Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


بالفيديو: رحيل المغني الجزائري رشيد طه: روك المقهورين....رفض الجنسية الفرنسية تنديداً بالاستعمار

الأخبار :: 2018-09-13 [10:58]::


فوجئ محبو موسيقى الراي والروك برحيل الفنان الجزائري رشيد طه (1958 ــ 2018) ليلة الثلاثاء في باريس، إثر أزمة قلبية مباغتة، إذ عثر عليه ميتاً في شقته وفق ما كشف عنه تقرير للشرطة الفرنسية. لم يكن أحد يظنّ أن هذا الفنان المثير بأغانيه ومواقفه وصوته المختلف، سيغادر العالم وهو في عز عطائه وشهرته. استقر رشيد طه في الستينيات في فرنسا ضمن الأجيال الأولى للمهاجرين. أمضى سنواته الأولى في مرحلة بحث عن الذات، ليس ضمن المجال الفني فحسب، بل ضمن مجتمع غريب ومختلف.

المهاجر الجزائري الذي صار نجماً عالمياً: رشيد طه... روك المهاجرين والمسحوقين
فوجئ محبو موسيقى الراي والروك برحيل الفنان الجزائري رشيد طه (1958 ــ 2018) ليلة الثلاثاء في باريس، إثر أزمة قلبية مباغتة، إذ عثر عليه ميتاً في شقته وفق ما كشف عنه تقرير للشرطة الفرنسية. لم يكن أحد يظنّ أن هذا الفنان المثير بأغانيه ومواقفه وصوته المختلف، سيغادر العالم وهو في عز عطائه وشهرته.
استقر رشيد طه في الستينيات في فرنسا ضمن الأجيال الأولى للمهاجرين. أمضى سنواته الأولى في مرحلة بحث عن الذات، ليس ضمن المجال الفني فحسب، بل ضمن مجتمع غريب ومختلف. لذلك كان عليه أن يوفر أولاً وسائل العيش قبل أن يندمج في أوساط الفن. ولهذا السبب اشتغل في البداية في المطاعم والمصانع، قبل أن يعمل على تأليف فرقة موسيقية ستحمل اسم «بطاقة إقامة».

كان الاسم يتضمن في إيحاءاته وإشارته ما يفوق المعاني الفنية. وهذا غير غريب على رشيد الذي عرف بتناوله للكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية في أغانيه. فالفن بالنسبة إليه لم يكن وسيلة للترفيه وخلق أجواء البهجة في نفوس الشباب فقط، بل كان أيضا جسراً لتمرير خطابات ذات بعد اجتماعي. كانت الهجرة والاغتراب والعنصرية ومشاكل الاندماج وتهميش المهاجر العربي، أبرز التيمات التي تضمنتها أعماله الغنائية المعروفة. إن أغنية «يا المنفي» تشرح معاناة المهاجر في صيغة رسالة موجهة للأم، وأغنية «يا الرايح وين مسافر» تتساءل عن جدوى الهجرة والاغتراب، و«برّا برّا» تنتقد ما وصل إليه العالم من عنف، وحذر من مستقبل مخيف. أما أغنية «روك القصبة»، فتبدأ بهذا السؤال: «واش واش هاذ الفوضى؟»، وهو تساؤل يحمل الكثير من الإيحاءات.
وإذا كان رشيد طه هو النسخة العربية لفن الروك الأميركي، فهو قبل ذلك مطرب راي في الأساس. لقد انطلق من هذا الفن الجزائري وسعى إلى منحه بعداً عالمياً عبر مزجه بموسيقى الروك وإضفاء لوحات راقصة تتخلل عروضه الفنية. عاد طه إلى الراي في مشاربه الأولى خلال القرن الثامن عشر بوصفه فناً قادماً من الغرب الجزائري مهمته الأساسية هي التعبير عن مشاغل الناس وهمومهم. وأسهم بشكل لافت في نقل فن الراي إلى الحياة الفرنسية، حيث صار هذا اللون الغنائي حاضراً بشكل كبير في فرنسا، والسبب المساعد بطبيعة الحال هو الحضور الطاغي للجزائريين بصفتهم أكبر جالية عربية في فرنسا.

