Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


حرب السعودية «الناعمة» على أدراج قصر بعبدا

الأخبار :: 2018-09-13 [10:57]::
هل تحققت الأمنية السعودية بتحويل لبنان ساحة حرب في مواجهة إيران وحلفائها في لبنان، و«كربجة» العهد بافتعال معركة وهمية حول الصلاحيات؟ نقول وهمية لأن الذي يفترض أن يشكو من افتراس صلاحياته هو رئيس الجمهورية وليس رئيس مجلس الوزراء. لذلك، إن افتعال مشكلة الصلاحيات وإعلان «غيرة الدين» من جانب رؤساء حكومات سابقين، لا يكنّ بعضهم أي ود للرئيس المكلف تأليف الحكومة، ليس سوى تنفيذ «أمر عمليات» من الجهة التي أمرت سابقاً باحتجاز رئيس الحكومة في الرياض في 4 تشرين الثاني الماضي، ودفعه إلى إعلان استقالته، الأمر الذي أحدث ضجة وولّد ضغوطاً محلية وإقليمية ودولية على السعودية لإطلاقه، فراحت تبحث عن بديل لتحقيق خطتها لإفشال العهد بإغراقه بمجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية، فضلاً عن إثارة النعرات الطائفية بوضع فريق من المسلمين في مواجهة فريق مسيحي.

معركة مقنّعة
إذاً، نحن أمام معركة مقنّعة مع إيران وسوريا الأسد و«حزب الله» وحلفائه الذين حازوا الأكثرية في مجلس النواب، ووجدوا في ذلك مناسبة سانحة للتظاهر بأن الحرب السعودية عليهم لا تجدي، بل لن تغيّر شيئاً في الواقع السياسي، فسمّوا نائباً «سعودياً» من الأقلية لتأليف الحكومة، فردّ السعوديون بنصب مكمن للرئيس المكلّف وللنواب الـ ١١١ الذين سمّوه باختيار مجموعة من العقد، من شأنها أن تُجهض أي محاولة لاعتماد نتائج الانتخابات معياراً للتشكيل، ما يؤدي إلى إفقاد رئيس الجمهورية المبادرة في الضغط على الرئيس المكلَّف إنجاز تشكيلة «تعكس عدالة التمثيل، ولا تهمّش أحداً، فضلاً عن احترامها الأحجام».

الهدف معاقبة عون
يفهم مما تقدم أننا أمام محاولة خارجية لمعاقبة رئيس الجمهورية على أمرين صدر «حكم» عليه فيهما: الأول تفاهمه مع «حزب الله»، حليف إيران وسوريا الأسد في المنطقة، والثاني تبنيه قضية تحرير الحريري لدى احتجازه في الرياض، وتعبئة الرأي العالم الدولي ضد السعوديةوإظهارها بأبشع الصور، بإحداثها سابقة خطيرة باحتجاز رئيس حكومة صديقةوإجباره على اعلان استقالته من مركز احتجازه.
وربما كان الدافع الرئيسي لـ«الإجهاز» على الرئيس كونه الوحيد، قبل الطائف وبعده، الذي قلب المعادلة في اختيار الرؤساء، إذ أُرسيت قاعدة دولية منذ مجازر عام 1860 في الجبل وتدخّل قناصل الدول الكبرى لإنهاء المأساة المسيحية ــــــ الدرزية آنذاك، وهي تقول أن يكون اختيار الحاكم، أو المتصرف الذي أصبح رئيساً بعد الانتداب، بواسطة ممثلي الدول الكبرى، وهي روسيا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، ثم إيطاليا التي انضم قنصلها إليهم لاحقاً، إضافة إلى الباب العالي، على أن يكون المتصرف مسيحياً، ولكن من خارج لبنان. ولم يكن لأهل الجبل رأي في هذا الاختيار، وكل ما كان متاحاً هو القبول والرضوخ.
وَيَا للأسف، استمر العمل بهذه القاعدة أيام الانتداب، كما لم يغب عنها «الباب العالي». وانتقل هذا «الباب» من بعد السلطنة إلى مصر ثم سوريا ليستقر اليوم في السعودية.
ولكن، ما دام الباب العالي هو اليوم في السعودية، وانتخاب الرئيس ميشال عون لم يلق معارضة من الرياض، على أمل «ترويضه»، فلماذا الإصرار على إعلان فشل العهد من أقرب القريبين من السعودية، انطلاقاً من شل مفاعيل نتائج الانتخابات النيابية ورفض اعتبارها معياراً للتأليف بحجة أن الرئيس المكلّف هو الذي يضع المعايير، من دون أن تكون هناك أي إشارة إلى ذلك بالدستور، في محاولة وقحة لوضع الرئيس المكلَّف في مواجهة الرئيس عون الذي خاض معركة تحريره من أسر الرياض؟

