خطبة الجمعة [إشاعة الفاحشة] لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي
تاريخ النشر : 29-03-2019
"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"

خلق الله سبحانه الإنسان، وبيّن له جميل الأفعال، وجميل الصّفات، وأمرهُ أن يتخلّق بها، ونهاهُ عن مساوئ الأقوال والأفعال، وحذّرهُ من إتيانها، وأمرهُ بتحصين نفسه ومجتمعه عن القبائح والرذائل، حتى لا تشيع الفاحشة، فيُفسد الإنسانُ حينئذٍ دنياهُ قبل آخرته، وقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على محاصرة الفواحش بشتّى أنواعها؛ من خلال منع إشاعتها، والنهي عن الاقتراب منها، والفاحشة هي الفعل المُتناهي في القُبح،وبتعبير آخر هو العمل المُنكر الذي يستقبحه المجتمع، إلا أنّ قبحها ذاتيّ، بمعنى أنه لا يتوقّف على معرفة المجتمع به، من هنا قال تعالى" قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"،وقد تحدّث القرآن الكريم عن بعض مصاديق الفاحشة، فقال تعالى " وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيل " .

وفي مقابل المنع من الاقتراب من الفاحشة والتحذير من ذلك، وعد النبي (ص) من اجتنبها بثواب عظيم، فعنه (ص): من عرضت له فاحشة أو شهوة، فاجتنبها من مخافة الله عزّ وجلّ، حرّم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الأكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ " .

فالفواحش هي كل ما حرّمه الله تعالى ونهى عنه؛ بصغائر الذنوب حتى كبيرها، قال تعالى " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " .

الشيطان يأمر بالفواحش ويُزيّنها للإنسان، ويُحبّبها له، والله سبحانه يحذّر الإنسان منها، قال تعالى "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " وقال عزّ وجل " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " وقال أيضاً " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " .

وقد جعل الله الحدود لبعض كبائر الأعمال؛ ليرتدع الإنسان عنها خوف عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، فجعل وشرّع بأنّ القاتل يُقتل، والزاني المُحصن يُرجم حتى الموت، وجعل عقوبات لشارب الخمر والسارق وغيرهما، وأنّ مصيرهم في الآخرة إلى النار " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ "، وقد تحدّث القرآن عن عذابات أوقعها الله سبحانه في العصاة من أهل الدنيا، من خسفٍ وريحٍ وغيرهما، قال تعالى" فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ " .

إنّ قبح الفاحشة لا ينحصر بفعلها فقط، بل يشمل الحديث عنها وإشاعة حدوثها بين الناس، لأنّ ذلك يؤدّي إلى أمرين:الأوّل: الانتقاص من كرامة الإنسان العزيز، وهذا يكون في الحديث عن المؤمن الآخر بأنّه ارتكب فاحشة، وفي حديث المؤمن عن نفسه أنّه ارتكب فاحشة.الثاني: تهديد درع الحياء الاجتماعي، فإنّ الحديث عن حصول الفاحشة وإفشاء ذلك ونشره يساعد في ضعف المناعة في المجتمع، ويقلّل من استعظام الفواحش.

فالله سبحانه نهي عن الفواحش وحرم إشاعتها، وفي المُقابل أمر بالستر والتستر على العاصين؛ بُغية إصلاح من تصدر منه هذه الفواحش، فهذا التشريع سياج منيع وعلاج ناجع، بُغية تجفيف منابع الفواحش، حتى لا تراها الأعيُن، ولا تسمعها الآذان، ولا تلوكها الألسن، وفي الحديث عن الفضيل أنّه قال للإمام موسى الكاظم (ع): جعلت فداك، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله عن ذلك فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمد، كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسَّامة، وقال لك قولاً، فصدّقه وكذِّبهم، ولا تذيعنَّ عليه شيئاً تشينه به، وتهدم به مروءته، فتكون من الذين قال الله في كتابه " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، ومن باب تطبيق ما ورد في الآية ورد عن الإمام الصادق (ع): من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو ممن قال الله عز وجل" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ".وورد عن النبي (ص):

من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن عيَّر مؤمناً بشئ لم يمت حتى يركبه .

من هنا دعا الإسلام إلى أن يستر المؤمن ما يفعله من الذنوب عن الناس، ففي روضة الواعظين في مقام الحديث عن منن الله تعالى في الإسلام أنَّ من يرتكب من المسلمين الخطيئة "ويخفيها عن الأبصار فيطلع عليه ربّه، فإنَّه تعالى يقول للملائكة: عبدي قد ستر ذنبه عن أبناء جنسه لقلّة ثقته بهم، والتجأ إليَّ، لعلَّه تتبعه رحمتي. أشهد أنى قد غفرتها له لثقته برحمتي، فإذا كان في يوم القيامة وأوقف للعرض والحساب يقول (أي الله تعالى) عبدي: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وانا الذي أستره عليك اليوم" .

