الشيخ حسين إسماعيل : الإمام علي عليه السلام واستنهاض الأمة
تاريخ النشر : 30-05-2019
لا يمكن لحياة الإنسان أن تستقر من دون عملية إصلاح تواكبها، لأن حياة الإنسان معرضة للإنحراف دائما، وهي بطبيعتها تميل إلى السوء وإلى الإفساد في الأرض، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع، والتاريخ البشري خير شاهد على تضمنه للصفحات السوداء المليئة بالفساد والظلم والقتل ونشر العقائد الفاسدة ، لذا لا بد أمام ظاهرة الإفساد في ساحة البشر من وجود حركة إصلاحية مضادة، حتى تستقر حياة الناس والمجتمعات على الإستقامة والخير والصلاح.


والحركة الإصلاحية شبيهة بالدواء الذي هو ضرورة لمعالجة الجسد من الأمراض التي تفتك به، وخاصة أن الجسد لديه القابلية للأمراض، والأسباب التي تدفعه للمرض كثيرة ، لذا لا بد من وجود الدواء والعلاج والطبيب، كما لا بد للإنسان من الابتعاد عن العوامل التي توقعه في شر الأمراض التي تتربص به، والله تعالى أرسل الأنبياء عليهم السلام من أجل الإصلاح وترسيخ العدالة ومعالجة المجتمعات من الأمراض العقائدية والسلوكية، حتى أنه تعالى قرن الإيمان به بعملية الإصلاح في الأرض، لذا كان المؤمنون هم المصلحون في الأرض، والله تعالى تحدث في كثير من الآيات عن الإصلاح، والتدبر في هذه الآيات الشريفة يدعونا إلى الانخراط في العملية الإصلاحية، وهذه بعض الآيات :

الهدف من بعثة الأنبياء إقامة العدل والحق

الآية الأولى : وهي قوله تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) سورة الحديد 25، تحدث الله تعالى في هذه الآية عن الهدف من إرساله للأنبياء عليهم السلام وإنزاله للكتب المقدسة عليهم كالتوراة والإنجيل والقرآن، وهو من أجل هداية الناس إلى إقامة القسط فيما بينهم، والمقصود بالقسط هو الحق والعدل، وذلك من خلال تطبيق القوانين والأحكام الموجودة في الكتب المنزلة على الأنبياء ومن خلال الشرائع التي بعثهم الله بها.

والله تعالى أرسل إلينا نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنزل عليه القرآن ووصف تعالى القرآن بالميزان الذي يوزن به الحق والباطل فيفرق بينهما، وبعث الله نبي الإسلام بالشريعة السمحاء من أجل إقامة العدالة على الأرض ورفع الظلم، وهذا يعني أن الله تعالى أراد من المسلمين أن يصلحوا مجتمعاتهم، و أن يصلحوا أيضا المجتمعات الأخرى بهدايتها إلى دين الإسلام.

و نحن نستوحي ذلك من خلال قوله تعالى : ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) ، أي كل الناس وليس بعض الناس، وعليه فرسالة الأنبياء هي رسالة إصلاحية تشمل كافة الشعوب والمجتمعات البشرية على الأرض، لكنه لا يمكن للمسلمين أن ينجحوا في نشر رسالة الإسلام والإصلاح لدى المجتمعات الأخرى، إذا لم ينجحوا في تطبيق رسالة الإسلام في ساحتهم وبلدانهم .

الأنبياء مصلحون في الأرض

الآية الثانية : وهي قوله تعالى : ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) سورة هود 88، تحدث الله تعالى في هذه الآية عن نبيه شعيب عليه السلام وهو يتحدث إلى قومه ، ويذكر لهم السبب الذي دعاه إلى مخالفة قومه،و هو أنه رآهم مفسدين ومنحرفين عن الحق، وأراد أن يصلحهم ويهديهم إلى خيرهم وصلاحهم بما كلفه الله تعالى به ، وتحدث نبي الله شعيب عليه السلام أنه مستمر بمسيرة الإصلاح ضمن استطاعته وضمن قدرته (مَا اسْتَطَعْتُ ) .

و تشير الآية إلى أن الله تعالى لم يكلف الأنبياء والمؤمنين في الإصلاح فوق قدرتهم، ولكن عليهم أن يسعوا لتطوير عملهم ونشاطهم، وجعله أقدر وأقوى على التبليغ و الهداية، لأن رسالة الإصلاح مليئة بالتحديات والمخاطر و الرفض ، حيث أن للفساد أنصاره و حركاته ومراكزه، و هم يخططون لنشر مؤامرتهم على الشعوب في دفعها إلى الإنحراف .

الإسلام دعوة إلى الإصلاح الإقتصادي والسياسي

الآية الثالثة وهي قوله تعالى : (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) الأعراف 85، حدثنا الله تعالى في هذه الآية عن قول ثان لنبيه شعيب عليه السلام لقومه حيث كان يسكن بلاد الشام و فلسطين وكان هناك حركة تجارية قوية داخل هذه البلاد، فدعاهم إلى الإصلاح الإقتصادي بعد أن كان الغش منتشرا بين التجار مما أدى إلى فساد المجتمع .