حارس استيقظ واستعاد الصفارة
ولكن، أين بيت القصيد هنا، ولماذا المعركة مع الرئيس ميشال عون؟
الواقع، الواضح وضوح الشمس، هو أن عون لا يشبه سائر الرؤساء الذين تعاقبوا على بعبدا منذ الطائف، لسببين: الأول أن اختياره جاء محلياً، سياسياً وشعبياً، إذ هو أول رئيس منبثق من قاعدة شعبية وبيئة وطنية شبه جامعة، وفرض على «القناصل وأرباب الباب العالي». وإذا كان هؤلاء قد رُوجِعوا، بطريقة ما، فمن أجل الاستئناس بآرائهم. لذلك يجب إعادته إلى «بيت الطاعة»!
أما السبب الثاني، فهو أن الرئيس عون الذي قيل عنه إنه عارض اتفاق الطائف - وكل يوم تثبت صحة مقاربته له - قد قَبِل الطائف بكل مندرجاته بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وأقسم يمين المحافظة على دستوره.
وهنا تكمن مشكلة الرئيس عون، وخصوصاً مع الكونسورسيوم، السياسي والديني، الذي وضع يده على مجلس الوزراء، معتبراً أن الدستور قد انتزع «الصلاحيات الملكية» للرئيس الماروني ووضعها بين يدي الزعيم السني رئيس مجلس الوزراء، وذلك خلافاً لنص الدستور الذي وضع هذه الصلاحيات في عهدة مجلس الوزراء كهيئة دستورية شرعية. وكانت قد جرت محاولات في الطائف لنقل صلاحيات ساكن بعبدا إلى ساكن السرايا، لكنها باءت بالفشل. وجاءت معايير الرئيس للحكومة، وخصوصاً حكومة الوحدة الوطنية التي ينادي بها الجميع الآن، بمثابة تذكير بالمبادئ التي على أساسها نٌقلت السلطة الإجرائية من بعبدا إلى السرايا، بأن يكون المشاركون في صنع القرار في المجلس حصيلة استشارات تأخذ في الاعتبار التوازن الوطني والطائفي، وحتى المناطقي، وتتحقق من خلالها عدالة التمثيل الذي أنتجته الانتخابات.
ماذا يقول الدستور في الصلاحيات؟
وبالعودة إلى الصلاحيات، لا بد من قراءة معمقة للدستور الذي هو، أساساً، دستور مدني علماني غير طائفي، ليست فيه أي إشارة إلى طائفة أيٍّ من الروساء الثلاثة، وقد صاغها المحامي ميشال شيحا عام 1926 انطلاقاً من نظرته إلى الشعب اللبناني الذي قرر إنشاء دولة، بعد إعلان فرنسا لـ«لبنان الكبير» قبل ست سنوات، على أنه «مجموعة أقليات متشاركة تحكمها إرادة قوية للعيش المشترك»، وهي المرة الأولى التي ترد مثل هذه العبارة في القاموس اللبناني وجعلها دستور الطائف شرطاً لأي شرعية. وقد صاغ شيحا الدستور على أساس أنه راعٍ لهذه القاعدة الوجودية، وجعل رئيس الجمهورية - افتحوا عيونكم جيداً أيها المتباكون على حقوق الطوائف - حارساً لها وألزمه بأداء القسم الآتي: «أحلف بالله العظيم أني أحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه». وهذا يعني بالفقه الدستوري أن ساكن بعبدا هو رئيس الدولة، وحارس الدستور، ورئيس - راعٍ لكل المؤسسات.
وقبل الدخول في تفاصيل الصلاحيات نطرح السؤال الآتي: ماذا تغيّر مع الرئيس ميشال عون؟
أمران أساسيان تغيرا، الأول أن الحارس لم يعد نائماً، كما أيام الرؤساء الذين سبقوه وشاركوا بحصص في السلطة. والثاني أنه استعاد من رئيس الحكومة - وهنا مصدر غضب رؤساء الحكومات السابقين - صفارة الحٓكٓم التي كان الرؤساء قد تخلوا عنها في مقابل مقاعد وزارية معينة!؟
والآن أين نحن من الصلاحيات؟
ومن يقضم صلاحيات الآخر، ساكن بعبدا أم ساكن السرايا؟
في البداية، لا بد من ملاحظة أن الدستور اللبناني ليس خريطة لحقوق الطوائف، والذي ارتضى العرف في الرئاسات لا بد له من أن يسلّم بالعرف الذي يطبّق على حقوق رئيس الجمهورية على أساس أن تكرار الأمر ثلاث مرات يجعله عرفاً ينتظر القوننة، لأن مرة واحدة لا تصنع عرفاً.