في أكثر من مناسبة، كان رشيد طه يصرح بأنه مطرب روك، وليس مطرب راي. والحقيقة أنه سيظل في عيون محبيه الفنان الذي ذهب بالراي الجزائري إلى مساحات جغرافية وفنية شاسعة، عبر تطوير إيقاعاته وإدخال آلات عزف جديدة والظهور على الخشبة بأشكال فنية تؤكد أنّ ما يرومه طه هو إضفاء البعد العالمي على فنه، وألا يكون الجزائري أو المغاربي هو المتلقي الوحيد لأغانيه. لقد انتبه باكراً إلى أن فنه يقوم على دعامتين أساسيتين هما: الإيقاع والكلمة. لذلك اختار أن يعتمد إيقاعات فنية يمكن أن يتفاعل معها المتلقي الأوروبي والأميركي بالحماسة نفسها التي يتفاعل بها المتلقي العربي. واختار في المقابل أن يبحث عن الكلمات التي لا تخاطب قلب الجمهور فحسب، بل عقله أيضاً. لقد كان عدد من الأغاني بمثابة لافتات احتجاج. وقد عمل أيضاً على تخليد أغنيات قديمة من الراي الجزائري عبر إعادة أدائها بتوزيعات موسيقية جديدة.

عاد إلى مشارب الراي، بوصفه فناً قادماً من الغرب الجزائري مهمته الأساسية هي التعبير عن مشاغل الناس

في تصريح إلى«الأخبار»، يقول الشاعر والإعلامي الجزائري خالد بن صالح: «ستظلُّ بحَّةُ صوتهِ ترافقُ كلَّ منْ يُدندنُ أغنية «يا الرَّايح وين مسافر» لدحمان الحراشي، بأدائِه وطريقتِه العصرية، كما في جلِّ أعماله، التي تجمع بين موسيقى الروك والموسيقى الشرقية، وطابع الرَّاي الجزائري. بشخصيته القيادية والكاريزما التي حققت له انتشاراً منذ مطلع الثمانينات مع فرقة «بطاقة إقامة» Carte de Séjour والغناء في النوادي الصغيرة، وبعد أعمال منفردة كثيرة خلال التسعينيات، تميَّز فيها طه بالاشتغال على مواضيع تلامسُ الطبقات المسحوقة من المهاجرين، شارك في حفلة «1,2 ,3 Soleil» مع كل من الشاب خالد وفضيل سنة 1998، محققاً، معهما، نجاحاً كبيراً. رشيد كان مخلصاً دائماً لمشروعه وللثقافة المحلية التي أعطاها ملمحاً عالمياً. توقف قلبُ رشيد طه قبل أن يطلق ألبومه الجديد، كما يتوقف مسافرٌ تعب كثيراً بعيداً عن الوطن».

