Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


فوائد الصوم التربوية والصحية والإجتماعية والروحية .................... بقلم الشيخ حسين اسماعيل

الشيخ حسين إسماعيل :: 2018-06-06 [03:35]::

المعرفة بأهمية العمل وثمرته تزيد من رغبة الإنسان به، وتدفعه إلى الالتزام به، ومن هنا نعرف السر لدى الناس في قربهم أو ابتعادهم عن تعاليم الإسلام، فهو مرتبط بمدى معرفتهم بهذه التعاليم وأهميتها، وما نريد أن نتحدث عنه هو أن الإسلام قام على المعرفة، حيث أننا نجد أن الله تعالى عرف الناس على تعاليم دينه قبل أن يدعوهم إلى العمل بها، فعرفهم على التكاليف من الواجبات والمحرمات، وهذا له مدلول أنه تعالى يريد أن نتعرف على هذه الواجبات والمحرمات، لأن المعرفة تزيد من اهتمام الإنسان بها والاندفاع نحو العمل بها.
ومن الفرائض الكبرى في الإسلام، التي ركز عليها الإسلام في القرآن والحديث فريضة الصوم ، وعرف الله تعالى الناس بأحكامها وفوائدها ومنافعها ، وسيكون حديثنا عن هذه الفريضة من خلال آيات من سورة البقرة الشريفة، وهذا نصها قال تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) ).
التقوى والهدف من الصوم
تحدث الله تعالى في الآية الأولى عن الهدف من الصوم والحكمة من تشريعه، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) )، فحينما يتحدث الله عن الهدف من الصوم أنه هو التقوى، فهذا يعني أن التكاليف تحمل أهدافا في نفسها، وأنها شرعت من أجل هذه الأهداف، وهذه الأهداف تصب في مصلحة الإنسان، والله ليس بحاجة إلى هذه التكاليف، وأشار تعالى إلى الهدف من الصوم من خلال حرف الترجي ( لعل ) في قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).
وحرف الترجي يفيد الرجاء الذي يعتريه خوف من عدم حصول المرجو، فالله تعالى يريد من تشريع الصوم أن يحصل الصائم على نفس تحمل تقوى الله، لكن يمكن أن يحصل الصوم ولا تحصل التقوى، كما يمكن أن تحصل التقوى من الصوم، وهذا يدعو إلى الإهتمام بالصوم حتى يحصل الصائم على ثمرة الصوم وهي التقوى لله تعالى.
ونستوحي أن الله تعالى يحذر الصائمين من خلال قوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، وكأنه يقول لنا انتبهوا فإني لا أقبل منكم صوما لا يصحبه تقوى، وعليكم أن تجتهدوا في أن يكون صومكم صوما تقوائيا، وهنا نسأل ما المقصود بالصوم التقوائي ؟، وقبل الحديث عن الصوم التقوائي علينا أن نعرف ما هي التقوى ؟ وما المقصود بها ؟ وهذا ما سنجيب عليه من خلال العناوين التالية :
تقوى الله والخوف من الله
فالله تعالى يريد منا أن نُتقيه، والتقوى من الوقاية، والوقاية تعني أن هناك شيئا خطيرا، ويتسبب للإنسان بالضرر، وعلى الإنسان أن يتقيه بالوسائل التي تبعد هذا الضرر عنه، فالإنسان مثلا يتقي من المرض الفاسد من خلال الإبتعاد عن الأسباب المؤدية إليه، والإنسان يتقي من عدوه عبر الإستعداد لمواجهته، فإذا التقوى معناها أن يحفظ الإنسان نفسه من خطر جسيم يتعرض له فيتقيه بالوسائل التي تؤدي إلى إبعاد هذا الخطر والضرر، وهنا نأتي ونسأل، ونقول : ما المقصود من تقوى الله ؟ ولماذا يريد الله منا أن نتقيه ؟ فهل الله تعالى يشكل ضررا وخطرا علينا ؟ وهل يريد الله تعالى أن يتعرض لنا بسوء ؟ فهل يصح قول ذلك ؟.
