأمن، ولكن من هم حوله الآن هم من يفكر مكانه بذلك وبالأهداف المتوخاة من الاستراتيجية والأمن».
الكثير يعتقد ذلك ويقول إن ترامب جلف ولا يُحسن التحدث، ولكن شعبيته لا تزال مرتفعة، وهناك أربعون في المئة من الأميركيين الذين يؤمنون به، وهي نسبة كافية للبقاء في البيت الأبيض أربعة أعوام إضافية.
«إنه رجل متمرس في السياسة الداخلية ويدرك وحده قواعد اللعبة الانتخابية أكثر من جل خبراء الحزب الجمهوري، وهو سياسي جدي، ولا ينبغي ارتكاب خطأ الاستخفاف به. وهو ليس مهرجاً كما يقال وقاعدته تدين له بالكثير من الإعجاب والتأييد، وهي قاعدة قوية جداً. وإذا ما قُيّض له الاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية المقبلة، ستكون مسألة إعادة انتخابه رئيساً محسومة مئة في المئة».
النقطة الثانية؛ ما هي الأهداف الأميركية من إلغاء الاتفاق النووي مع إيران؟ ليس كافياً أن تشرح التطورات بالحديث عن ترامب وبومبيو وبولتون أو مؤسسات الدولة العميقة. فالرئيس قادر وحده على أخذ الولايات المتحدة بقراراته نحو حافة الحرب، هذا لا يعني أن تلك المؤسسات ستنصاع لما يريد وتنفذ دون أي اعتراض.
«إن هذه المؤسسات ستقدم له خيارات وسيناريوات متعددة، لن يقولوا له بالطبع إن هذه القرارات ستؤدي إلى إسقاطه إذا ما ذهبت الولايات المتحدة إلى حرب شاملة. ولكن إذا ما قدموا له سيناريو يبين له أن انتصاره مستحيل في حرب شاملة ضد إيران، سيستدرك الأمر، وسيقول لبومبيو وبولتون وغادي ايزنكوت (رئيس الأركان الإسرائيلي) وبنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان، والإخوان في الخليج، إنه لا يريد الحرب، لأنه لا يريد أن يسقط في الانتخابات. سيقول لهم أيضاً: لا أريد أن تجرّوني إلى خيار لا يريده الشعب الأميركي. ينبغي أن نعود إلى خطابه الرئاسي بعد انتخابه، عندما قال للشعب الأميركي إن التدخل في أفغانستان وفي العراق كان خطأ».
نعرف أن صقور الإدارة والمحافظين الجدد، واللوبي الإسرائيلي، هم من يريد الحرب، هناك الكثير من الأفراد داخل النخبة الأميركية يريدون الحرب.

ما زلنا لم نستوعب كل احتمالات ومعاني قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس

«ولكنّ الشعب الأميركي لا يريد الحرب الدائرة في العراق، ولا تلك التي تدور رحاها في أفغانستان. هناك مليون ونصف مليون سنة من الخدمة العسكرية التي أدّاها الأميركيون في حربي العراق وأفغانستان، أي أن كل عسكري أميركي أدى ثلاثة أضعاف ما يعود عليه من خدمة عسكرية في الأحوال العادية. لقد طفح الكيل بهم، فكم من العسكريين أصبح مدمناً على المخدرات بسبب الحرب، أو مريضاً مزمناً أو معوقاً، وكم سيكلف كل واحد منهم الإدارة، وهي كلفة دائمة. قد لا تهمّ السياسة الخارجية القاعدة الانتخابية لترامب، لكن أن يعود أبناؤها من الحروب في العراق وافغانستان، إلى الإعاقة والمرض والإدمان والبطالة، فإن هذا يدفعهم إلى اتخاذ موقف في الانتخابات، وترامب مدرك لذلك».
عندما نتحدث عن قرار الحرب في أميركا، لا نعني بذلك القاعدة الانتخابية لترامب، أو ترامب وحده، بل المؤسسات الدائمة، أي الجيش و«البنتاغون» والمخابرات والخارجية، هؤلاء جميعاً لا يريدون الحرب، ومن بعدهم صناعات النفط والطيران.
