الحريري متمسّك بشروطه... وإلّا 'يصطفلوا'
المصدر : جريدة النهار
المصدر : جريدة النهار
تاريخ النشر : 10-12-2019
فجأةً أطفئت "البروجيكتورات" عن المرشّحين المفترضين لرئاسة الحكومة، واستقرّت الأضواء على الشخص الذي كان أشبه بمحرّك انفعالات ووجدانيات ملعب السياسة وميدان "الثورة"، صعوداً وهبوطاً، على السواء. إنّه الرئيس سعد الحريري الذي عادت اليه الفراشة مجدّداً لتبشّره بأن الجزء الأوّل من القصّة التي انتهت مع استقالته من الحكومة لأن "ما حدا أكبر من بلدو"، كما ختم كلمته، يتبعه جزء ثانٍ يضطلع فيه الحريري بدور "البطولة" أيضاً. ولا شكّ في أن البلاد دخلت فعلاً أجواء الجزء الثاني من التطوّرات، ويكمن التساؤل الأبرز في الخطوات التي سيبادر الحريري الى اتخاذها في القابل من الأيام. المعلومات الدقيقة التي استقتها "النهار"، تؤكّد أن "بيت الوسط" لا يزال متمسّكاً بموقفه بضرورة تشكيل حكومة اختصاصيين وإلا "يصطفلوا" وليعمدوا الى تنفيذ السيناريو الذي يعتبرونه مناسباً وليشكّلوا اذا أرادوا حكومة من لون واحد.

اذاً لا زحزحة في موقف الحريري حتى الساعة. الكواليس التي تنقلها أوساط مقرّبة منه وعليمة بـ"الطبخة" الحكومية، تشير الى أن الاشكالية الأساسية تتمثّل في معادلة "جبران مقابل سعد" (المقصود هنا وزير الخارجية جبران باسيل). وتؤكّد الأوساط أن "بيت الوسط" لم يتلقف أي ضمانات أو معلومات بأن العهد لا يتشبّث بتوزير باسيل اذا ما عاد الحريري متربّعاً على سدّة الرئاسة الثالثة. وعلى عكس ما يحكى اعلامياً من أن باسيل لا يشترط تمثيله في الحكومة العتيدة، الا أن تعهّدات مماثلة لم يصل صداها الى "بيت الوسط"، وهي أقرب، وفق الأوساط، الى اعتبارها عملية تلطيف للأجواء اعلامياً لا أكثر، وأن العهد لا يزال يتمسّك بشخص باسيل وزيراً الى جانب الحريري. وعليه، فإن تحييد باسيل هو الشرط الاساسي الذي لا تزال تعبّر عنه أوساط "تيار المستقبل" قبل السير في صيغة من شأنها أن تشهد زحزحة في موقف الحريري. وبعبارة أخرى، تقول الأوساط إن "المعطيات يمكن أن تتغيّر اذا ما وصلت أنباء جديدة الى بيت الوسط تشير الى أن باسيل لا يريد دخول الحكومة مع الحريري، وأن تحييد باسيل يعني بشكلٍ أو بآخر أن الوضع بات أقرب الى الحلّ".

الى ذلك، يبدو جلياً أن الحريري أقرب الى قبول مهمّة التكليف، لكن بشروطه. المعطيات ترجّح أن يشهد الاسبوع المقبل تكليف الحريري تشكيل الحكومة الجديدة في ظلّ غياب المخارج الواضحة المعالم. لكن ذلك لا يعني، ودائماً وفق الأوساط نفسها، أن الأمور ذاهبة باتجاه الحلحلة في عملية التأليف. واذا ما استمر الوضع على ما هو، تدخل البلاد في مرحلة جديدة من الأزمة وفق قاعدة أن الحريري هو الرئيس المكلّف الذي لا يتم الأخذ بمسوّدته الحكومية. والأجواء حتى اللحظة تجنح نحو سيناريو شبيه بذاك الذي شهدته عملية تشكيل الحكومة المستقيلة على قاعدة التكليف ومن ثم المراوحة.

والأهم أن الحريري يتطلّع الى تولّي سدّة الرئاسة الثالثة على رأس فريق عمل جدّي خارج منطق المحاصصة، ويكمن التحدي الأبرز في استبدال الوجوه الوزارية التي شكّلت "وجه صحارة" الحكومة المستقيلة عموماً. وهنا يقول أحد الوجوه القيادية في "تيار المستقبل" إن "المشكلة لا تكمن في الوزير باسيل فحسب، بل في الوجوه السياسية التي تمثّل الأحزاب الأخرى أيضاً". ولا تغيب عن المشهد التباينات حول الحقائب الوزارية، وفي طليعتها وزارة الطاقة التي ستكون بمثابة "الست الحلوة" في الوزارة التي يتطلّع الجميع الى الفوز بها.

السؤال الأهم: هل فرص الانقاذ الاقتصادية جدية أمام الحكومة المرتقبة؟ لم يعد خافياً أن الحريري يطلب مهلة ستّة أشهر لتحقيق النتائج المرجوّة، وأن فرص النجاح لا تزال قائمة أمامه. ويتمثل الاعتماد الأبرز في تأمين الدعم من المجتمع الغربي المتعاطف مع لبنان والمتخوّف من تدفّق اللاجئين اليه. وترتبط فرص النجاح، وفق "تيار المستقبل"، بتشكيل حكومة تعطي انطباعا أن ليس هناك سيطرة لـ"حزب الله" ولا يشارك باسيل فيها، ما من شأنه أن يعيد ثقة العرب الى لبنان أيضاً. واذا كانت فرص الانقاذ قائمة، فإن الاصلاح مسألة أخرى تحتاج الى تعاون مجلس النواب، ولا بد لأي مسؤول أن يطرح الأمور بشفافيتها وأن يتحرّر من الشعبوية وأن يصارح الشعب بأن البلاد ستمرّ بسنتين ستشهدان شدّ أحزمة.

ويرى اقتصاديون أن الحلّ يحتاج الى سلطة تنفيذية من كفايات عالية قادرة على جذب الرساميل من دون أن تكون هذه الرساميل على شاكلة ديون ولا بد من الغاء "سيدر". ويعبّر عن هذا الرأي الدكتور ايلي يشوعي في قوله إن "البلاد غنية بالقوانين والتشريعات والطاقات البشرية، ونحن ساهمنا في اعمار المجتمعات وكنا وراء جذب أموال طائلة الى لبنان كقطاع خاص. ولا بدّ من حكومة اختصاصيين تتشكل من كفايات قادرة على الانقاذ بواسطة خصخصة مدروسة. وهناك استشاريون دوليون يمكن الاحتكام اليهم لوضع شروط لتلزيمات الكهرباء والمياه والنفايات والاتصالات والنقل المشترك والطرق السريعة. هذه الاجراءات بمثابة خصخصة من دون بيع، تساهم في توافد المستثمرين من كلّ دول العالم. واذا كان ملف الغاز والنفط يحتاج الى 7 سنوات ليستطيع لبنان الافادة منه، الا أن تشكيل حكومة وتكليف استشاريين دوليين يضع الأمور عند البوصلة الصحيحة، وبمجرّد ضخ 20 مليار دولار تنخفض الفوائد حكماً وتصبح الموازنة متوازنة وتخلق فرص عمل. أما في حال استمرّت المراوحة، فإن الاحتياطات وأموال المصارف في طريقها الى النفاد. الجميع ينقصه الثقة والبلاد تستطيع الصمود على هذه الحال لمدة شهر واحد فقط".

   

اخر الاخبار