المسيحيون في الإدارة العامة: الدولة المدنية هي الحلّ
المصدر : جريدة الأخبار
المصدر : جريدة الأخبار
تاريخ النشر : 02-09-2019
لا تزال «حقوق الطوائف» في لبنان تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات السياسية. المسيحيون، منذ انتهاء الحرب الأهلية، يشعرون بأنّهم فقدوا «دولتهم» وبأنهم يُعانون من غُبن، فابتعد قسمٌ كبير منهم عن كلّ ما يمتّ لها بصلة. استسهلوا الهجرة، فانحسر عددهم، ثمّ أسسوا قطاعاً خاصاً رديفاً للقطاع العام، فلم تعد المؤسسات العامة تُغريهم. والآن، يأتي من يُعرقل باسمهم تعيينات عامة، بحجة غياب التوازن، من دون الذهاب نحو البحث في أصل المشكلة.
18 مركزاً كانت شاغرة، لوظيفة حارس أحراج، في منطقة دير الأحمر. كم عدد الذين تقدّموا بطلبات توظيف إليها من أبناء قرى دير الأحمر والمحيط؟ «ما حدا قدّم»، بحسب رئيس مؤسسة «لابورا» الأب طوني خضرا، مُضيفاً إنّه «كان سيتم توظيف أفراد، من النبطية، نجحوا في المباراة، لأن أحداً لم يتقدّم من بلدات الدير». لا يقول خضرا ذلك من باب انتقاد تعيين لبنانيين من الجنوب في البقاع الشمالي، ولكن لتظهير مشكلة «انتقائية» المواطنين المُنتمين إلى الطائفة المسيحية، في التقدّم إلى الوظائف الرسمية، «لأنّ الأمر له علاقة بالاختصاصات والوظائف التي يتقدّمون إليها». يُقدّم خضرا الدورة الأخيرة في وزارة الخارجية والمغتربين، كمثال، حين بلغت نسبة نجاح المنتمين إلى الطائفة المسيحية 58.5٪. لكن بالعودة إلى دورات أخرى لملء شواغر في الإدارة العامة، يظهر «الخلل» بالرؤية التي تتمّ بها مقاربة وظيفة «الدولة»، لدى هذه الفئة من المواطنين. عام 2017، نظمت المؤسسة الوطنية للاستخدام مباراة لملء شواغر فيها. عدد الذين قُبلت طلبات ترشحهم من «المسيحيين» لوظيفة رئيس الدائرة الإدارية مثلاً، 122 شخصاً، من أصل 526 قبلت طلباتهم. أما لوظيفة سائق، فمن أصل 104 أشخاص قُبِلَت طلبات ترشحهم، بلغ عدد «المسيحيين» 14 شخصاً فقط. في وزارة الزراعة، بلغ عدد الذين قُبلت طلبات ترشحهم 229 مسيحياً، من مجموع 1841 شخصاً، من بينهم 199 «مقبولاً» مسيحياً لوظيفة حراس أحراج وصيد وأسماك، من أصل 1684 فرداً قُبلوا لخوض امتحان هذه الوظيفة.