«صحيح، شركة ايكسون قد تعارض الحرب الشاملة إذا ما أدى ذلك إلى تضرر منشآتها في الخليج، رغم أن أسعار النفط سترتفع، وهذا يدخل عامل الخطر في أعمال الشركات النفطية. وقد تعارض الحرب شركة بوينغ، التي ستتضرر أسواقها في المنطقة. لذاك عندما نناقش قرار الحرب ضد إيران في أميركا، سيتجاوز النقاش الحلقة الرئاسية الضيقة، ونناقش التوقعات بالحرب الشاملة وهي ليست توقعات إيجابية. من المستحيل التكهّن اليوم كيف ستنتهي الحرب مع إيران. يمكن معرفة كيف تبدأ، قد يكون خطط لها مسبقاً، وأعدوا لائحة من الأهداف لتدمير قدرة إيران على توريد النفط مثلاً، ولكن ماذا سيحدث في اليوم التالي، أو الأسبوع التالي، أو الشهر التالي، أو السنة التالية من ولاية ترامب. الرئيس لا يحتسب لذلك، أما الجيش والمخابرات فيفعلان، لا ندري ما سيكون موقف الولايات المتحدة دولةً واقتصاداً ونخباً، وليس كرئيس فقط، في قرار الحرب الشاملة مع إيران».
نأتي إلى إسرائيل. ما هو الهدف الإسرائيلي من الحرب على إيران؟ طرأ تغيير مهم على رؤية القيادة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية للحرب مع إيران خلال هذا العام. من الواضح أن التردد في خوض هذه الحرب قد تبدد في إسرائيل. والتردد في السير خلف السعوديين والإماراتيين في الحرب ضد إيران خلال أزمة سعد الحريري في تشرين الثاني الماضي، حسم قرار الحرب.
«اللهجة الإسرائيلية تغيرت كلياً، ليس لدى الحكومة فقط، الأقل أهمية في سلالم اتخاذ القرار، ولكن التغيير طال لهجة المخابرات وأركان الجيش. من الواضح أنهم يستعدّون للمواجهة، وهم يتحدثون عن سوريا، وكأنها الهدف الوحيد، أي احتواء إيران في سوريا، ولكن لا أدري إذا ما كان الهدف هو توسيع رقعة الاشتباك لتشمل لبنان، ولكن التغيير في الموقف الإسرائيلي، يدعو إلى التفكير. ولكن الرهان الإسرائيلي، هو أن تُستدرج الولايات المتحدة إلى حرب شاملة مع إيران».
«ما قلته يجعل من الصعب استدراج الولايات المتحدة إلى خنادق الحرب الشاملة مع إيران، إذا ما كانت قد استخلصت أن أي حرب مع إيران ستكون مُكلفة، وهو ما يزيد من الغموض في الحسابات الإسرائيلية. لنتذكر أيام باراك أوباما، وكيف أن إيهود باراك قرّر شن هجمات على منشآت نووية إيرانية. نذكر كيف حاول جرّ الولايات المتحدة إلى حرب شاملة مع إيران. آنذاك كان موقف المخابرات والجيشين الإسرائيلي والأميركي، والرئيس أوباما، هو رفض أي تفكير بذلك، وقرأنا في الصحافة الإسرائيلية وجود معارضة شديدة لذلك».
ما هي حسابات نتنياهو وجماعته الآن؟ ما هي حسابات الجيش والمخابرات الإسرائيلية من محاولة جر الأميركيين إلى حرب شاملة؟ هذا لم يتضح بعد. الحرب الشاملة تعني أن المنشآت العسكرية الأميركية ستكون هدفاً للضربات، وأن المنشآت النفطية جنوب الخليج العربي ستكون عرضة للضربات أيضاً، وأن البحرية الأميركية قد تخسر بوارج. ولكن هناك حسابات للرئيس ترامب، فإذا ما تعرضت القوات الأميركية لخسائر، ستتعقد حسابات إعادة انتخابه وهو همه الوحيد.