صوت مبحوح بالتعب والشجن
لم يصدق أحد أن تكون حفلته في مدينة مرسيليا الفرنسية في الأول من الشهر الحالي، هي الأخيرة له. وقف على الخشبة كعادته متمايلاً بغيتاره الكهربائي وقبعته الكبيرة، وأدى بصوته المبحوح بالتعب والشجن، عرضاً شرقياً حالماً مع فرقته الجديدة «عصبة الكسكس» Couscous-clan التي أسسها مع الفنان الفرنسي رودولف بورجي. مزج أغنياته القديمة والجديدة بالدارجة الجزائرية والفرنسية على وقع أنغام موسيقى الراي والروك، كما استحضر أغنيات تراثية من بلاده الأصلية، كأنه يريد أن يودعها من منفاه. غادر صاحب «يا الرايح وين مسافر» بعد ذلك بأيام بهدوء غارقاً في نومه، مخلفاً وراءه مساراً فنياً وسياسياً دام ثلاثين عاماً.
يعد صاحب رائعة «برا برا» أشهر النجوم الفرنسيين من أصول مهاجرة. لم يكتف فقط بمزج الموسيقى الجزائرية مع الروك الأنغلوساكسون وفرض فن الراي في المشهد الفرنسي، بل كان صوتاً قوياً في الدفاع عن حقوق المهاجرين ومناهضة التمييز ضدهم في سنوات الثمانينيات منذ تأسيسه فرقة Carte de séjour (بطاقة إقامة) وبروزه كواحد من قادة ما يسمى بالمسيرة التي غيّرت خريطة المجتمع الفرنسي، وانتصرت لمواطنة الفرنسيين من أصول مغاربية وعربية وأفريقية. جاءت إعادته لأغنية الفنان الفرنسي شارل ترينيه «دوس فرانس» (فرنسا العذبة) بلمسته الساخرة، إذ وجه في كلماتها رسالة إلى البرلمان الفرنسي عام 1986، وشكل ذلك بداية لمسيرته في الأغنية الملتزمة، ليشق بعدها درب الغناء بمفرده، فبرز عام 1991 بألبوم «بارباس» نسبة لأشهر حي شعبي وسط باريس.
حفرت طفولته عميقاً في نفسه بعد مغادرته طفلاً مع أسرته مسقط رأسه مدينة سيق (45 كلم شرقي وهران) والاستقرار في منطقة ألزاس الباردة، ما جعله يستعيد ذلك الحنين عبر أغنيات الراي المشهورة في الغرب الجزائري. كما أحدث استشهاد عمه في الثورة الجزائرية قطيعة مع التاريخ الاستعماري، وأكد في الكثير من تصاريحه الإعلامية رفضه لأخذ الجنسية الفرنسية، تنديداً بما ارتكبته فرنسا في الجزائر. لكنه أعلن سعيه للحصول عليها عام 2007، واضعاً حداً لتمزقه الهوياتي. كما عرف ببساطته وتواضعه الشديدين رغم نجوميته وقربه من البسطاء ومشاركته في العديد من المهرجانات المغاربية بلا مقابل.

رفض مراراً الجنسية، تنديداً بتاريخ فرنسا الاستعماري

منذ بزوغ نجم أغنية الراي في التسعينيات مع شهرة الشاب خالد الهارب من العشرية السوداء، انضم رشيد طه إلى الموجة الجديدة التي طغت على المشهد الموسيقي الفرنسي. أعاد توزيع أغنية «يا رايح وين مسافر» للمطرب الشعبي دحمان الحراشي سنة 1998، لتصبح أشهر من علم في غضون ساعات، ويبيع من ألبومه «ديوان» ملايين النسخ. كان العمل بمثابة تكريم له لأعلام موسيقى الشعبي في المنطقة المغاربية مثل الحاج العنقى وفرقة «ناس الغيوان» وغيرهما. ثم خرج مع الثلاثي الشاب خالد والشاب فضيل (Faudel) من حدود فرنسا وأوروبا نحو دول بعيدة أخرى. وتوالت الألبومات التي تعاون فيها مع موسيقيين عالميين، وكان ألبوم «زوم» تكريماً للأغنية العربية بتوظيفه مقاطع من إحدى أغنيات أم كلثوم عام 2013.
ومن غرائب الصدف أن الموت لم يمهله فرصة لتكريم الفنان الشعبي الجزائري دحمان الحراشي، إذ كان في خضم تحضيراته لإقامة حفلة تستحضر روائع أستاذه الأول في «معهد العالم العربي» في باريس.