الإجابة على هذه التساؤلات هو أن الله هو مصدر الرحمة والخير والبركة للخلق وللإنسان، والمقصود بتقوى الله أن نتقي غضب الله، وغضب الله إذا حل على الإنسان سيسلب الراحة من حياته، وسيجعل من هذه الحياة شقاء وعذابا، وليس في قدرة الإنسان تحمل ذلك ؟ والله تعالى لن يكون بذلك ظالما للإنسان بل عادلا لأن الإنسان قد اعتدى على حق الله بمخالفة حق الله في الطاعة والعبودية، ويتقي الإنسان غضب الله بالتزام أوامره ونواهيه في الشريعة التي أنزلها، فإذا التزم ذلك يكون قد اتقى غضبه تعالى وسخطه، ثم إن مخالفة أوامر الله ونواهيه ليست إلا مخالفة الإنسان لمصلحته، لأن طاعة الله والتزام أوامره ونواهيه تؤدي بالإنسان إلى خيره وكماله.
والإنسان لا يمكن أن يتقي الله إلا إذا شعر بالخوف منه تعالى والخوف من غضبه، ومن يخشى غضب الله يبتعد عن ارتكاب المعاصي والسيئات والذنوب، والإنسان لا يصل إلى درجة الخوف من الله إلا إذا شعر بوجود الله وأيقن بتطبيق عدالته تعالى عليه، وعلم أن الذنوب ستتسبب له بالوقوع في المخاطر دون أن يشك في ذلك، وهذا يتطلب من الإنسان أن يزيد في درجات المعرفة بالله وبمخاطر عصيانه، ويتعرف على الواجبات والمحرمات، فإذا كان كذلك حصلت لديه التقوى من الله، وعليه تكون التقوى عبارة عن خوف ناتج عن معرفة الله، ومعرفة أن مخالفته تؤدي إلى عقابه تعالى له، وهذه الناحية هي الناحية العقائدية للتقوى، وهناك أيضا ناحية سلوكية للتقوى تنتج عن الخوف من عقاب الله، وهي الناحية السلوكية وهي عدم مخالفة أوامر الله تعالى، وعليه تكون التقوى قائمة على ركنين، ركن عقائدي وركن سلوكي، وهنا نسأل كيف يكون الصوم مؤدي إلى تقوى الله تعالى ؟ وهذا ما سنشير إليه.
علاقة الصوم بتقوى الله
فنعود إلى نص الآية الشريفة فإنه تعالى يقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )، فالآية توحي بأن الصوم وسيلة تؤدي إلى تقوى الله تعالى، وتقوى الله هي حق من حقوق الله على عبده الإنسان، أي على الإنسان أن يخاف من مخالفة الله وعصيانه، والإنسان الذي لا يشعر بالخوف من عقاب الله هو إنسان ضعيف الإيمان بالله مقصر بحق الله تعالى فالله أهل للخوف والرهبة من عصيانه، وهذا يعني أنه على كل إنسان بصير أن يسعى لأن ينمي حالة الخوف من الله ومن بطشه، والخوف من الله هو حالة إيجابية لأن الخوف من الله يدفع الإنسان إلى الإستقامة.
ونحن في الواقع عندما نخاف من الله، فإننا نخاف على أنفسنا لكي لا تورد نفسها موارد الشقاء والهلاك كما تقدم، وهنا ندخل إلى الموضوع الذي مهدنا الحديث عنه، وهو أنه كيف يكون الصوم طريقا إلى تقوى الله تعالى ؟ الإجابة باختصار هو أن الإنسان من خلال فريضة الصوم يهذب نفسه ويربيها على امتلاك الإرادة في رفض إنقيادها وراء أهوائها وشهواتها، فالنفس لديها أهواء وشهوات، وهذه الأهواء والشهوات تدفع صاحبها إلى مخالفة أوامر الله ونواهيه حبا بالدنيا والمعاصي، فالإنسان عندما يصوم عن الطعام والشراب وغيرهما من الشهوات والأهواء، فهذا يعني أنه يربي نفسه على أن يمتلك الإرادة القوية في عدم الإستجابة للشهوات والأهواء، ويكون الإنسان بذلك قد وصل إلى تقوى الله وأصبح من المتقين.