«الجانب الإسرائيلي لاحظ وجود بداية شرخ في الرأي العام الأميركي من الحرب على إيران، وهو شرخ يطال الحزبين الجمهوري والديمقراطي. الحزب الديمقراطي مستاء جداً من نتنياهو، وهناك تحوّل تدريجي في قاعدة الديمقراطيين لمصلحة القضية الفلسطينية. قد أبالغ بعض الشيء، لكن هناك قراءات واستطلاعات تقول إن القاعدة الديمقراطية أصبحت أكثر انفتاحاً من الماضي على طروحات مؤيدة لفلسطين. أنا أتحدث عن قيادات الحزب أيضاً، عن تشاك شومر، الصهيوني زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب، التي تعارض طموحات نتنياهو وتنتقد ترامب، أي إن الصراع بين إيران وإسرائيل أضحى مادة خلاف حزبي في الولايات المتحدة، وهذا ما لم تحسب إسرائيل له حساباً في الماضي. بالنسبة إلى نتنياهو، الرئيس ترامب يتمتع بأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ويطمح إلى استغلال هذه الفرصة لتنفيذ ما يريد. هذه حسابات إسرائيل وقدرتها على جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب ضد إيران. لكن من الصعب تصوّر حرب ناجحة ضد إيران. ذلك أن الحسابات الخاسرة التي توصل إليها البنتاغون في ألعاب الحرب المُفترضة التي صممها وخاضها على حواسبه ضد إيران، بوسع الجيش الإسرائيلي أن يلعبها أيضاً ويخسر. الدخول في حرب خاسرة مع جرّ الأميركيين إليها، سينعكس على إسرائيل وموقعها في الولايات المتحدة إلى الأبد. لم يكن واضحاً للجمهور الأميركي تأييد إسرائيل للحرب على العراق. أنا ضد الطرح الذي يقول إن إسرائيل تقف وراء هذه الحرب، وأنا من القائلين إن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد هما من خطّطا لهذه الحرب لأسباب أميركية استراتيجية للسيطرة المطلقة على القارة الآفرو ــ آسيوية، بتأييد من إسرائيل واللوبي الصهيوني. لم يكن الدور الإسرائيلي واضحاً في الحرب على العراق، ولكنه واضح جداً في الحرب على إيران لو وقعت، وسترتدّ النتائج على إسرائيل وعلى رأس ترامب».
العامل الأخير الذي لم نتحدث عنه، ماذا سيكون ردّ إيران وسوريا وحزب الله؟ وما هو موقف الرأي العام العربي، في مصر والسعودية والعراق والمشرق والمغرب؟
«أعتقد أن الطرح الطائفي لقضايا المنطقة كما تتعاطى معها السعودية وغيرها قد وصل إلى نهايته. البرهان على ذلك نتائج الانتخابات في لبنان، وفي العراق. هناك من سيقف مع إسرائيل بالتأكيد، لكن هناك أيضاً من سيرفض الوقوف معها ضد شعب عربي، وهناك من العرب من يشجع إسرائيل على محاربة العرب. لا يزال هناك رأي عربي، ماذا سيكون مصير كل ذلك التصعيد ضد سوريا مثلاً. كل ذلك يتم بينما نعيش عملية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، هذه السياسات مترابطة موضوعياً، فالإدارة الأميركية التي تعدّ للحرب في المنطقة، هي نفسها التي تنقل السفارة إلى القدس. الانحياز إلى إسرائيل كان قائماً على الدوام، ولو جرت مفاوضات سيكون هناك طرف واحد للتفاوض مع الفلسطينيين، هو إسرائيل ــ أميركا. إنما الانحياز العلني والمكشوف لإسرائيل، له تأثيره الكبير، فنقل السفارة ليس مجرد اعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإنما هو ضم للقدس الشرقية وضواحيها إلى إسرائيل، ويعني الاعتراف بشرعية المستوطنات، والتوسع الإسرائيلي، هناك معاني كثيرة تتعلق بالأراضي المحتلة في لبنان وسوريا أيضاً. الولايات المتحدة تتحدث أنه تم ضرب إسرائيل في الجولان... الجولان ليس إسرائيلياً، وهو أرض سورية لم تعد الولايات المتحدة تعتبرها محتلة. نقل السفارة جزء من تغيّر جذري في الخطاب الأميركي والموقف الأميركي من الشرعية الدولية، والقرارات التي وقفت معها الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ما زلنا لم نستوعب كل احتمالات ومعاني قرار نقل السفارة. في الحقيقة إن ترامب رجل ثوري، في الكثير من أفعاله. ما يفعله في كوريا الشمالية ثوري جداً. وهو يقول للجميع إن الطرح الأميركي السابق في كوريا الشمالية، كلام فارغ، وسأفعل ما أريد، فلنسحب قواتنا من الجنوب الكوري، وقد أمر البنتاغون بتخفيض عدد القوات الأميركية هناك. يبدو أنه على استعداد لوقف أية مناورات تتضمن أسلحة ذات قدرة نووية، في الكوريتين، وهذه تنازلات لم يكن ممكناً أن تفكر فيها المؤسسة الحاكمة الأميركية منذ عام 1953».