بين وعدَي بلفور وترامب: فلسطين عصيّة
المصدر : جريدة الأخبار
المصدر : جريدة الأخبار
تاريخ النشر : 15-05-2019
ربما لا يعدّ الفلسطينيون سنوات نكبتهم في ظلّ عيشهم إياها واقعاً حاضراً لا مجرد ذكرى، لكنهم مضطرون إلى إحصاء ما انتهى إليه واقعهم بعد هذه العقود، ولا سيما أنهم يستشعرون الخطر الكبير على مستقبل قضيتهم جراء القرارات والإجراءات المستقوية بـ«صفقة القرن»، مع أن الأخيرة ليست عملياً إلا ترسيخاً للواقع الذي جهدت إسرائيل لترسيخه، فيما يحاول الأميركي شرعنته دولياً وتوفير تعويض اقتصادي للفلسطينيين عن خسائرهم الكبيرة في الأرض والإنسان والوطن. ولعلّ كبرى تجليّات النكبة، الانقسام الفعلي الذي تشهده ساحات العمل المقاوم: القدس، الضفة، غزة... فلكلّ منها الآن حكايته وتفاصيله، رغم ما يجمعها من إرادة فلسطينية للمقاومة، بغضّ النظر عن وسيلة التعبير والتوقيت



من وعد بلفور إلى وعد ترامب: فلسطين عصيّة
لا يُقلِّل الحديث عن العامل الدولي في نكبة فلسطين وتهجير شعبها وقيام إسرائيل، من أهمية عامل التخاذل العربي في كلّ ما جرى، ولا يزال، على شعب فلسطين. كذلك فإنه لا يعني تجاهلاً للمشروع الصهيوني القائم بذاته، بقدر ما هو محاولة لتسليط الضوء على جانب أساسي من هذه القضية، وتظهير حقيقة أن منشأ كلّ ما عانته وتعانيه فلسطين يعود إلى السياسات الاستعمارية التي احتضنت ودعمت الحركة الصهيونية وإسرائيل، وهو ما يؤكد أن فلسطين هي أيضاً ساحة الاشتباك الرئيسة بين الشعوب العربية وقوى الاستعمار الدولي، التي يشكل الكيان الإسرائيلي إحدى أهم أدواتها في مشروع هيمنتها على المنطقة.
وبنظرة خاطفة إلى أحداث القرن الماضي، يُلحظ أن أهم المحطات التي مرت بها قضية فلسطين ومجمل الصراع العربي ـــ الإسرائيلي كانت بفعل تطورات دولية تركت مفاعيلها على أرض فلسطين ومحيطها، بدءاً من الحرب العالمية الأولى التي أفرزت وعد بلفور، وصولاً إلى وعد دونالد ترامب الذي يهدف إلى انتزاع شرعنة الاحتلال من الشعب الفلسطيني. فمنذ اللحظات الأولى التي تبلورت فيها الحركة الصهيونية، أدرك مؤسسها تيودور هرتزل أن مشروعها لن يرى النور من دون احتضان دولي، وأن هذا الاحتضان لن يتبلور من دون دور وظيفي يؤديه لمصلحة السياسة الدولية ـــ الاستعمارية. على هذه الخلفية، وجّه هرتزل جهوده الأولى لانتزاع هذا الاحتضان، فأجرى اتصالات دولية شملت بريطانيا وألمانيا والدولة العثمانية... وفي نهاية المطاف، لم يأخذ المشروع الصهيوني طريقه إلى التحقق في الواقع إلا بعد تبنّيه رسمياً من قِبَل بريطانيا، ووعد آرثر بلفور، في سياق الحرب العالمية الأولى.
استند المشروع الصهيوني في فلسطين إلى ثلاث ركائز: السيطرة على الأرض، والهجرة، وبناء المؤسسات. ولم يكن لكل من العناصر الثلاثة أن يتحقق من دون الاحتضان الدولي ـــ البريطاني. فهو وفّر المظلة للهجرة اليهودية التي تدفقت للاستيطان في فلسطين، وأدى ذلك إلى بلورة واقع ديموغرافي شكّل البنية التحتية لتنفيذ المشروع الصهيوني. أما الاحتلال نفسه، فوفّر شرط السيطرة على الأرض التي شكلت الحيّز الذي أقيمت عليه المستوطنات. وفي ظلّه، بُنيَت المؤسسات في مرحلة «اليشوف» (الاستيطان ما قبل إقامة الدولة) التي شكلت النواة لقيام إسرائيل. وفي مرحلة لاحقة، أتى قرار التقسيم (181) عام 1947 ليوفر غطاءً دولياً كي يحوّل المستعمرة الصهيونية في فلسطين إلى كيان يهودي دولتي. ومنح القرار الدولي الصهاينة دولة على مساحة 55% من فلسطين، سرعان ما توسعت في سياق حرب 1948 بعد أشهر لتسيطر على 78% من البلد.