وعندما يدخل الإنسان إلى شهر الله رمضان، ويصوم شهرا بكامله، فهو في الواقع يكون قد درب نفسه على الصوم عن الأهواء والشهوات، وهذه الأهواء والشهوات هي في الواقع التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب المعاصي والسيئات، والإنسان عندما لا يستجيب لشهوة الطعام والشراب في آيام شهر رمضان، يكون قد ربى نفسه وهذبها على امتلاك التقوى أو بمعنى آخر على امتلاك الإرادة التقوائية برفض الإنقياد وراء الأهواء والشهوات ، لذا هناك من الناس من يلتفت إلى ذلك ويخرج من شهر رمضان وقد ازدادت إرادته قوة وعزيمة، ويكون أكثر عشقا للعبادة والطاعة لله تعالى، وأكثر رفضا للمعاصي والسيئات.
وهناك من الناس من لا يعتني بهذا الجانب الخطير في شهر رمضان أنه شهر لتربية النفس وتهذيبها، ولا يعيش في وعيه وعقله أن الصوم في الواقع هو ليس عن الطعام والشراب وغيرهما، بل هو صوم في الحقيقة عن الإستجابة للشهوات والأهواء الأمارة بالسوء والتي تدعو صاحبها إلى التمرد على طاعة الله وتريد أن تسير على خطى الشيطان في رفض الإنقياد لأمر الله، ومن هنا ندرك بأن الصوم وسيلة لتدريب الصائم على تقوى الله وطاعته، كما أن الصوم أيضا هو في نفسه عبادة لله تعالى كونه أمر بها.
الصوم كتبه الله على الأمم الماضية
ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه كتب الصوم على الأمم التي سبقت عصر بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال تعالى : ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ )، ونسأل عن الحكمة من ذكر عموم تشريعه للصوم لكافة الأمم البشرية، وما علاقته بالحديث عن وجوب تشريع الصوم؟ فالحديث عن التشريع المشترك للصوم بين أمة محمد وبين الأمم السابقة يشعر بأن هناك تشريعات تمتاز بها الأمم عن بعضها تبعا لاختلاف المصالح التي هي ملاكات للتشريع هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن ذكره تعالى أن الصوم هو تشريع مشترك كتبه تعالى على الجميع إنما هو للتأكيد على أهمية الصوم على مستوى كل البشر، كونها حاجة روحية لتهذيب النفس البشرية التي تشترك بين كافة أبنائها من الأولين والآخرين، وهذا مما يدعو إلى المزيد من الإهتمام بهذه الفريضة.
المريض والمسافر معفوان من الصوم
أخبر تعالى في الآية الثانية من الآيات المتقدمة أن المريض والمسافر معفوان من الصوم لأن الصوم يتسبب لهما بالحرج وهذا ما لا يريده الله تعالى للإنسان، بل يريد له اليسر، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: ( أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ) نعم يجب القضاء على على المريض والمسافر بعد انتهاء شهر رمضان، فيقضي المسافر والمريض الآيام التي فات صومها بسبب المرض والسفر ، والقضاء يدل على أهمية الصوم في هذا الشهر، حتى يَجْبُر من أفطر لمرض ولسفر ما خسراه بسبب عدم الصوم، ولكي لا يفوتهما،
والله تعالى أشار إلى شهر رمضان بأنه أياما معدودات مع أنه شهر كامل، وذهب البعض إلى أن المقصود بالأيام المعدودات أن الصوم كان أياما في شهر رمضان، ثم بعد ذلك نسخ التشريع السابق وتم تشريع جديد بأن أوجب صوم شهر بكامله، وهذا يدل على التشريع بالتدريج للصوم، لكن هذا التفسير يحتاج إلى أدلة قاطعة على ذلك، وهناك تفسير آخر على أن الإنسان يحتاج إلى صوم أكثر من الشهر، والشهر هو بمثابة أيام معدودات تبعا لأهمية الصوم، لكن الله تعالى فرض على الإنسان صوم شهر واحد في السنة تخفبفا وتيسيرا عليه، وفِي ذلك أيضا إرشاد وتوجيه إلى صوم الأيام المستحبة والأشهر المستحبة في السنة التي ورد فيها أحاديث.
