الشيخ حسين إسماعيل : الإسلام والحث على العمل الاجتماعي
تاريخ النشر : 08-06-2019
إن من خصائص حياة الإنسان أنه كائن اجتماعي، ومعنى أنه كائن اجتماعي أنه لا يستطيع أن يعيش في هذه الأرض لوحده وبمفرده، بعيدا عن مجتمعه، فهناك متطلبات اقتصادية لحياة الإنسان، لا يستطيع أن يقوم بها بنفسه ولوحده، فتحتاج إلى التعاون للحصول عليها ، كما أن هناك متطلبات نفسية حيث أن الإنسان لا يأنس بالعيش لوحده، ولا يستقر له قرار دون وجود علاقة وتواصل مع أخيه الإنسان.


وحيث أن حياة الإنسان لا تستقر إلا ضمن علاقات اجتماعية، ولا بد من تنظيم هذه العلاقات، والتنظيم يقتضي أن يكون هناك حقوقا وواجبات على الفرد اتجاه المجتمع وواجبات وحقوق على المجتمع اتجاه الفرد، والله تعالى أنزل تشريعا لتنظيم هذه الحقوق والواجبات، لذا جعل جزء من رسالة الإسلام متعلقا بتنظيم حياة الإنسان الاجتماعية، والجزء الآخر متعلق بالعقيدة، وجعل الله هذه الحقوق والواجبات ضمن مسؤولية الإنسان، وجعل تعالى عليها الثواب والعقاب.

ومن التعاليم والمبادئ التي شرعها الله تعالى لنجاح علاقة الإنسان بمجتمعه وجعلها علاقة مستقرة وسليمة، وتؤدي إلى بناء مجتمع مستقيم ومتعاون بعضه البعض على الخير والصلاح، تشريعه لصفة الإحسان إلى الإنسان والمجتمع ، وأيضا تشريعه لصفة تقديم المشورة والنصيحة للمجتمع، وسنتحدث عن هاتين الصفتين، وهما من أهم الصفات الاجتماعية الهامة، والتي لا يمكن لأي عمل اجتماعي أو علاقة اجتماعية أن تنجح بدونهما، وحديثنا عن صفتي الإحسان والمشورة سيكون على النحو التالي :

العمل الاجتماعي أساسه الإحسان

حث الله تعالى في آيات عديدة في القرآن الكريم على أن تكون علاقة الناس الإجتماعية ببعضهم البعض مبنية على الإحسان في القول والعمل، قال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ) الإسراء 7 ، أشار الله في هذه الآية الشريفة إلى قواعد هامة في السلوك الاجتماعي والإنساني، وسنتحدث عنها من خلال العناوين التالية :

حث الله تعالى الناس على العمل الاجتماعي، والذي هو عبارة عن الإحسان إلى المجتمع ، ورغب تعالى به، والترغيب بالشيء هو أسلوب من أساليب الدعوة إليه، فقال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ )، يعني أن الإحسان إلى الآخرين هو إحسان يعود على المحسن نفسه بالنفع والخير، وهذا بحاجة إلى توضيح، كيف يكون الإحسان إلى الآخرين، هو إحسان يعود على المحسن بالذات ؟

بداية نقول أنه لا بد من معرفة ما المقصود بالإحسان ، حتى نعرف كيف ينتفع المحسن بإحسانه ؟ فنقول : بأن الإحسان هو أن يقدم المؤمن على فعل ما فيه خير للمجتمع وخاصة مع حاجة المجتمع إليه دون أن يطلب هذا المحسن مقابلا على إحسانه، مثال ذلك كالمساعدة المالية التي يقدمها الإنسان للفقراء والمساكين، فهذا العمل يعتبر إحسانا إليهم، لكن بشرط عدم استغلاله، وأما الإحسان المشروط بالمقابل فهو في الحقيقة ساقط عن كونه إحسانا.

والإحسان يعود بالخير والمنفعة على نفس المحسن، وذلك لعدة أمور : أولا : لأن الله يحب المحسنين، وهذا أسمى ثمرة للإحسان، فالإحسان يجعل المحسن محبوبا لله تعالى ، لذا وعد الله المحسن بالأجر والثواب والمغفرة على إحسانه، ثانيا : فإن الإحسان يجعل المحسن موضع ثناء وتقدير من قبل الناس على ما يبذله من أعمال الخير اتجاه المجتمع وخاصة تلك الأعمال التي تتطلب تضحيات، وثالثا : فالإحسان يدعو المجتمع إلى مقابلة المحسن أيضا بالإحسان، والوقوف إلى جانبه لا سيما عند الشدائد، رابعا : المحسن يسن في المجتمع سنة حسنة في حيث يدعو الناس إليها، وذلك يكسبه أجرا وثوابا على هذه السنة.