«الفرد المسيحي بحاجة إلى أن يتواضع أكثر، فهو لا يقبل بالحياة العادية. كان يُفتش عن الوظائف التي تؤمّن له دخلاً أكبر، يعني القطاع الخاص، بالتوازي مع عدم وجود توجيه وتوعية في المدارس والجامعات، على أهمية وظيفة الدولة»، يقول خضرا. في الإطار نفسه، يتحدّث النائب السابق فارس سعيد، عن أنّه «حين انهارت دولة المسيحيين في الـ 1975، ذهب أبناؤها يبحثون عن دولة. وكما كلّ الطوائف الأخرى، بنوا خلال الحرب مؤسسات رديفة، فتقدّم قطاعهم بتطوره وارتباطه بالغرب، على القطاع الرسمي». التقى الدافع الاقتصادي مع الأسباب السياسية، التي باعدت بين «المسيحيين» والدولة، منذ انتهاء الحرب الأهلية، ودخول الجيش السوري إلى لبنان، «ثم مقاطعة الانتخابات في الـ 1992، التي اعتُبرت محطة مفصلية. بعدها بدأ تراجع الدور المسيحي في الإدارة والدولة»، بحسب الوزير السابق يوسف سعادة. لكنّ القصة لا تقف عند وجود قطاع وظيفي بديل لهم، «بل بسبب الخوف من الخدمة على مساحة الوطن»، يقول سعيد، ذاكراً كيف أنّه ساهم في ما مضى بإدخال «30 شخصاً إلى قوى الأمن الداخلي، لم يبقَ منهم إلا ثلاثة». النائب وهبة قاطيشا مُتفائل: «حين يُصبح هناك دولة جدية، لا ينخرها الفساد للعظم، يتشجع عندها الفرد للعمل في مؤسساتها».
في الـ 1990، كانت نسبة «المسيحيين» الذين يتقدمون إلى الوظيفة العامة 48٪، يقول خضرا. انخفضت النسبة إلى 13.5٪ مع بلوغ عام 2008، «لتعود وترتفع إلى 30٪ حالياً، بسبب التوجيه والإعلان السليم عن الوظائف المتاحة. منذ بداية عملنا في الـ 2008، أمّنا توظيف 9500 شخص في الدولة. عملنا على ردّ المسيحيين إلى الدولة وليس العكس». ولكن إعادة ارتفاع نسبة «المسيحيين» في الدولة لا علاقة لها فقط بالتوجيه والتدريب، فالأزمة الاقتصادية التي تعصف بالقطاع الخاص أدت دوراً رئيسياً بتبدل المعطيات. «أصبح القطاع الرسمي مُنافساً لأرباب القطاع الخاص»، يقول النائب آلان عون، ويُضيف إليه النائب الياس حنكش «ارتفاع المعاشات، نتيجة إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ما شجّع الناس على الوظيفة العامة».
لا تزال «حقوق الطوائف» في لبنان تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات السياسية. المسيحيون، منذ انتهاء الحرب الأهلية، يشعرون بأنّهم فقدوا «دولتهم» وبأنهم يُعانون من غُبن، فابتعد قسمٌ كبير منهم عن كلّ ما يمتّ لها بصلة. استسهلوا الهجرة، فانحسر عددهم، ثمّ أسسوا قطاعاً خاصاً رديفاً للقطاع العام، فلم تعد المؤسسات العامة تُغريهم. والآن، يأتي من يُعرقل باسمهم تعيينات عامة، بحجة غياب التوازن، من دون الذهاب نحو البحث في أصل المشكلة.
18 مركزاً كانت شاغرة، لوظيفة حارس أحراج، في منطقة دير الأحمر. كم عدد الذين تقدّموا بطلبات توظيف إليها من أبناء قرى دير الأحمر والمحيط؟ «ما حدا قدّم»، بحسب رئيس مؤسسة «لابورا» الأب طوني خضرا، مُضيفاً إنّه «كان سيتم توظيف أفراد، من النبطية، نجحوا في المباراة، لأن أحداً لم يتقدّم من بلدات الدير». لا يقول خضرا ذلك من باب انتقاد تعيين لبنانيين من الجنوب في البقاع الشمالي، ولكن لتظهير مشكلة «انتقائية» المواطنين المُنتمين إلى الطائفة المسيحية، في التقدّم إلى الوظائف الرسمية، «لأنّ الأمر له علاقة بالاختصاصات والوظائف التي يتقدّمون إليها». يُقدّم خضرا الدورة الأخيرة في وزارة الخارجية والمغتربين، كمثال، حين بلغت نسبة نجاح المنتمين إلى الطائفة المسيحية 58.5٪. لكن بالعودة إلى دورات أخرى لملء شواغر في الإدارة العامة، يظهر «الخلل» بالرؤية التي تتمّ بها مقاربة وظيفة «الدولة»، لدى هذه الفئة من المواطنين. عام 2017، نظمت المؤسسة الوطنية للاستخدام مباراة لملء شواغر فيها. عدد الذين قُبلت طلبات ترشحهم من «المسيحيين» لوظيفة رئيس الدائرة الإدارية مثلاً، 122 شخصاً، من أصل 526 قبلت طلباتهم. أما لوظيفة سائق، فمن أصل 104 أشخاص قُبِلَت طلبات ترشحهم، بلغ عدد «المسيحيين» 14 شخصاً فقط. في وزارة الزراعة، بلغ عدد الذين قُبلت طلبات ترشحهم 229 مسيحياً، من مجموع 1841 شخصاً، من بينهم 199 «مقبولاً» مسيحياً لوظيفة حراس أحراج وصيد وأسماك، من أصل 1684 فرداً قُبلوا لخوض امتحان هذه الوظيفة.