للأسف الشديد واقعنا مر، ويندى له جبين المؤمن من كثرة ما في زماننا من الفواحش، والأعظم منها كثرة المروّجين للفواحش، والتي أصبحت الآن على وسائل الإعلام الواسعة الإنتشار؛ من قنوات تلفزيونية ومجلاّت ووسائل تواصل، تكاد تتيقّن بأنّ وراء هكذا برامج مؤامرات خبيثة تستهدف الواقع الإجتماعي المُحافظ للبيئة الحاضنة للمقاومة، فهكذا برامج تُسهم بطريق غير مباشر في نشر الفساد بين الناس، ولجعل هكذا فساد ظاهرة اجتماعية ينبغي تقبّلها كواقع، من أجل أهدافٍ شيطانية وسياسية، لتسهل السيطرة على المجتمع، وللمساهمة في انحرافه عن دينه ومبادئه .

فعلى المعنيين التنبّه والحذر؛ حرصاً على الأجيال الصاعدة التي تعيش همّ البطالة، فترى بأنّ الفواحش هي السبيل الوحيد لتلهّيها، ومن الفواحش الفتّاكة بالمجتمع المخدّرات التي يروّجونها بأسعار شبه مجّانية؛ بُغية إفساد الأخلاق، فبانعدام الأخلاق يتفسّخ المجتمع، فيتفرّق ويضعف، قال الشاعر:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ *** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وقال آخر:

وَإِذا أُصـيـبَ الـقَومُ في أَخلاقِهِم *** فَـأَقِـم عَـلَـيـهِم مَأتَماً وَعَويلا

من هنا جاء التهديد والوعيد الإلهي منصبّاً على مرتكب الفاحشة وعلى من يعمل على إشاعتها، بل أكثر من ذلك؛ فقد أوجب الله سبحانه على من ارتكب الفواحش أن يستتر، في الحديث: إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا . وأيضاً حرّم حتى على مرتكبها الحديث عنها في مجالسه وبين أصحابه، بل الواجب عليه أن يتوب عنها ويترك أمرها إلى الله سبحانه ليغفر له، وقد قيل: إذا قمتم بالمعاصي فاستتروا؛ حتى لا تشيع الفاحشة .

وإلى الممثلين السياسيين عن بيئتنا الحاضنة للمقاومة نتوجّه؛ بأن يسعوا إلى تفعيل قوانين الإعلام المقرّرة في الدستور اللبناني، وأيضاً عليهم أن يسعوا إلى تشريع قوانين تُلزم الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب بعدم المساهمة في كلّ شيء يؤدّي إلى تهديد الجسم الإجتماعي وتفتيته .

إننا نشيد بالإجماع الوطني الذي شهدناه في الآونة الأخيرة خلال زيارة الفتنة التي قام بها وزير خارجية أمريكا، متمنين أن تنسحب أجواء الوحدة والإجماع على باقي الملفات خصوصا الاقتصادية والإصلاحية.

إننا نناشد الجميع المضي في دفع عملية الإصلاح إلى الأمام، لأن الوضع اللبناني بات مكشوفاً، ولم يعد يتحمل أي صفقة فساد أو محسوبيات.

‘ننا نطالب السياسيين الذين أودعوا أموالهم في الخارج بإعادتها، لدعم الاقتصاد اللبناني، وتهيئة فرص عمل للشباب مؤكداً أن هذه الأموال هي أموال الشعب، وهذا أضعف الانتماء للوطن.

ومن جهة أخرى ندعو إلى وضع قانون إعلامي يبعد وسائل الإعلام عن إثارة النعرات والفضائح والآفات التي تسيء للبنان وللأجيال الشابة فيه.

وبمناسبة يوم الأرض نرى أن الشعب الفلسطيني بمقاومته ووحدته سيعيد الأرض إلى أصحابها، وما يجري في فلسطين من انتفاضة وردع للعدو خير دليل على فشل المطبعين والمنادين به في إنهاء للقضية الفلسطينية عبر ما بات يعرف بطعنة القرن، التي تقابل بطعنات وعملية فردية فلسطينية شجاعة.

ونختم منددين بتصريحات بعض العرب الداعية للتطبيع مع الكيان في وقت يتوسع الكيان وبدعم أمريكي كامل لتضاف أراضٍ عربية إلى الكيان ضاربة كل قوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

   

اخر الاخبار