يا الرايح وين مسافر؟
عن 59 سنة، غيّب الموت المغني الجزائري رشيد طه، إثر نوبة قلبية حادة فاجأته أثناء نومه، ليلة أول من أمس، في شقته في حي Lilas الشعبي، في الضاحية الشرقية من باريس، حيث كان يقيم منذ السبعينيات. في هذا الحي الشعبي، خطا رشيد طه، الذي وُلد في وهران وهاجر رفقة والديه الى فرنسا في سن العاشرة، خطواته الفنية الأولى ضمن فرقة Carte de séjour، التي أسسها برفقة شلة من رفاق الحي، في مطلع الثمانينيات. فرقة مشاكسة انخرطت في حراك أبناء المهاجرين آنذاك، وارتكزت عليها اضواء الشهرة بالأخص بفضل اقتباسها الساخر لأغنية شارل تريني الشهيرة «فرنسا العذبة» Douce France، على إيقاعات موسيقية مغاربية. أغنية انتشرت كالنار في الهشيم، عام 1986، وتحولت واحداً الأناشيد المرافقة لمسيرة أبناء المهاجرين، الذين زحفوا مشياً على الأقدام، على مدى أربعة أشهر، من مرسيليا الى مقر البرلمان الفرنسي في باريس، للمطالبة بالمساواة في الحقوق بينهم وبين باقي الشباب الفرنسيين.
في تلك التجربة الموسيقية الاولى ضمن Carte de séjour انخرط رشيد طه في موسيقى الروك التي شكلت التيار الغالب والأكثر اجتذاباً بالنسبة الى أبناء جيله. لكنه، مع مطلع التسعينات، انفصل عن الفرقة، وخاض رحلة بحثية طويلة من أجل استعادة الطبوع الموسيقية العربية التي أثّرت في ذائقته الفنية، سواء خلال طفولته في وهران، او بعد انتقاله الى المهجر.
من تلك الأبحاث، خرج رشيد طه بألبوم حمل عنوان «يا الرايح»، عام 1997، وعرف نجاحاً عالمياً، بفضل استلهامه أغاني من تراث فن الشعبي الجزائري، وتطعيمها بلمسات عصرية، عبر الآلات النحاسية والإلكترونية التي برع فيها خلال تجربته ضمن Carte de séjour، على مدى عقدين من الزمن. وقد توّجت أغنية «يا الرايح» كأغنية الموسم، خلال صيف 1997، في اغلب تصنيفات انتشار الأغاني، عبر العالم. نجاح شجع رشيد طه على معاودة الكرة، بعد ذلك بعام واحد، من خلال ألبوم «1، 2، 3: شمس!» الذي أصدره بالاشتراك مع خالد وفضيل، وانصب في استلهام عدد من كلاسيكيات أغنية الراي، وإعادة تقديمها في حلة عصرية مطعمة بتأثيرات الروك والريغي والبلوز. وأسفر ذلك الألبوم عن رائعة «عبد القادر يا بوعلام»، التي عرفت بدورها انتشاراً عالمياً مماثلاً لما عرفته «يا الرايح».
توالت بعد ذلك ألبومات رشيد طه التي عرفت نجاحات متفاوتة، لكنها حافظت على الدوام على نفسها التجريبي المجدد وقدرتها على الإبهار والمفاجأة. وكان آخرها ألبوم Zoom، الذي صدر عام 2013، و كان آخر عمل قدّمه رشيد طه، وتضمن تحفة مبهرة تمثلت في رائعة «أبو نواس» الشهيرة: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر/ ولا تسقني سراً اذا أمكن الجهر، التي لحنها رشيد طه وأداها على إيقاعات الروك!
وكان رشيد قد توارى عن الأنظار بسبب متاعب صحية لم يشأ الإفصاح عنها. ولم يخرج عن عزلته سوى نادراً. إذ شارك في حفلة أقيمت في «معهد العالم العربي» في باريس، العام الماضي، احتفاءً بفن «الشعبي» الجزائري. وفي مطلع الشهر الحالي، ظهر في برنامج موسيقي فرنسي، معلناً أنّه انتهى من تسجيل ألبوم جديد يحمل عنوان «أنا إفريقي» يرتقب أن يصدر في مطلع 2019.