ونستفيد من قوله تعالى : (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ). أن رسالات الأنبياء ليست مختصة فقط في الجانب العقائدي من حياة الناس، بل هي تشمل كافة الجوانب الأخرى الأخلاقية والسياسة والإقتصادية . ومن المعروف أن الحياة الإقتصادية للشعوب مرتبطة بالجانب السياسي، لذا فالإسلام يدعو إلى الإصلاح الإقتصادي والسياسي . وفي هذه الآية رد على الحركات العلمانية التي تدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، و هو ما لا ينسجم مع الهدف من الدين الذي هو إصلاح حياة الناس في كافة نواحيها.

لذا من هنا نجد أن المستكبرين حرفوا رسالات الأنبياء، وحصروا الدين في العلاقة ما بين الإنسان وربه فقط ، وفصلوا الدين عن الأخلاق والإقتصاد والسياسة حتى يتمكنوا من بسط مؤامراتهم ونشر فسادهم، فهم أدركوا أن الدين قوة وسلطة تدعو الإنسان إلى التحرر والتحرك للمطالبة بإقامة دولة الحق والعدالة ، لذا حاولوا ابعاد الناس عنه.


الإمام علي عليه السلام والإصلاح

يحدثنا التاريخ عن حركة أهل البيت عليهم السلام الإصلاحية في عصر كل إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وخاصة الحركة الإصلاحية التي قام بها الإمام علي عليه السلام، سيما في مواجهة الفساد الأموي ، حيث تسلط الأمويون على أموال المسلمين وعملوا على نشر سياسة الجور والإرهاب لتثبيت حكمهم وعملوا على نشر المنكرات والمفاسد بين المسلمين

وتحدث الإمام علي عليه السلام وهو يسعى إلى تحريك المسلمين لمجاهدة العصابة الأموية فقال : ( وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) نهج البلاغة خطبة 98. أفصح الإمام علي عليه السلام في خطبته البليغة عن عدة جوانب ، وهو يشرح حال المسلمين في عصر بني أمية، وخاصة في عصر معاوية فأشار إلى عدة أمور هامة، وهي :

أولا :ارتكاب النظام الأموي لكل المحرمات

أشار الإمام عليه السلام إلى شدة جور بني أمية، وسعة انحرافهم الذي شمل ارتكابهم لكل المحرمات، فلم يتركوا محرما إلا وارتكبوه. قال الإمام علي عليه السلام مشيرا إلى ذلك : (وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ )، أي جعلوه حلالا لهم، فقد عمل بنو أمية على تحليل المحرمات وخالفوا بذلك الشريعة التي قاموا باسمها يحكمون، والعجيب أن المسلمين آنذاك بايعوهم ، وكانوا ينادون معاوية بالخليفة ، و قد كان لهذا الواقع الدور الكبير في تراجع الأمة وتأخرها فكيف كان لأمة أن تتقدم في ظل حاكم ظالم .

ثانيا:عمل النظام الأموي على هدم القيم الأخلاقية في المجتمع

أشار الإمام علي عليه السلام إلى أن بني أمية عملوا على هدم القيم والمبادئ الإنسانية في الأمة، حتى انقاد الناس إلى بني أمية مكرهين، قال الإمام عليه السلام مشير إلى ذلك : ( وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ ) فالمقصود بالعقد هو عبارة عن المبادئ الإنسانية والتعاليم الأخلاقية التي ترشد المجتمع إلى الدفاع عن حقوقه، والوقوف إلى جانب بعضه البعض من رفض الظلم والجور، وهذه سياسة يتبعها الحكام ليضمنوا ولاء الناس لهم، فإنهم يعمدون إلى محاربة القيم الأخلاقية التي تزرع في نفوس الناس ثقافة رفض الظلم والتمسك بالعدل، وثقافة نصرة الناس لبعضهم البعض وعدم السكوت عن جور الحاكم.

و قد عمد بنو أمية إلى زرع الخلافات بين المسلمين، ونشر المنكرات بين شبابهم حتى لا تقوم ثورة للمجتمع الإسلامي تطالب بالإصلاح، فعززوا في نفوس المسلمين ثقافة حب الأنا و الذات و عدم ارتباط المسلم بأخيه المسلم و عمدوا إلى نشر ثقافة المجون والميوعة واللهو والغناء، و قد حذر الإمام علي عليه السلام من مخاطر هذه الأساليب، فلم يقتصر دوره فقط على الإصلاح الإداري والمالي بل عمل على الإصلاح الثقافي و من خلال التحذير و الهداية .