مع ذلك، التركيبة الديموغرافية لفلسطين في 1948 لم تكن تسمح بنجاح المشروع الصهيوني، انطلاقاً من أن نسبة اليهود كانت بعد موجات الهجرة المتتالية خلال العقود السابقة (650 ألفاً) تقارب ثلث سكان فلسطين. من هنا، لم تكن عمليات التهجير نتيجة عَرَضية للمواجهة التي حصلت، بل كانت هدفاً قائماً بذاته، ومن دونها لم يكن للكيان الإسرائيلي أن يقوم على أرض فلسطين. والآن، بعد مضي أكثر من 70 عاماً على عمليات التهجير، لا يزال المشروع الصهيوني يواجه تحدي وجود نصف الشعب الفلسطيني على أرض وطنه. في المقابل، يواصل العدو الضمّ الاستيطاني الزاحف، الذي يسبق ويمهّد للضم القانوني. وفي النتيجة الكلية، يظهر أن 82% من أرض فلسطين التاريخية يملكها الآن يهود، أو هي أراضٍ تسيطر عليها إسرائيل.

المخطط الدولي الجديد الذي يستهدف القضية الفلسطينية يحمل في هذه المرحلة عنوان «صفقة القرن»، وهو ما يطرح مجدداً إشكالية يروج لها البعض بأن الفلسطينيين لو وافقوا على قرار التقسيم في 1947، لما واجهوا ما يواجهونه الآن، في محاولة للقول إن عدم الواقعية قبل أكثر من 70 عاماً أوصلت إلى «أوسلو» ثم إلى «صفقة القرن»، وهو ما يضعهم مجدداً أمام التحدي نفسه. لكن الحقيقة التي يتجاهلها أو يغفل عنها البعض، أنّ الحركة الصهيونية اعتمدت سياسة المراحل في سبيل تنفيذ مشروعها. أمرٌ يؤكده المسار التاريخي للحركة الصهيونية منذ تأسيسها عام 1897، وأوضحه مؤسس إسرائيل وأول رئيس وزراء لها ديفيد بن غوريون، وعبّر عن ذلك في رسالة مشهورة له إلى ابنه عاموس قبل نحو عشر سنوات من قرار التقسيم (5/10/1937)، يقول فيها: «لا أشعر إطلاقاً بالإهانة بإقامة دولة يهودية حتى لو كانت صغيرة، أنا بالتأكيد لا أرغب في تقسيم الأرض... أنا متحمس جداً لإقامة الدولة ــــ حتى إن كانت تلزمنا الآن الموافقة على التقسيم ــــ لأنني أرى أن الدولة اليهودية المنقوصة ليست النهاية، وبل هي البداية».
ويوضح بن غوريون الخطة الصهيونية في تحويل الدولة اليهودية على جزء من أرض فلسطين إلى منطلق للسيطرة على كاملها، بالقول: «سنحشد في الدولة أكبر عدد ممكن من اليهود... لا أشك في أن جيشنا سيكون واحداً من أكثر الجيوش تميزاً في العالم، وعندئذ أنا متأكد أنه ما من شيء سيمنعنا من الاستيطان في كل الأجزاء الباقية من الأرض، إما من طريق الاتفاق والتفاهم المتبادل مع جيراننا العرب، وإما بطرق أخرى». هكذا، يتضح على نحو ملموس أن الموافقة الفلسطينية والعربية على قرار التقسيم لم تكن لتنقذ ما بقي من فلسطين، أو تحول دون النكبة التي لم يكن هناك بديل منها بسبب طبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه، بل كانت ستعطي شرعية فلسطينية للكيان الإسرائيلي. كذلك أثبتت التجربة التاريخية أن مسألة «شرعية» الكيان الصهيوني أو عدمها مسألة في غاية الأهمية في الصراع.