وعليه فالإحسان يساهم في دعوة المجتمع إلى النهوض في التكافل والتعاون وبناء الثقة والأخوة بين الناس، فإذا أردت تعاونا بين الناس فازرع فيهم صفة حب الإحسان والعمل على تجسيده، ثم إن المجتمع الذي لا يوجد فيه محبة بين أهله لا يستطيع أن ينهض بدوره الإنساني اتجاه بعضه البعض، كما أن المجتمع الذي لا ينهض لمساعدة الضعفاء والمحرومين فيه، ويعتبر أنه لا علاقة له بهم، ويحرمهم من إنسانيته، فإن هؤلاء الفقراء والمحرومين سيندفعون لأخذ المواقف السلبية اتجاه مجتمعهم.

الإحسان له مفهوم شامل

إن الله تعالى لم يقيد الإحسان بأي معنى من معاني الإحسان، فهناك الإحسان المادي وهناك الإحسان المعنوي، قال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ) ، فالإحسان في الآية له مفهوم شامل لكل فعل ومعاملة فيها خير للناس والمجتمع، ومن هنا أراد الله لدينه أن يبعث الناس على الإحسان لبعضهم البعض، كما أنه تعالى نهى عن أي عمل يخالف الإحسان ويزرع الغل والأحقاد بين الناس، ويجعل الكراهية في نفوسهم اتجاه بعضهم البعض، وليس ذلك من دين الله في شيء.

ثم إن الله تعالى لم يقيد الإحسان في الآية بطائفة من الناس، فلم يحصر تعالى الإحسان بالمؤمنين، بل جعله يعم كل الناس من مسلمين وغيرهم، باستثناء الأعداء، لأن الإحسان مذموم إليهم وليس هو بإحسان، ولأنه إعانة للعدو على الظلم وهو ظلم بنفسه، فالإحسان إلى غير المسلمين غير الأعداء أمر ممدوح ومطلوب، لأن فيه دعوة لهم إلى الإسلام وترغيبهم بالدخول فيه، بل الإحسان أمر مندوب اتجاه غير المسلمين حتى ولو لم يدخلوا في الإسلام، ويكفي أنه سيرغب غير المسلمين بالمسلمين والإحسان إليهم.

فالإسلام يقف إلى جانب الإنسان الفقير ويدعو إلى مساعدته، وقد تكفل الإسلام بمساعدته، ليعيش حياة كريمة، فالرسول الأكرم قبل أن يبعثه الله بالرسالة، كان يعمل على مساعدة الفقراء والعبيد، فكان يقف إلى جانبهم ويقدم لهم المساعدات، وكان هؤلاء الذي ساعدهم النبي أول الناس إيمانا به وتصديقا بنبوته فقدموا التضحيات في سبيل نصرة رسالته.

أهل البيت (ع) قدوة في الإحسان

إن أهل البيت عليهم السلام هم قدوة كبرى للناس في الإحسان إلى الفقراء والمحرومين، دون استغلال من قبلهم لهذا الإحسان، وشهد الله تعالى لأهل البيت بذلك في قوله تعالى : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) ) سورة الإنسان، فعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم نذروا لله صوم ثلاثة أيام لشفاء الحسنين وقد كانا مريضين، فاستجاب الله لهم وتم شفاء الحسنين، وصاموا الأيام الثلاثة ، وصادف أنه قصدهم عند كل افطار سائل محتاج للطعام، فكانوا يقدمون له طعامهم بأجمعه ولم يتركوا شيئا منه لهم، وباتوا يفطرون على الماء، ففي اليوم الأول قصدهم مسكين، وفي اليوم الثاني قصدهم يتيم، وفي اليوم الثالث قصدهم أسير فكانوا يعطونهم كل طعامهم، هذا مع حاجتهم لهذا الطعام، فأفطر أهل البيت عليهم السلام في الأيام الثلاثة على الماء وقد آثروا المحتاجين على أنفسهم، لا سيما الأسير الذي لا تربطه أي رابطة في الإسلام بل هو مشرك، وقد آثروه على أنفسهم، ولعله أسلم لما رأى من أهل البيت عليم السلام من هذا الإيثار، وخلد تعالى عملهم هذا وجعله قدوة وسنة للناس.