ثم إن الله تعالى اسقط حكم وجوب الصوم على الأشخاص الذين لا يستطيعون الصوم ويحتاجون إلى تقديم كل جهدهم وطاقتهم، بما سبب لهم إرهاق وحرج، فإن الله أسقط عنهم وجوب الصوم وفرض عليهم بدل الصوم الفدية، والتي هي عبارة عن دفع وجبة من الطعام للمسكين، أي ما يقارب الثلاث أرباع الكيلو من الطعام من الحبوب أو غيره، مقابل كل يوم فطره، قال تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) ، وفِي ذلك دلالة على أن الشريعة الإسلامية أنزلت رحمة للناس وليست نقمة. ويجوز لمن عليه دفع فدية واحدة أن يدفع أكثر من فدية، ويطعم أكثر من مسكين عن كل يوم، قال تعالى : ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ )، والله تعالى يضاعف في الأجر والثوب لمن ضاعف في دفع الفدية، ونلاحظ هنا أنه كيف ربط تعالى الصوم بمساعدة الفقراء، وفِي ذلك دلالة على أن خدمة المجتمع والمحرومين هي بمثابة الصوم والعبادة لله تعالى.
فوائد الصوم التربوية والصحية والإجتماعية والروحية
أكد تعالى على أهمية الصوم، فقال : ( وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، فالصوم يحتوي على فوائد ومنافع كثيرة للإنسان، ولكن الإنسان يجهل أكثرها، ولو علمها الإنسان لزاد من صومه، ولم يكتف بصوم شهر رمضان، بل زاد عليه أشهرا أخر وأياما أخر، وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بهذا الشطر، وهو قوله تعالى : ( وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )، هو التخيير بين دفع الفدية أو الصوم، لكن بعد أن اعتاد المسلمون على الصوم أصبح الصوم واجبا تعيينيا، لكن ذهب قسم آخر من المفسرين كصاحب الأمثل إلى عدم دلالة هذا الشطر على ذلك، وقال بأن هذا الشطر هو تأكيد على فضيلة الصوم، والحث على صوم المستحب لما للصوم من فوائد ومنافع تعود على الناس بالخير والصلاح. وما ذهب إليه صاحب الأمثل هو الأقرب، كما أنه ليس هناك ما يؤكد على أن الصوم كان واجبا تخييرا في البداية ثم أصبح تعيينيا، وقوله تعالى : ( وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )يدعو إلى دراسة الصوم، وفعلا نحن نلحظ أن هناك فوائد ومنافع للصوم في أكثر من محطة، فهناك منافع تربوية واجتماعية وصحية مما يجعل الصوم ضرورة للإنسان، ونشير إلى هذه المنافع على النحو التالي :
المنافع التربوية للصوم : تقدم أن للصوم دورا تربويا في بناء الإنسان، وتهذيب إرادته بجعله ينتصر على أهوائه وشهواته، وينتصر لعقله وفطرته، وعندما ينتصر الإنسان في صومه على شهواته، فإنه يكون بذلك قد درب نفسه على رفض الإستجابة لأهوائه وشهواته.