«الفرد المسيحي بحاجة إلى أن يتواضع أكثر، فهو لا يقبل بالحياة العادية. كان يُفتش عن الوظائف التي تؤمّن له دخلاً أكبر، يعني القطاع الخاص، بالتوازي مع عدم وجود توجيه وتوعية في المدارس والجامعات، على أهمية وظيفة الدولة»، يقول خضرا. في الإطار نفسه، يتحدّث النائب السابق فارس سعيد، عن أنّه «حين انهارت دولة المسيحيين في الـ 1975، ذهب أبناؤها يبحثون عن دولة. وكما كلّ الطوائف الأخرى، بنوا خلال الحرب مؤسسات رديفة، فتقدّم قطاعهم بتطوره وارتباطه بالغرب، على القطاع الرسمي». التقى الدافع الاقتصادي مع الأسباب السياسية، التي باعدت بين «المسيحيين» والدولة، منذ انتهاء الحرب الأهلية، ودخول الجيش السوري إلى لبنان، «ثم مقاطعة الانتخابات في الـ 1992، التي اعتُبرت محطة مفصلية. بعدها بدأ تراجع الدور المسيحي في الإدارة والدولة»، بحسب الوزير السابق يوسف سعادة. لكنّ القصة لا تقف عند وجود قطاع وظيفي بديل لهم، «بل بسبب الخوف من الخدمة على مساحة الوطن»، يقول سعيد، ذاكراً كيف أنّه ساهم في ما مضى بإدخال «30 شخصاً إلى قوى الأمن الداخلي، لم يبقَ منهم إلا ثلاثة». النائب وهبة قاطيشا مُتفائل: «حين يُصبح هناك دولة جدية، لا ينخرها الفساد للعظم، يتشجع عندها الفرد للعمل في مؤسساتها».
في الـ 1990، كانت نسبة «المسيحيين» الذين يتقدمون إلى الوظيفة العامة 48٪، يقول خضرا. انخفضت النسبة إلى 13.5٪ مع بلوغ عام 2008، «لتعود وترتفع إلى 30٪ حالياً، بسبب التوجيه والإعلان السليم عن الوظائف المتاحة. منذ بداية عملنا في الـ 2008، أمّنا توظيف 9500 شخص في الدولة. عملنا على ردّ المسيحيين إلى الدولة وليس العكس». ولكن إعادة ارتفاع نسبة «المسيحيين» في الدولة لا علاقة لها فقط بالتوجيه والتدريب، فالأزمة الاقتصادية التي تعصف بالقطاع الخاص أدت دوراً رئيسياً بتبدل المعطيات. «أصبح القطاع الرسمي مُنافساً لأرباب القطاع الخاص»، يقول النائب آلان عون، ويُضيف إليه النائب الياس حنكش «ارتفاع المعاشات، نتيجة إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ما شجّع الناس على الوظيفة العامة».

   

اخر الاخبار