إعالة الفقراء تتقدم على الحج المستحب

حذر الله تعالى الذين لا يحسنون مع قدرتهم عليه ، حيث قال تعالى : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ)، فالذين لا يحسنون إلى مجتمعهم ويستبدلون الإحسان بالإساءة، بعدم معاملته بالقيم الأخلاقية ولا الوقوف إلى جانبه في وقت الشدائد والمآسي، فإنهم سيدفعون المجتمع للتخلي عنهم، حيث سيقع تاركو الإحسان ضحية يوما ما، وكما عاملوا المجتمع بالإهمال فإن المجتمع أيضا سيقابلهم بمثل ذلك، ولن يقف إلى جانبهم، لذا من هنا قال تعالى : ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ)، أي إذا أسأتم بترك الإحسان، فإن ذلك سينقلب عليكم سلبا.

في بعض الأوقات تفقد بعض البيوت الإسلامية المعيل، ولا يكون لها حينئذ معيل من داخل العائلة، لذا حث الإسلام المجتمع الإسلامي على مساعدتها وإعالتها، وتقديم ما تحتاج إليه من مال ومصارفات لشراء طعام وثياب ودواء وتعليم وغير ذلك، وهذا حديث عن الإمام الباقر عليه السلام يدل على أهمية هذا العمل، فإنه قال : ( لئن أعول أهل بيت من المسلمين أسد جوعتهم وأكسو عورتهم فأكف وجوههم عن الناس أحب إلي من أن أحج حجة وحجة وحجة مثلها ومثلها حتى بلغ عشرا ومثلها حتى بلغ السبعين ) الكافي ج 2 ص 195، في هذا الحديث الشريف عدة محطات مضيئة، وهي :

المحطة الأولى : رجح الإمام الباقر عليه السلام العمل الاجتماعي في تقديم مساعدة لعائلة فقيرة ومحرومة على عبادة الحج، وهذا يدل على مدى أهمية التكافل الإجتماعي في الإسلام ولدى الله، كما أن الإمام لا يقصد أن العمل الاجتماعي هو أفضل من الحج الواجب ، بل الترجيح هنا على الحج المستحب، فتكون مساعدة الفقراء والمساكين مقدمة على دفع المال في الحج المستحب، ثم إن العمل الاجتماعي وجه من أوجه العبادة لله تعالى.

المحطة الثانية : أشار الإمام عليه السلام أيضا أنه يريد أن يكف العوائل المحتاجة عن بذل ماء وجهها للناس، بسؤالها لطلب المساعدة، إذ يجب الميسورين أن يسعوا لقضاء حاجة الفقراء دون أن ينتظروا الفقراء يأتون إليهم ويطلبون منهم قضاء حاجتهم.

وهنا ملاحظة هامة وهي أن بعض الفقراء والمحرومين قد يعتادون على الذل وتقبل الاستعباد، ما يجعلهم مهيئين لاستغلالهم من قبل قوى منحرفة ظلامية تقوم بتجنيدهم في مشاريع سياسية تضر بدينهم وبأوطانهم.

الإحسان وقضاء الحوائج

من مصاديق مفهوم الإحسان الإجتماعي السعي لقضاء حوائج الناس، سيما رفع الظلم عنهم بالإضافة إلى الإصلاح بين الناس، فحوائج الناس كثيرة، وورد روايات كثيرة حول الحث على قضاء حوائج الناس، وقبل أن نورد بعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام نشير إلى حقيقة وهي أن حكمة الله قضت أن يحتاج الناس إلى بعضهم البعض، حتى تنشأ من ذلك علاقة اجتماعية مستقرة، ويكون هناك التعاون بين الناس، ويشعر الإنسان أنه بحاجة إلى أخيه الإنسان.