المنافع الإجتماعية للصوم : الصوم يجعل الإنسان أكثر قربا من الناس وإحساسا بمعاناتهم، وخاصة الفقراء والمساكين والمحرومين مما يدفعه إلى الوقوف إلى جانبهم والعمل على مساعدتهم، فهذه المشاعر ترفع من إحساس الإنسان الإجتماعي، والإسلام عمل على تربية هذه المشاعر، وخاصة من خلال الواجبات المالية والأخلاقية اتجاه المجتمع، حتى يدفع بالإنسان إلى الإنصهار بالمجتمع في بناءه بناء رساليا، يُؤْمِن بالعدالة والفضيلة، وورد عن أهل البيت عليهم السلام أحاديث تشير إلى هذه الفائدة الإجتماعية، منها ما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام:
( إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مَس الجوع فيرحم الفقير، وإن الغني كلما أراد شيئا قدر عليه، فأراد الله أن يستوي بين خلقه، وأن يذيق الغني مَس الجوع والألم ليرة على الضعيف ويرحم الجائع ) وسائل الشيعة ج7 ص 3.
أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى الدور الإجتماعي والأخلاقي للصوم، فالصوم يشعر الناس بالمساواة أمام الله ويدفعهم إلى التواضع، والتعاون كما يجعل الصوم الغني يشعر بضرورة مساعدة الفقراء، ويدفع الصوم أيضا الفقراء إلى الصبر على مرارة الفقر.
منافع الصوم العقائدية : أيضا هناك منافع عقائدية للصوم، حيث يشعر الإنسان بقيمة النعم التي يرزقه الله إياها، وخاصة نعم الطعام والشراب، ومن المعلوم أن الإنسان لا يشعر بالنعم إلا إذا فقدها أو امتنع وأمسك عنها، وذلك مما يدفعه إلى التفكر بأن هذه النعم، التي هو بحاجة إليها لها خالق وصانع، هو من خلقها له، وأكرمه بها، فعليه أن يشكره وألا يستخدمها في معاصيه.
ومن هنا نرى كيف أصبح للصوم دورا في إحياء العقيد وطريقا إلى الشعور بالله تعالى، واستذكار نعمه، كما أن الإنسان يذكر بجوعه وعطشه في شهر رمضان جوعه عطشه يوم القيامة، وذلك مما يدفع الإنسان إلى المزيد من العمل الصالح والورع عن فعل المعاصي.
منافع الصوم الروحية : أيضا فإن هناك منافع للصوم لكن الإنسان لايرى ولا يدرك هذه المنافع، فإن الصوم يحمي الإنسان من الشياطين التي تحيط به، وتسعى للأضرار به، فإن للصوم تأثيرا سلبيا عليهم، وهذا ما ورد في الأحاديث المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، فقد ورد عن رسول الله أنه سئل عن الطريق لمجابهة الشيطان، فقال صلى الله عليه وآله : ( الصوم يسود وجهه والصدقة تكسره ظهره والحب في الله والمواظبة على العمل الصالح يقطع دابره، والإستغفار يقطع وتينه ) بحار الأنوار ج 69 ص 255
منافع الصوم الصحية : للصوم منافع تعود على الجسد بالصحة والسلامة والعلاج من كثير من الأمراض، حيث أن التخمة وكثرة الطعام مما تفسد صحة الإنسان، وتزيد في الوزن الذي يتسبب بكثير من الأمراض المعروفة كالسكري والضغط، والصوم يساعد على التخلص منها، وهذا الأمر متسالم عليه بين الأطباء حتى أن هناك من الأطباء من يعالج مرضاه بالصوم، ومن فوائد الصو الطبية أنه يريح الجهاز الهضمي، وينظفه، وفِي هذا السياق ورد عن النبي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( صوموا تصحوا ) بحار الأنوار ج 96 ص 255، والعلم الحديث أثبت صحة هذا الحديث، وقال أيضا صلوات الله عليه وآله : ( المعدة بيت كل داء والحمية رأس كل دواء ) بحار الأنوار ج 44 ، في إشارة إلى أن كثرة الطعام تفسد البدن، وأن الأكل لا بد وأن يكون بقدر، وحسب حاجة الإنسان، وذلك يناسب سلامة الجسد وصحته.
