خطبة الجمعة [الله؛ يُمهل، ولا يُهمل] لفضيلة الشيخ علي ياسين العاملي
تاريخ النشر : 06-12-2019
" وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ "

إنّ من أكبر الذنوب هو ظلم الناس والعدوان عليهم ، والله سبحانه توعّد الظالم كثيراً ؛ كما في القرآن والسنة الشريفة ، وأنه ليس مغفولاً عن الظلم والظالم ، وسينال عقابه في الدنيا والآخرة ، ولحكمةٍ فقد يُمدّ الله له فلا يستعجله بالعقاب ، فقد ترى الكافر والعاصي يسرح ويمرح والمؤمن يعيش الضيق والعوز ، وما ذلك إلاّ لحكمةٍ يعلمها الله سبحانه ، وليمتحن خلقه وليؤمن من يؤمن عن بيّنة ، ضعيف الإيمان قد يُصاب بالتشكيك حينما يرى الظالم والكافر مسيطراً ؛ فيقول : أين الله ؟ أما المؤمن الواثق من ربّه فيصبر ؛ لأنه يعلم أن الله بالمرصاد ، فلا يترك الظالم وظلمه .والظلم الأعظم والجرم الأكبر الشرك بالله سبحانه قال تعالى " وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " وهذا أول أقسام الظلم ، وهو في حقيقته ظلم الإنسان لنفسه من خلال الشرك بالله ؛ وهو الذنب الذي لا يُغفر ، والقسم الثاني من الظلم ؛ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ؛ وهذا أيضاً لا يغفره الله سبحانه حتى يسامح المظلوم ، وهذا الذنب الذي لا يُترك ، والقسم الثالث ؛ ظلم الإنسان لنفسه بمعصية الله سبحانه وارتكاب الذنوب ؛ وهذا الظلم الذي يُترك .والله سبحانه خلق الجنة ترغيباً للناس في الطاعة ، وخلق النار ليردعهم عن الظلم والمعصية ، لكنّ النفس البشرية ضعيفة أمام الدنيا وشهواتها ، وقد يُنسي حبُّ الدنيا الآخرة ؛ فتسقط المحرمات عند هذا الإنسان ، فيقتل ويظلم ولا يلتفت إلى الآيات الكثيرة التي تتحدّث عن الظلم والظالم ومصيره ، وأنه سوف يندم يوم لا ينفع الندم ، عندما يقول المولى سبحانه " احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ " وأيضاً يقول " إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ " إنّ الإنسان المؤمن يخشى يوم القيامة فيصبر على ما هو عليه في الحياة الدنيا ؛ سائراً على خطى رسول الله (ص) والأئمة الطاهرين .

لقد أهلك الله سبحانه قرىً وأمماً بعد أن كان قد أعطاهم في الحياة الدنيا ، قال تعالى " وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ " فالله يُمهل ولا يُهمل ، فيُملي للظالم ثم يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر ، فما يُصيب الإنسان من مصيبة في الدنيا والآخرة فهو بسبب ظلمه ومخالفته ، مع كثرة عفو الله عنه ، مع ذلك تراه في النار ؛ وذلك لكثرة ظلمه لنفسه وللآخرين ، يقول أمير المؤمنين (ع): وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَ تَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى .

إنّ المؤمن يأخذ من نفسه للناس قبل أن يأخذه الله سبحانه ، وقد كان النبي (ص) وأهل بيته (ع) المثل الأعلى للعدل، فكانت سيرتهم وأقوالهم وأفعالهم منارات لمن أراد سلوك طريق الهداية، فهذا الحبيب المصطفى (ص) في سنة وفاته يدعو المسلمين: من كان له حق أو قصاصة عند رسول الله فإنه حاضر لأدائها . فيقوم سوادة بن قيس ويقول للنبي (ص): يا رسول الله لمّا أقبلت من الطائف استقبلتُك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة، فأصاب بطني، فأمره النبي (ص) أن يقتصّ منه، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله .
فكشف النبي (ص) عن بطنه، فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار . فقال (ص): يا سوادة أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله . فقال (ص): اللهم اعفُ عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك محمد .وفي رواية عن أبي بصير قال: دخل رجلان على ابي عبد الله الصادق (ع) في مداراة بينهما ومعاملة، فما إن سمع كلامهما قال: أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم . ثم قال: من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به، أما إنه إنما يحصد ابن آدم ما يزرع، وليس يحصد أحد من المر حلواً، ولا من الحلو مراً، فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما . وقال (ع): من أكل مال أخيه ظلماً ولم يردّه إليه؛ أكل جذوة من النار يوم القيامة .