ونذكر الآن بعض الروايات حول الحث على قضاء حوائج الناس، ونورد ثلاث روايات، وهي على النحو التالي :

الرواية الأولى : فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : ( إن المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه، فلا تكون عنده، فيهم بها قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة ) الكافي ج 2 ص196 ح 14، يشير هذا الحديث الشريف إلى حقيقة هامة، وهي أن الله يهب الجنة والحسنات لمن كان في نيته أن يقضي حوائج الناس حتى لوكان عاجزا لكنه يحاول أن يسعى ويهم قلبه بذلك، وفِي ذلك حث على السعي لقضاء حوائج الناس، فإذا كان الله يهب الإنسان الحسنات لمجرد النية بقضائها، فكيف لو كان قادرًا بالفعل وقضى حوائج الناس، ولعل هذا الحديث فيه حث لأن يسعى المؤمن لامتلاك القدرة على قضاء الحوائج.

الرواية الثانية : وهي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( قال الله عز وجل : الخلق عيالي فأحبهم إلي ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم ) الكافي ج 2 ص 199 ح 10، هذا حديث قدسي، والتعبير بأن الخلق عياله أي أن أرزاقهم بيده وهو يمدهم بما يحتاجون إليه من معاش، وأشار هذا الحديث إلى محبته تعالى لمن يقضي حوائج الناس، وهذا الحديث يكشف عن البعد العقائدي لقضاء الحوائج، ومن المفترض أن يحب الإنسان المؤمن ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه تعالى، فإذا كان الله يحب قضاء حوائج الناس فعلى المؤمن أن يسعى بها لنيل حب الله تعالى.

الرواية الثالثة : وهي عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال : ( إن لله عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة، ومن أدخل على مؤمن سرورا فـــرح الله قلبه ) الكافي ج 2 ص 197، في هذه الرواية ثلاث دلائل هامة، وهي :

الدلالة الأولى : إن الله تعالى سخر بعض الناس لقضاء حوائج الناس، ووصفهم الإمام بأنهم عباد الله في إشارة إلى أنهم أخلصوا العبودية لله، وعاشوا حقيقة الإيمان به تعالى، وهذا يعني أن الإنسان كلما عاش حقيقة العبودية لله كلما اقترب من الناس وأحبهم وسعى في خدمتهم.

ومن هنا ندرك أهمية ربط الناس بالعبودية الخالصة لله، لأنها هي في نفس الوقت ربط للناس ببعضهم البعض، ونسأل هل هذا الحديث يدل على أن الذين لا يعيشون العبودية لله هم لا يسعون لقضاء حوائج الناس ؟ ليس بالضرورة فإن سعوا فهو بدافع الفطرة التي فطرهم الله عليها، ولكن غالبا ما يدفع الكفر والشرك صاحبه إلى استغلال قضاء الحوائج لغايات سياسية ونفعية.

الدلالة الثانية : وهي أن الله تعالى يجازي من يسعى في قضاء حوائج الناس بالأمن من الفزع من أهوال يوم القيامة، والذي يبقى لفترة طويلة من الزمن، لا يعلم قدرها إلا الله تعالى، وما تقدم يدل على أن العمل الاجتماعي سبب من أسباب النجاة غدا يوم القيامة، وعلى الإنسان البصير ألا يفرط به.

الدلالة الثالثة : ذكر الإمام أمرا جميلا في آخر حديثه عليه السلام، وهو أن من أدخل الفرح إلى قلب مؤمن أدخل الله إلى قلبه الفرح، دون تحديد وقت إدخاله، وقد يكون عند موته وقد يكون عند البعث من القبر، وقد يكون يوم القيامة.

ونستوحي مما تقدم أن الإسلام حث على العمل الإجتماعي، وخاصة في موضوع مساعدة الفقراء والمساكين وقضاء حوائج الناس، وجاء وقت الحديث عن الصفة الثانية، وهي من صفات العمل الاجتماعي، وهي تقديم المشورة والنصيحة للناس والمجتمع، ونبدأ حديثنا عن ذلك من خلال ما يلي :

العمل الاجتماعي وتقديم المشورة

من صفات العمل الاجتماعي تقديم المشورة والنصيحة للمجتمع حول أمور تهمه، وخاصة في معالجة المشاكل التي يتعرض لها سواء في قضاياه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو غير ذلك، والمشورة مطلوبة من كل إنسان في المجتمع، وخاصة ممن يمتلك الأهلية في تقديمها، ويجب على المجتمع أن يستمع له ويساعده على إبدائها ، وهي حق له لأن القضايا الاجتماعية تعني جميع الناس، هذا هو الإسلام يشرك الجميع في إبداء الخيارات، ويطلب من الجــميع دراستها قال تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) الشورى 83 .