أنزل الله القرآن في شهر رمضان
إن لشهر رمضان خصائص مباركة وكريمة ، ومن هذه الخصائص أن الله تعالى أنزل فيه القرآن على نبيه المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى في الآية الثالثة من الآيات المتقدمة: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ) ، فالله تعالى لم ينزل القرآن في شهر رمضان لوحده، بل أنزل باقي الكتب المقدسة من التوراة والإنجيل والزبور والصحف وغيرها بحسب ماورد، والله تعالى أنزل القرآن الكريم دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، وبعد ذلك نزل آيات وسور على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان نزول القرآن إلى سماء الدنيا أولا أو إلى مكان ما في عالم الوجود فِي ليلة القدر تلك الليلة التي يقدر فيها الأرزاق ويكتب فيها ما يحصل في العالم من أحداث ، ووصف تعالى القرآن بثلاث صفات، الصفة الأولى وهي أن القرآن هدى أي يهدي الناس إلى دين الله ويرفع عنهم الجهالة به. والصفة الثانية أن القرآن بينات من الهدى، والمقصود بالبينات الدلائل الدالة على صدق عقيدة الإسلام، الصفة الثالثة وهي أن القرآن فرقان يفرق بين الحق والباطل.
قاعدة لا حرج
الصوم واجب في شهر رمضان دون غيره من الأشهر، ويبدأ وجوب الصوم بعد أن يهل هلال شهر رمضان، قال تعالى : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ، المقصود بالشهر هنا الهلال أي من حضره هلال رمضان وهو في وطنه وكان غير مريض فعليه أن يصوم، وحضور الهلال كناية عن ظهوره للدلالة على ولادة الشهر، ثم أكد تعالى أنه لا صوم على المسافر ولا المريض، لكن يجب عليهم القضاء بعد رمضان، قال تعالى : ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، يتم القضاء في هذه الأيام، وكرر تعالى حكم المريض والمسافر للتأكيد على أن الله تعالى يريد اليسر بالمكلف ولا يريد العسر له، لذا قال تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ، فالله تعالى لم ينزل أحكاما فيها حرج وعسر على الناس، بل لوحظ في تشريع هذه الأحكام قدرة الإنسان المكلف على القيام بها، ثم أكد تعالى على وجوب القضاء وإكمال عدة الشهر حتى لا يتهاون الناس في الأيام التي فطروا فيها، فقال تعالى : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) أي عدة أيام شهر رمضان، فيكون المريض أو المسافر بقضائه للأيام التي تركها قد أكمل شهر الله صوما، وينال خيره وبركته.
ولتكبروا الله على ما هداكم
إن من العقائد التي يجب الإيمان بها في الإسلام، الإعتقاد بأن الكبرياء مختص بالله ، وهو أكبر من كل شيء دون مقياسة، فليس هناك ما هو أكبر منه تعالى وأعظم، ومن الإيمان بكبرياء الله نفي وجود الشبيه له، والمثيل له في ذاته وصفاته، فإذا الإعتقاد بالكبرياء لله تعالى هو تأكيد على وحدانية الله تعالى، والله تعالى جعل للكبرياء شعار إسلاميا وهو قول الله أكبر، وجعل تعالى هذا التكبير في أول الصلاة ومفتتحها، والله تعالى دعى المؤمنين بعد الإنتهاء من الصوم في شهر رمضان أن يكبروا الله، ويعبر عنها بتكبيرات العيد، ودعى الله بعد التكبير إلى شكره تعالى، قال تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ، جعل الله التكبير هدفا للهداية، وهو أمر طبيعي فإن الإسلام يهدي الناس إلى عقيدة التوحيد التي مضمونها التكبير لله، وإلى أن الله تعالى أكبر من كل شيء، والصوم أيضا يهدف إلى تكبير الله، ورفض التكبير لغير الله، ودعا الله تعالى بعد تكبيره إلى شكره على هذه الهداية إلى دين الله الذي هو نعمة والشكر لا يكون إلا على النعم، ومن هنا قال تعالى : ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .

إمام مسجد السيد عبد الحسين شرف الدين قده – صور
الشيخ حسين إسماعيل