من زاوية أخرى، الذين صاغوا قرار التقسيم كانوا يدركون أنه لن يحلّ المشكلة، بل لم يكن قابلاً للتنفيذ حتى لو قبله الفلسطينيون والعرب. والسبب بكل وضوح أنه لا يمكن إقامة الكيان الصهيوني على 55% من مساحة فلسطين وفق ما نصّ عليه القرار، فيما عدد سكان تلك المساحة من الفلسطينيين يكاد يعادل عدد سكانها من اليهود، وملكية الأرض التي بحوزة الفلسطينيين في ذلك الجزء قد تزيد على 90%... وإذا ما دققنا في الموقف الصهيوني، فهو لم يقبل قرار التقسيم، وإنما قبل ما تضمنه من إقامة الدولة اليهودية. وبشكل موازٍ، أعدّ الصهاينة خططهم العسكرية لتوسيع نطاق الدولة، وهو ما حدث لاحقاً وسريعاً.
من أهم ما حققه موقف الرفض الفلسطيني منذ ذلك الحين إبقاء القضية الفلسطينية حيّة طوال هذا الوقت، على رغم الأهوال والمؤامرات التي استهدفتها. ولو وافق الفلسطينيون على قرار التقسيم، لكانوا منحوا الشرعية لكيان استعماري استيطاني عنصري على أكثر من نصف وطنهم، إضافة إلى أن قبولهم كان سيسهّل تحقيق الأطماع الصهيونية في إقامة وطنٍ على كل فلسطين بسرعة أكبر وثمن أقل مما حدث فيما بعد. والبعض يخلط جاهلاً أو متعمداً بالقول إن الانكسارات التي توالت ليست بسبب موقف الرفض، بل لأسباب أخرى ترتبط بإدارة الصراع في المراحل التي تلت. وهو ما بات أكثر وضوحاً في أن فشل المقاومة في ساحة من الساحات، وفي مرحلة زمنية معينة ضد كيان العدو، لم يكن نتيجة خطأ خيار المقاومة، والدليل أنها حققت إنجازات تاريخية واستراتيجية في ساحات ومراحل أخرى.
وكما الحال في كل مراحل الصراع، كان ولا يزال الشعب الفلسطيني محور المخططات الدولية والتآمر «العربي»، لأنه كان وما زال السدّ أمام المنهزمين والخونة الذين يترصدون اللحظة التاريخية الملائمة للانتقال إلى مرحلة التحالف العلني مع الكيان الصهيوني. وما لم ينجح طوال العقود السابقة، في هذا السياق، تسعى «صفقة القرن» إلى تحقيقه في هذه المرحلة التاريخية، لكن ما لم يقبله الشعب الفلسطيني في نكبته، لن يُسلّم به في الوقت الذي تقف فيه إسرائيل مربكة ومقيّدة أمام أقلّ من 2% من مساحة فلسطين: قطاع غزة.

إسرائيل والنكبات المستمرة
دور إسرائيل وحلفائها العضويين داخل الإدارة الأميركية في الدفع باتجاه مواجهة عسكرية مع إيران لم يعد مجالاً للجدل. منذ النكبة عام 1948، لا يمر يوم إلا وتتأكد الطبيعة السرطانية للمشروع الصهيوني للشعب الفلسطيني طبعاً، ولشعوب الأمة العربية والإسلامية أيضاً. فإذا كان الشعب الفلسطيني أول من دفع، ولا يزال، الأكلاف البشرية والمادية الأعظم في مواجهة هذا المشروع، فإن الأخير سرعان ما استهدف بقية شعوب المنطقة ومحاولاتها للاستقلال والتقدم والوحدة. ومع تطور وتعمق علاقاته مع القوى الغربية، وخاصة مع الولايات المتحدة، انتقل الكيان الصهيوني من كونه أداة وظيفية في خدمة المخططات الإمبريالية إلى موقع الطرف القادر، عبر تحالفاته داخل النخب الحاكمة ودوائر صنع القرار، على المشاركة في صياغة هذه المخططات وفي ترجمتها على الأرض. ليس من المبالغة اعتبار الحرب التي شنت على العراق عام 2003 حرباً إسرائيلية أولاً وأساساً، والأمر نفسه ينطبق على التصعيد الحالي ضد إيران. لقد نكب العراق يوم غزته الجيوش الأميركية ــــ البريطانية، ويسعى الائتلاف الأميركي ــــ الإسرائيلي ــــ الخليجي إلى إلحاق نكبة أخرى بإيران، دفاعاً عن إسرائيل في الحالتين قبل أي اعتبار آخر. لا مجال للتوفيق بين التطلعات العميقة والأصيلة لشعوب الأمة، وبين مشروع استعماري استيطاني إحلالي وعنصري كالكيان الصهيوني لا يزال يريد، بالشراكة مع حلفائه الغربيين، الهيمنة الاستراتيجية عليها. شرط نجاح هذا المشروع هو إلحاق نكبات جديدة بالشعوب وبلدانها، وخاصة تلك المستقلة.