وأبشع المظالم الاجتماعية ظلم الضعفاء، قال الإمام الباقر (ع): لما حضر علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة ضمني الى صدره وقال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، ومما ذكر أن أباه أوصاه به قال: يا بني اياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً الاّ الله . ثم إنّ الظلم يزيل النعم، عن الإمام علي (ع) أنه قال: الظلم يزلّ القدم، ويسلب النعم، ويهلك الأمم .ومن ظلم سوف يُظلم؛ عن الإمام الباقر (ع): ما من أحد يظلم بمظلمة إلّا أخذه الله بها في نفسه وماله، وأمّا الظلم الذي بينه وبين الله فإذا تاب غفر الله له . يقول صفوان الجمال – أحد أصحاب الإمام الكاظم (ع): دخلت على أبي الحسن الأوّل (ع)، فقال لي: يا صفوان، كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً . فقلت: جعلت فداك، أيّ شيء؟ قال: إكراؤك جمالك هذا الرجل - يعني هارون – قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا لصيد ولا للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكّة، ولا أتولّاه بنفسي، ولكنّي أبعث معه غلماني . فقال لي: يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم، جعلت فداك . فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتّى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم . قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم ورد النّار . قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها . فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني فقال لي: يا صفوان، بلغني أنّك بعت جمالك، قلت: نعم . قال: ولم ؟ قلت: أنا شيخ كبير وإنّ الغلمان لا يفون بالأعمال . فقال: هيهات هيهات، إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى ابن جعفر . فقلت: ما لي ولموسى بن جعفر! فقال: دع هذا عنك، فو الله لولا حسن صحبتك لقتلتك .

إنّ الظلم من السجايا الراسخة في أغلب النفوس، وقد عانت منه البشرية الكثير في تاريخها، ولا تزال ألوان المآسي والأهوال ماثلةً، مما جعل الحياة كئيبة ورهيبة، إنّ الظلم جمّاع الآثام ومنبع الشرور وداعية الفساد والدمار، لأنّ النفس تهوى التسلّط والسيطرة، إلاّ ما رحم الله . ثم إنّ أجسادنا ضعيفة لا يمكنها مقاومة نيران جهنّم التي أعدّها الله للظالمين والمفسدين، فالجسم الذي لا يتحمّل حرّ الصيف؛ كيف لا يترك المعاصي خوفاَ من نار جهنّم ؟! يقول أمير المؤمنين (ع): واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبرٌ على النار، فارحموا نفوسكم، فإنكم قد جرّبتموها في مصائب الدنيا، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه، فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر وقرين شيطان؟.. أعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه؟.. وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته، أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ . إنّ الظالم أبعد الناس عن الله سبحانه يوم القيامة، وإنّ الظالم ليعاقب يوم القيامة وقبلها في الدنيا في نفسه أو في ماله أو في ولده، عن الإمام الصادق (ع): إنّ علياً أمير المؤمنين (ع) قال: إن في جهنم رحى تطحن، أفلا تسألونني ما طحنها؟ فقيل له: فما طحنها يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء الفجرة، والقراء الفسقة، والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة .

إننا نرى أنّ التعاطي مع الأحداث الجارية على الساحة من قِبَل بعض المسؤولين بخفّة وعدم اهتمام يزيد من احتمالات انهيار الوطن اقتصادياً ومالياً . ثمّ إنّ بعض المسؤولين يحاولون ركوب الحراك الشعبي لتحسين مواقعهم التي أفقدهم إيّاها الشعب اللبناني؛ دون الاكتراث لمصالح الوطن والمواطنين .

إننا نلفت نظر المسؤولين اللبنانيين إلى وجوب الوقوف إلى جانب مصلحة الوطن والمواطنين، وعدم الرهان على تدخّل خارجي، لأنّ الخارج يسعى لتحقيق مصالحه على حساب مصلحة البلد، وخير دليل على ذلك تخلّي أمريكا – عبر عقود – عن أتباعها وعدم الاكتراث بهم لصالح أهدافها الاستعمارية في المنطقة . وإنّ مصالح الأوطان لا تُبنى على حسابات الخارج، بل تفرض التخلّي عن كل المصالح من أجل مصلحة الوطن والمواطنين .

إنّنا نتأسّف على الأرواح التي أزهقها الفقر والاهمال، ونناشد المواطنين الاعتصام بحبل الله والاتكال عليه، والالتفات إلى مصلحة وطنهم وأهاليهم، وعدم الانجرار وراء أصحاب المشاريع المشبوهة الذين سبق لهم أن أرسوا قواعد الفساد ونهب المال، ثم نراهم اليوم يتحدّثون عن العفة .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين

   

اخر الاخبار