ثالثا :الحضارات نتاج العدالة الإجتماعية

تحدث الإمام سلام الله عليه ، وهو يحث المسلمين على النهوض لمواجهة النظام الأموي، على شمول ظلم بني أمية لكل المسلمين حتى الذين كانوا معهم ، فقد استعبدوهم وذلوهم، فلم يكن هناك بيت من بيوت المسلمين إلا و دخله ظلم بني أمية، قال الإمام عليه السلام وهو يشير إلى هذه الحقيقة : ( وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ ) ، والمقصود بقول الإمام ونبا به سوء رعيتهم أن الناس بدأت تهجر البلاد التي حكمها بنو أمية، لذا قل فيها العمران وقلت فيها المدن بسبب ظلم بني أمية وفسادهم وانحرافهم. ومن هنا خسر المسلمون الكثير في ظل الحكام الظالمين، وخاصة النهوض الحضاري لأن العدالة تأتي بالمدنية والعمران والحضارة.

رابعا : الظلم وزرع الخوف من المطالبة بالحقوق

أشار الإمام عليه السلام إلى أن الأمة كانت تعلم بمظلوميتها وتشعر بها ولكن لم تكن لها القدرة على مقاومة حكامها، فهم فقدوا الإرادة على مواجهة الحاكم الجائر بعد أن زرع معاوية الخوف و الجبن في قلوبهم و بعد أن أصبح القتل مصير كل من يعترض على سياسة معاوية . فالناس في داخل نفوسهم كانت ترفض معاوية وتدعوا عليه، ولكن في العلن تمدحه وتثني عليه، لذا قال الإمام عليه السلام : (وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ ) ، حيث لم يبق لا دين ولا دنيا للناس في ظل حكم بني أمية بعد أن فرض الأمويون على الناس ركوب طريق الانحراف والفساد، وأصبح الناس يبكون في داخل بيوتهم ويرفضون الواقع المزري الذي وصلوا إليه .

كان المجتمع يبكي مظلوميته في عهد معاوية، لكن دون أن يعلن عن ذلك، وقد ضرب الإمام مثلا حول سكوت الناس عن مجاهدة الأمويين، حيث قال : ( حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ )، فكان الناس يظهرون البيعة والولاء لحكام بني أمية أثناء حضورهم، لكنهم في غيابهم يسرون الاعتراض على سياستهم.

خامسا : المؤمنون الرساليون أكثر الناس تضحية

تحدث الإمام عليه السلام في خطبته المتقدمة عن أن أكثر الناس الذين يتعرضون للظلم والجور و العناء هم أقرب الناس من الله تعالى تقى وورعا و أحسنهم يقينا و علما بالله ، حيث لا يسمح لهم إيمانهم بأن يسكتوا عن ظلم الظالمين وإفساد المفسدين . قال الإمام عليه السلام : ( وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً ) . فهؤلاء وجدوا في إيمانهم القوة والقدرة التي تدفعهم لأن يقفوا ويعلنوا عن رفضهم للظلم والجور، وهذا يعني أن سبب سكوت الناس وعدم تحركهم لرفض الظلم هو سوء إيمانهم بالله وسوء ظنهم به تعالى، لأنه من يخاف الله لا يخاف من العبد الجائر حتى ولو كلّف ذلك تضحيات.

سادسا :دعوة الناس للإنخراط بالعمل الإصلاحي

دعا الإمام علي عليه السلام الناس إلى الانخراط في المسيرة الإصلاحية و الإقبال عليها ،(فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ). لأن هذه المسيرة هي عافية و كل عافية هي من عند الله و هو لن يعدمها النصر والتأييد مع وجود قيادة إصلاحية حكيمة تقوم بتوجيه الناس ، فإذا جاء النصر من عند الله كان به و سعى المجتمع للحفاظ عليه، وهو عافية عجلها الله تعالى له، وإن تأخر النصر وكان هناك البلاء فلا بد من الصبر والثبات والمواجهة، والله تعالى لن يعدم الصبور على الحق الظفر بالنصر على الباطل في النهاية، لأن العاقبة الحسنة في سنن الحياة والتاريخ هي للمتقين والمصلحين في الأرض .

إن نهج الإمام علي عليه السلام في إصلاح الأمة قام على الجمع بين تحذير الناس من السكوت على الظلم و بين دعوتهم للتحرك الإصلاحي لإسقاطه، و قد أسس الإمام المدرسة الفكرية والعقائدية لهذه الحركة الإصلاحية في داخل المجتمعات الإسلامية على امتداد التاريخ، وهذه الحركة الإصلاحية كما تحدث عنها الإمام علي عليه السلام تستلزم إظهار المظلومية للناس و فضح حكام الجور ، و من ثم استنهاض المؤمنين لتغيير واقع الحال من خلال اللجوء و الدعاء إلى الله لاستحضار العافية و رفع البلاء و الشدة و من ثم الصبر على البلاء والتحديات.

إمام مسجد السيد عبد الحسين شرف الدين في صور

الشيخ حسين إسماعيل

   

اخر الاخبار