التبريرات التي قدمت لتفسير قرار إدارة بوش الابن تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، بدءاً من الجيش والأجهزة الأمنية، بعد سقوط بغداد، اعتبرت في معظمها أن هدف المحافظين الجدد، مهندسي الحرب، كان اجتثاث «البعث». استلهم هؤلاء، طبقاً لهذه التبريرات، تجربة اجتثاث النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وحاولوا تطبيقها في سياق عراقي. لكن ما جرى بعد ذلك من بناء لنظام سياسي على أسس طائفية وإثنية ومن تأجيج وإدارة أميركية للصراع الطائفي لم يترك مجالاً للشك حول الخلفيات الفعلية لقرار «محو العراق». سيطرت الولايات المتحدة على قسم واسع من بلدان الجنوب وعلى ثرواتها بالاعتماد على أنظمة حكم عسكرية وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات. ما الذي منع اعتماد السياسة نفسها في العراق، أي الحفاظ على الجيش والأجهزة الأمنية والدولة المركزية، بعد تطهيرها من القيادات والعناصر الموالية لنظام «البعث» والتحكم بالبلاد وثرواتها عبرهم؟ من الذي صفّى مئات العلماء وآلاف الأساتذة الجامعيين وكوادر الدولة وضباط الجيش ولماذا؟ لم تعد الإجابات عن هذه الأسئلة مجهولة. لقد أشرف «المحافظون الجدد» على تدمير العراق وتسعير الانقسام المذهبي انطلاقاً منه، في طول الإقليم وعرضه، خدمة لإسرائيل. ملايين القتلى والمهجرين، وخراب مقيم، وأحقاد وجراح لا تندمل، هي جميعها من معالم نكبة العراق.
إسرائيل وحلفاؤها العقائديون الأيديولوجيون والدينيون في إدارة دونالد ترامب يريدون لإيران مصيراً مشابهاً للعراق. عندما ينظر جون بولتون إلى لائحة الدول المستهدفة في مشروع إعادة صياغة الشرق الأوسط، سيجد أن غالبيتها كليبيا وسوريا والعراق مدمرة أو شبه مدمرة. دولة وحيدة، موجودة على اللائحة، تمكنت من حماية سيادتها واستقرارها، ومن توسيع شبكة تحالفاتها ونفوذها، هي إيران. وهي من وجهة نظره مسؤولة عن تطوير قدرات محور المقاومة العسكرية والصاروخية كماً ونوعاً، إلى درجة باتت تهدد الأمن الإسرائيلي. النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وحلفاؤها العضويون في الإدارة الأميركية يعتقدون أن الزمن يعمل لغير مصلحة إسرائيل، وأن تأجيل المواجهة يعني إتاحة الفرصة لأطراف المحور للمزيد من تعزيز القدرات، ما قد يجعلها مستحيلة في المستقبل القريب، بل قد يبادر هذا المحور في مرحلة لاحقة إلى فتح الاشتباك مع إسرائيل أملاً بتعديل قواعد اللعبة والمزيد من تحجيم قدرتها على العدوان.
فقدان إسرائيل تفوقها العسكري النوعي وقدرتها على المبادرة في الحرب سيترتب عليه نتائج وخيمة بالنسبة إليها وإلى تحالفاتها الدولية ومشروعها بالتحول إلى قطب علمي وتكنولوجي. هذا الدور الذي تقوم به إيران كافٍ في رأيهم لشن الحرب عليها. من الممكن إضافة أسباب «أميركية» للحرب مثل وزنها الإقليمي المتزايد وتحالفاتها الدولية مع القوى الصاعدة غير الغربية والإنجازات التي حققتها في المجالات العلمية والتكنولوجية، لكن السبب المتعلق بالحفاظ على التفوق الإسرائيلي يبقى رئيسياً.