والمقصود بالأمر هنا في الآية في قوله تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ ) هو المصالح العامة، وليس التشريعات فهي لله تعالى ومختصة به، والمصالح العامة يجب تدارسها بين الجميع، ويجب على ممثلي الناس والمجتمع أن يجلسوا ويستمعوا لمشورة الناس وينقلوها إلى مجالس الشورى الكبرى ، حتى يكون المجتمع شريكا في رسم سياسة المصالح العامة للبلاد، وقد ورد عن النبي صلـــى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )، فالإسلام لا يستثني أحد من الشورى إلا من هو فاقد للأهلية.

والإسلام لا يصادر دور أحد في المجتمع، فيحق لكل فرد فيه أن يبدي رأيه في المسائل العامة، ولكن ضمن ضوابط إسلامية، كما يجب على غيره أن يسمع له، حتى أن النبي أمره الله تعالى بمشاورة المسلمين في القضايا العامة، التي تهم مجتمع المسلمين، قال تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ )، نعم يملك النبي عقلا راجحا، ودوره في الشورى هو تربية المسلمين على مشاورة بعضهم البعض، حتى لا يحاول أحد منهم أن يرفض الشورى ويمارس استبداده، ويفرض سلطته على الأمة، والشورى تمنع الأنظمة الحاكمة من الاستبداد، حتى لا تستأثر في القضايا المصيرية للأمة.

الحكم في الإسلام يخضع للشورى

إن الشورى فيها مناقشة ومحاسبة للآراء ومعرفة الصالح منها من عدمه، والإسلام لم يقدم تفويضا مطلقا لأحد في أن يقود بنفسه المجتمعات، لذا من هنا فالحكم في الإسلام يخضع للشورى، نعم بالنسبة للمعصوم دوره تربية الأمة على تحمل مسؤوليتها، وقد ورد عن الإمام الحسن عليه السلام أنه قال : ( ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم ) تحف العقول ص 233، وهذا الحديث هو من أهم الأحاديث التي يحتاج المسلمون إلى العمل بها، إذ يجب أن يكثروا من مشاورة بعضهم البعض قبل أخذ القرارات.

ولو طبق نظام الشورى في غالب البلاد الإسلامية والعربية بشكل صحيح، لما كان هناك أزمات اقتصادية ولا سياسية، ولا كان هناك فساد، لأن الشورى سلطة فوق سلطة الأنظمة، وتعنى بمناقشة أداء السلطة السياسي ومحاسبتها، وإشراك الأمة في العملية السياسية، وإعطاء مركزية للأمة في السلطة، وجعل كل فرد في الأمة شريك في أداء العملية السياسية، وأي مخالفة فالشورى تملك قرار التجميد والعزل. فالشورى ضرورة لاستقامة الأنظمة الحاكمة، ولا بد من تربية المجتمعات وإعدادها على ابداء مشورتها في كل القضايا التي تتعلق بها، وتغييب الناس عن الشورى يؤدي إلى الاستبداد والتفرد بالقرارات.

ونخلص إلى القول بأن العمل الاجتماعي هو عمل مقدس في الإسلام، وكلما اهتم الناس بالشورى كلما كان العمل الاجتماعي ناجحا ، ولديه نتائج أفضل، لكن تفعيل العمل الاجتماعي بحاجة إلى تأهيل المجتمع على مستوى نشر الوعي فيه بأهمية العمل الاجتماعي وبأساليب وطرق نجاحه، والتعرف عليه من خلال القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، لأن الإسلام ركز عليه ورسم له مناهج، كما تحدث الإسلام عن صفات العاملين في الحقل الاجتماعي، وهذه الصفات لا بد من تربية أبناء المجتمع على حملها وتجسيدها، ونحن تحدثنا عن صفتين، وهما صفة الإحسان وصفة الشورى، وهناك صفات أخرى هامة، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لحمل هذه الرسالة الاجتماعية لأنها لا تنفصل عن رسالة الإسلام.

إمام مسجد السيد عبد الحسين شرف الدين قده – مدينة صور

الشيخ حسين إسماعيل

   

اخر الاخبار