نظام حياة لأقليات متشاركة
وانطلاقاً من نظرية ميشال شيحا أن الدستور اللبناني هو نظام حياة «لمجموعات متشاركة»، أي أن لا استئثار لأحد بالسلطة، فاين تقع المشاركة؟ وأين يحصل التفرد؟
في المشاركة:
تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء (المادة ١٧)
رئيس الجمهورية يدعو، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلى عقود استثنائية لمجلس النواب (٣٣)
قيادة القوات المسلحة لرئيس الجمهورية تحت سلطة مجلس الوزراء،
يفاوض الرئيس على المعاهدات ويبرمها بالاتفاق مع رئيس الحكومة (٥٢)
يسمي رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس مجلس النواب (٥٣)
يدعو إلى مجلس وزراء استثنائي بالاتفاق مع رئيس الحكومة،
يصدر مراسيم التشكيل بالاتفاق مع رئيس الحكومة (٥٣)
يطلب حلّ مجلس النواب قبل انتهاء ولايته بالاتفاق مع مجلس الوزراء (٥٥)
يشارك في توقيع المراسيم،
يشارك في جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء (٦٤)
أين يتفرد رئيس الجمهورية؟
يقسم اليمين على حماية الدستور.
يراقب أعمال كل المؤسسات بصفة كونه رئيساً للدولة.
يصدر مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء.
يصدر المراسيم بقبول استقالة الحكومة.
يعتمد السفراء.
يوجه رسائل إلى مجلس النواب (٥٣)
يترأس مجلس الوزراء عندما يشاء (أي في وسعه ترؤس كل الجلسات وإدارتها في حضور رئيس الحكومة)،
يطلب تأجيل انعقاد مجلس النواب شهراً (٥٩)
ماذا عن صلاحيات رئيس مجلس الوزراء؟
نصت المادة ٦٤ من الدستور على أن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة، يمثلها ويتكلم باسمها، ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة التي يضعها مجلس الوزراء، أي أنه «لا يفلح في البور»، كما يرأس مجلس الوزراء ويطرح سياسة الحكومة أمام مجلس النواب.
فكفى تباكياً على الصلاحيات. فالعهد عهد دستوري بامتياز، إنه «عهد عون» النزيه والعنيد والمستقيم، والعصيّ على الترويض، لذلك ستتوقف الحرب السعودية «الناعمة» على أدراج قصره!؟