لقد طردت العصابات الصهيونية الشعب الفلسطيني من أرضه عبر القتل والترويع قبل 71 عاماً، ومنذ ذلك التاريخ تشن الحروب على شعوب المنطقة دفاعاً عنها، وهي لن تعرف الأمن والاستقرار إلا يوم تعود هذه العصابات من حيث أتت.

مشروع «القدس الكبرى»: استكمال النكبة
بينما عكست النكبة الفلسطينية السيطرة الإسرائيلية التامة وغير المفاجئة على ساحل فلسطين وغربها وشمالها وجنوبها، يعكس مشروع «القدس الكبرى» إحكام القبضة الصهيونية على القدس التي تمثّل إضافة إلى قيمتها التاريخية والمعنوية المعهودة القلب الجغرافي للضفة المحتلة، ما يعني مجمل القطاع الشرقي من فلسطين

القدس المحتلة | تحلّ الذكرى الحادية والسبعون للنكبة مع تضخّم هالة «صفقة القرن» الأميركية التي تستكمل واحداً من أكبر مشروعات «استكمال النكبة»، هو مشروع «القدس الكبرى» الذي خطّطت له إسرائيل وشرعت في تنفيذه منذ زمن، بل أنجزت 70% منه بالفعل.
ومثّل «القدس الكبرى» بمتعلّقاته وإجراءاته مرحلة نوعيّة جديدة من الاحتلال للقدس، ترتكز على تغيّرات بنيوية وحضرية وديموغرافية واقتصادية (تمّت غالبيتها) بعد أن عمل الاحتلال منذ 1967 على تغييرات تدريجية على «أطراف» المدينة القديمة ومركزها. تعود جذور المشروع إلى مخطِّط المدن البريطاني هنري كيندال، الذي قدّم عام 1964 مخطَّطاً لتوسيع حدود بلديّة القدس تحت حكم الحكومة الأردنيّة لتصل إلى مطار قلنديا وكفر عقب شمالاً حتى الولجة وبيت صفافا جنوباً، لكن حالت «نكسة 1967» دون تنفيذ المخطّط، إلى أن عاد وصار المرجع الذي يسترشد به العدو لتوسيع حدود القدس.

يمكن القول إن المشروع، الذي من المقرر أن يكتمل رسميّاً بحلول 2020، يمثّل «محصّلة طبيعية» للعمل الصهيوني المركّز والهادئ نسبياً، منذ احتلال كامل القدس، على إقامة امتداد (حضري وسكّاني) وبنية تحتية حول المدينة، وفيها تتناسب والابتلاع الكامل للمدينة، وهو ما يجعله مشروعاً يساعد في تجاوز التعقيدات السياسية المعهودة حول القدس كإحدى قضايا الوضع النهائي، أي بفرض أمر واقع تحت حجج «البناء الحضاري» والتطوير الاقتصادي والسياحي، فضلاً عن أنّ مسألة السيطرة الميدانية محسومة منذ اللحظة الأولى بحكم القوّة العسكرية، ثم جاءت مسألة «الشرعية الدولية» الجاري العمل عليها منذ إعلان الإدارة الأميركية الاعتراف بالمدينة «عاصمة لإسرائيل».
هكذا، كما مثّلت نكبة 1948 ترجمة للحضور السكّاني اليهودي إلى إشغال مؤطّر سياسيّاً واجتماعيّاً للأرض بقوة السلاح، يمثّل «القدس الكبرى» نكبة أخرى تهدف إلى تزويد الكيان الإسرائيلي بـ«عاصمة دولة» يتوافر لها عنصر الأمان بحكم عزلتها الجغرافية عن محيطها بجانب الشرعية الدولية، وليس بالحق المجرّد أو حقوق السكان الأصليين، بل يراهن العدو على طابع «كوزموبوليتاني» للقدس الجديدة الكبرى ينحّي السياسة جانباً، ويقدّم الانخراط في «بيئة اقتصادية اجتماعية مشتركة» كهوية يمكنها جمع سكّان مدينة واحدة على اختلافهم، بناءً على الدور الطبيعي لرأس المال في تشكيل النمط البشري المعاصر.

