حسين (22 عاماً) رحل بالسرطان، واهالي بلدته البقاعية ينتفضون: الليطاني ملوث ومياهنا ملوثة والسرطان يفتك بنا لهذا السبب
المصدر : جريدة النهار
المصدر : جريدة النهار
تاريخ النشر : 28-10-2018
"لا تحزني يا أمي إن متّ في غض الشباب، غداً سأحرّض أهل القبور وأجعلها ثورة تحت التراب". هذا كان آخر ما كتبه الشّاب حسين الكيّال على صفحته عبر موقع "فايسبوك"، قبل أن تسحبه يد السّرطان السّوداء بخبثٍ من حضن عائلته وأصدقائه وأحبّائه، فرحل حسين تاركًا حزنًا كبيرًا يفطر قلب أمّه التي لن تستطع أن تحتفل بعيد ميلاده الثاني والعشرين والذي يُصادف بعد أشهرٍ قليلة.
"بدّي ارجع عالضّيعة"، هذا الحلم الصّغير كان كلّ ما أراده حسين أن يتحقّق وهو على فراش الموت في مستشفى الجّامعة الأميركيّة البعيد عن قريته – الذي كادت تكلفة العلاج فيه أن تُجبر والد حسين على بيع منزل العائلة دون أدنى تردّد، متعلّقًا بخيوط أمل واهية علّه ينقذ فلذة كبده، هذا بعد أن دفع "ما فوقه وما تحته" في الشهور الأخيرة الماضية. ولعلّ حُلم حسين بالعودة إلى الضّيعة قد تحقّق، ولكن بطريقة أخرى، فقد عاد الشاب العشريني إلى "حوش الرّافقة" ولكن ليُدفن في ثراها، بعد أن زفّه أصدقاؤه محمولًا على أكتافهم، ونثرتْ عليه نسوة القرية الورد والأرز في عرس الوداع.

رفاق حسين وكثير من الأهالي "على قناعة" بأن المسبب الأول لمرضه هو تلوث نهر الليطاني، ف"أعداد المصابين بالسّرطان تتزايد يومًا بعد يوم بشكل هستيري، هذا ما يؤكّده رئيس بلديّة "حوش الرّافقة" عادل يزبك قائلًا "أنا أيضًا توفّي ابني الشّاب علي بالسّرطان، ضيعتنا منكوبة بكلّ معنى الكلمة، إنّنا ندفن شبابنا واحدًا تلو الآخر". ويقول: "لم يعد أهالي الحوش قادرين على تحمّل الرّائحة النتنة التي تفوح من النّهر، فتلوِّثُ هواءنا وتخنق صدورنا، ولاشكّ أنّ مياه الآبار ملوّثة أيضًا، خاصة في البيوت القريبة من النّهر،" ويخُتُم "منذ مدّة فتحت "الحنفيّة"، وكان لون المياه أصفر ورائحتها كريهة".

ربّما أراد حسين أن "يجعلها ثورة تحت التّراب"، ولكنّ أصدقاءه وأهالي قريته قرّروا أن يجعلوها ثورة فوق التّراب لا تحتها، إذ دعا أصدقاء حسين بالتّعاون مع فعاليّات القرية إلى اعتصام حاشد يوم الأحد "لرفع الصّوت ضد إهمال الدّولة وتقصير النّواب المنتخبين في المنطقة اتجاههم"، هذا ما أكّدته الشّابة سيلين زريق قائلة: "على كلّ من حضر مأتم حسين أن يُكمل واجبه ويحضُر إلى الاعتصام يوم الأحد...ماذا ننتظر؟ من سيوقف المزارعين الذين يروون المحاصيل التي نأكلها من مجرور الليطاني؟ هل نبقى على صمتنا إلى أن يبيد السّرطان قريتنا؟". أمّا الشّاب وسيم شحادة فقد كتب على صفحته "الفايسبوكيّة": "مآسي هذه القرية برسم السّلطة السّياسيّة والأحزاب أوّلًا، وسكّان القرية المستكينين للظلم ثانيًا، نحن نخسر كل يوم عزيزًا علينا، متى سنستفيق؟ عيب والله!"

ويعود الناشط علي أحمد يزبك، الى مشروع وزارة الإسكان عام 1986 الذي "نتجت عنه هذه الكارثة البيئيّة الإنسانيّة"، شارحًا: "بدأت الأزمة عندما قامت وزارة الإسكان بمدّ مجاري الصرف الصحيّ من عشرات القرى بإتجاهِ مجرى الليطاني، على أن تُنشئ ثلاث محطات لتكرير المياه في حدث بعلبك، وسرعين الفوقا، والفرزل، ولكنّهم حوّلوا مياه الصرف الصحي نحو النهر"، "وهيدا وج الضيف"، ويُكمل: "هناك الكثير من المعامل المعروفة جيّدًا والتي ترمي نفاياتها السّامة في النّهر، ومن بينها معمل ألبان غني عن التعريف مجاور لقريتنا، حيثُ يعلم الجّميع أن محطّة التكرير الخاصة به متوقّفة عن العمل من أجل توفير المال على حساب الناس وصحّتهم... وهناك الكثير من المعامل على شاكلته، ولكن ما دام لبعض النافذين أسهم وحصص فيها، فلن يسائلها أحد".

من هنا، دعا شباب وأهالي "حوش الرّافقة" كل أصحاب الضمير والإنسانيّة والفعاليات في القرى المجاورة لمشاركتهم في الاعتصام الذي سيُقام عند مفترق البلدة يوم الأحد السّاعة 12 ظهرًا، مباشرة بعد الحفل التأبيني الذي سيقام بمناسبة مرور أسبوع على وفاة الشاب حسين علي الكيّال.

الجّدير بالذّكر أنّ هذا الاعتصام ليس الأوّل، فقد قام أهالي حوش الرّافقة بسلسلة احتجاجات بدأت منذ أعوامٍ مضت ولاتزال مستمرة حتى اليوم. ولاشكّ أنّ مفترق قرية "حوش الرّافقة" يذكر جيدًا تلك الإعتصامات، شاهدًا على حرقة الأهالي وصراخهم النابع من صميم قلوبهم، تمامًا كما يذكر المسؤولين الذين لم يزوروا هذه القرية اليتيمة إلّا في مواسم الإنتخابات التعيسة، ليُمطروا أهلها بالكثير من الوعود الكاذبة، دون أن يعلموا أنّ ضحايا السّرطان وآخرهم حسين، سيبقون وصمة عار على جباههم السّوداء.

   

اخر الاخبار