من هنا، لم يكن التهجير القسري والإزاحة السكّانية للفلسطينيين، في الجهات الأربع حول مركز القدس «خبراً يومياً» أو «إجراءات شريرة» تعكس طمعاً مجرّداً، بل كان خطوات هندسية ومرحلية معدّة سلفاً كفلت تكوين كُتل من المنشآت وإعداد مساحات استيطانية قضمت الامتداد الحضري للمدينة، وضربت طوقاً استيطانياً حول مركزها، وربطته بالأراضي المحتلّة عام 1948، وأخلت قطاعات داخل القدس وفي مركزها لإقامة مستوطنات جديدة على حساب السكّان الفلسطينيين. وعلى سبيل المثال، تُمكن قراءة هدم تجمّع الخان الأحمر السكّاني من زاوية «القدس الكبرى»، وارتباطه بإنشاء مشروع E1 الاستيطاني الذي سيضمّ وحدات وفنادق ومنطقة صناعية، وسيربط الكتلة الضخمة «معاليه أدوميم»، الواقعة شرقيّ القدس المحتل عام 1967، بالشطر الغربي من المدينة المحتلّ عام 1948، أي إنه يشغل القطاع الواقع بين الشطر الشرقي للمدينة والأطراف الغربية لمحافظة أريحا الواقعة شماليّ شرقيّ القدس.
بالعودة إلى «القدس الكبرى»، يهدف المشروع إلى توسيع «بلدية القدس» سكّانيّاً وإداريّاً، لتمتد من مركز المدينة حتى مستوطنة «فيرد يريحو» شرقاً و«عتصيون» جنوباً و«بيت شيمش» غرباً، وكذلك من المركز حتى عيون الحرامية شمالاً، ما يرفع عدد المستوطنين في القدس إلى 150 ألفاً، بالتوازي مع تقليص نسبة الفلسطينيين من 40% إلى 20%، الأمر الذي يعني تحويلهم إلى أقلية تقيم في جزر معزولة. فالمخطط يشمل ضمّ أكثر من 100 ألف مستوطن إلى المدينة، بالتزامن مع إخراج أكثر من 120 ألف فلسطيني، أي ثلث عدد المقيمين فيها من الفلسطينيين.
وتكاملاً مع السيطرة الديموغرافية، يشمل المشروع إقامة شبكات طرق تسهّل حركة وحدات الجيش والأمن على أطراف «المدينة الكبرى» مع تشييد معسكرات ونقط مراقبة وأنفاق وجسور ومحطّات نقل ووقود، ويرتكز على الشوارع الطويلة الملتفّة حول التجمّعات السكّانية العربية لتعزلها وتربط المستوطنات بعضها ببعض ثم مع مركز القدس، فيصبح «المركز» نقطة التقاء شمال «المدينة الكبرى» مع جنوبها والشرق مع الغرب، بالإضافة إلى ارتكازه على الطريق العرضي الكبير الذي يربط المنطقة الصناعيّة، الواقعة قرب مطار اللد، مع المنطقة الصناعيّة في مستوطنة «عطروت». أيضاً من المخطط إقامة مناطق صناعيّة على طول الخط الذي يربط المستوطنات الغربيّة مع الشماليّة ليمتدّ نحو الشرقيّة، ومركزه الأكبر «معاليه أدوميم».
ولا يقتصر «القدس الكبرى» على ربط بؤر استيطانية كبيرة بمركز المدينة مباشرة، وبؤر استيطانية صغيرة بالبؤر الكبيرة (أي أشباه المركز)، بل يؤدي تنفيذه بما يشمله من شبكات طرق متقاطعة إلى فصل جنوب الضفة المحتلة عن وسطها، وعزل القدس المحتلة نهائياً عن باقي الضفة، مع توسيع مساحتها الإجمالية أفقياً لتشكّل جسماً جغرافياً يمتدّ من محيط البحر الميّت شرقاً إلى محيط البحر المتوسّط غرباً، فتصبح مساحة القدس وفقاً لأحد أدبيّات المشروع «أكبر من مساحة العواصم الدولية الكبرى». ويمكن هنا تحديداً فهم أن «الأرض» هي البنية الرئيسية للمشروع، فهي العامل السابق لتجميع السكّان الصهاينة عليها في تكتّلات اجتماعية تمثل «الخام» الذي اشتغل عليه الذهن الصهيوني المخطِّط لخلق حيّز مديني يبدأ بإزاحة أصحاب المكان وساكنيه، ويكفل مجاله الحيوي نفيهم نحو الأبعد، وهي إزاحة أكثر «نوعيّة» وتركيباً من التي شملتها النكبة بمعناها العام القائم على التهجير.

غزة محور التفاعل الشعبي وآخر السلاح الفلسطيني
بعد 71 عاماً على النكبة الفلسطينية، لم يبقَ عملياً للفلسطينيين أي مكان سوى قطاع غزة يحملون فيه سلاح المقاومة بصورة عملية، بعدما عادت حالة المقاومة في الضفة المحتلة إلى ما كانت عليه في بداية انتفاضة الأقصى، جراء الحملات الأمنية المكثفة بيد العدو الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، فضلاً عن منع دول الطوق، الفلسطينيين، من الانطلاق في عمليات ضد إسرائيل من أراضيها. فمنذ عقد كامل، تواصل غزة تربّعها على رأس المقاومة المسلحة، لكنها في السنة الأخيرة شاركت في التفاعل الميداني في إحياء ذكرى النكبة، لتعود إليها حالة الاشتباك الدائم مع العدو، التي فقدتها شوارع القطاع منذ عام 2005، عام الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات. وجسّدت غزة «ملحمة» كبيرة في إحياء «النكبة» العام الماضي، عندما استشهد 63 فلسطينياً خلال أربع ساعات من ذلك اليوم.
وعلى رغم ارتكاب العدو، العام الماضي، مجزرة كبيرة، يستعد الغزيون اليوم، ضمن فعاليات المسيرة، للتظاهر على طول حدود القطاع. ولعلّ غزة تتمتع بخصوصية كبيرة جعلتها تفرض نفسها في مواجهة العدو وإحياء ذكرى النكبة؛ لكون حالة الاشتباك مختلفة فيها، إذ سرعان ما تتحول المواجهات الشعبية والفعاليات إلى عسكرية، تنتقل على إثرها المواجهة لتصير ورقة ضغط حقيقية بات يراها الاحتلال تهديداً لجبهته الداخلية، بفعل ما تملكه المقاومة من قدرات عسكرية جديدة، ظهر جزء منها في الجولة الأخيرة مطلع الشهر الجاري.
هكذا، صار القطاع الجبهة الأبرز التي يستعد لها جيش العدو بصورة مكثفة على طول المنطقة الحدودية، خشية اقتحامها بأعداد ضخمة من الفلسطينيين، مع أن تفاهمات تهدئة خلال العام الجاري تنصّ على عدم اقتراب المتظاهرين من الحدود لمسافة تقلّ عن 300 متر. مع ذلك، دفعت الخشية الإسرائيلية هذا العام، الجيش، إلى تكثيف استعداداته، ولا سيما مع ذكرى النكبة، والذكرى السنوية الأولى لنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالمدينة «عاصمة لإسرائيل». وتبرّر المستويات الأمنية في تل أبيب هذه الاستعدادات بأنّ «إسرائيل لا تعرف بعد ما إن كان من المتوقع أن ينظّم الفلسطينيون مظاهرات عنيفة أكثر من المعتاد قرب السياج الأمني أو سيقومون بأنشطة أخرى... القيادة الجنوبية في الجيش لا تنوي المخاطرة»، كما نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية.
على الصعيد الداخلي، أعلنت الفصائل في القطاع الإضراب العام اليوم (الأربعاء)، فيما دعت «الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار»، في أكثر من بيان خلال الأسبوع الجاري، إلى «النفير العام من أجل أوسع مشاركة في المسيرات في مخيمات مسيرات العودة الخمس». إلى الآن، الخوف سيّد الموقف على حدود غزة من عودة الفلسطينيين إلى أرضهم، سواء بفعل شعبي كما يحدث ولا يزال في «مسيرات العودة» منذ عام، أو لاحقاً عبر عمليات قد تنفذها المقاومة من الأنفاق الهجومية التي بنتها خلال السنوات الماضية، وهذا الخوف ترجمته إسرائيل بإقامة أكبر جدار تحت الأرض وفوقها بتكلفة فاقت ملياراً و300 مليون دولار.

   

اخر الاخبار