مع أزمة الدولار، المرضى متروكون لأوجاعهم و«القتل العمد»: نقص بطاريات القلب وفلاتر غسيل الكُلى، انقطاع أدوية سرطان، المختبرات مهدّدة، وتوقّف عن إجراء الفحوصات الباهظة الثمن !
المصدر : جريدة الأخبار
المصدر : جريدة الأخبار
تاريخ النشر : 14-01-2020
تحت عنوان "اللبنانيون أمام «القتل العمد»"، نشرت جريدة الأخبار سلسلة المقالات التالية:
الشحّ في المُستلزمات الطبية وصل إلى بطاريات القلب والصمّامات وفلاتر غسيل الكُلى، فيما أُقفلت أقسام علاجات السرطان في عدد من المُستشفيات التي تُنازع بدورها. أما الأدوية، وبالرغم من «تطمينات» نقابة الصيادلة ومستوردي الأدوية بشأن «سلامة» القطاع، فإنّ المعطيات تُنبئ بأن تفاقم الوضع الحالي لن يجعله بمنأى عن الأزمة. ما يواجهه اللبنانيون جميعاً، اليوم، هو محاولة موصوفة لـ«القتل العمد»


نقص في بطاريات القلب وفلاتر غسيل الكُلى وانقطاع أدوية سرطان
«كل المُستشفيات، من دون استثناء، تستخدم حالياً آخر ما في مخازنها من أجهزة ومستلزمات طبية. وأي جهاز أو أداة تُستخدم اليوم لا ضمانات بتأمين بديل عنها». هذا ما أكّده لـ«الأخبار» صاحب إحدى الشركات العاملة في هذا المجال، خلافاً لكل محاولات «التطمين» و«امتصاص» الهلع التي تنتهجها بعض الجهات الرسمية المعنيّة بالقطاع الصحي في لبنان.
«تهويل» يمارسه أصحاب الشركات المستوردة التي أعلنت سابقاً أنها استوردت خلال شهر ونصف شهر نحو 5% فقط من حاجات المُستشفيات؟ ربما. لكن كل المؤشرات الحالية تُنذر بتفاقم خطير يطاول بشكل مباشر حياة اللبنانيين الذين يواجهون اليوم محاولة لقتلهم عمداً. فمن أصل سبعة أنواع من البطاريات التي يستخدمها مرضى القلب، ثمة نوعان باتا مفقودين من الأسواق كلياً وفق تجمّع شركات مُستوردي المعدّات والأجهزة الطبية، إضافة إلى شحّ في قياسات «صمّامات القلب» وفي الفلاتر المُستخدمة في غسيل الكُلى. سبق ذلك إعلان التجمع عن نقص حاد في الخيطان المُستخدمة في العمليات الجراحية وانقطاع نوعين من الغاز المُستخدم للتخدير، وإقدام مُستشفيات على الاستخدام المتكرّر لأدوات مخصّصة للاستعمال لمرة واحدة مع ما لذلك من تداعيات خطيرة على المرضى!
من مؤشرات التدهور المتسارع، أيضاً، إعلان جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، في بيان أمس، توقّف العمل في قسم الطوارئ في مستشفى المقاصد «باستثناء الحالات الحرجة التي تستدعي معالجة سريعة والإقامة في المُستشفى لمتابعة العلاج». والسبب «ارتفاع أسعار المُستلزمات الطبية التي يصعب الحصول عليها إلا بكميات نادرة وتسديد معظم ثمنها نقداً، عكس التسهيلات التي كانت تُمنح سابقاً بسبب الشحّ المالي (...)». بذلك، تنضمّ المقاصد إلى مستشفيات أقفلت بعض أقسامها (وخصوصاً غسيل الكُلى ومعالجة السرطان) نتيجة الأزمة المالية والنقدية المُستعرة منذ أشهر. فيما جدّد نقيب المُستشفيات الخاصة سليمان هارون، أمس، قرع جرس الإنذار بالإعلان « أننا وصلنا إلى صلب الأزمة قبل الموعد المتوقّع».

علاجات السرطان في خطر
الأزمة انسحبت أيضاً على أدوية الأمراض المستعصية، وفي مقدمها أدوية السرطان التي يشكو عدد من المرضى من انقطاعها، منذ أسابيع. معلومات «الأخبار» تؤكد أن بعض الأدوية لم يعد موجوداً في السوق، على رغم تطمينات وزارة الصحة، وتطمينات نقيب الصيادلة غسان الأمين، في اتصال مع «الأخبار»، بأن لا أزمة دواء بسبب تطبيق تعميم مصرف لبنان القاضي بتأمين 85% من الاعتمادات بالدولار على أساس سعر الصرف الرسمي على أن يؤمن مستوردو الأدوية النسبة المتبقية من الدولارات من السوق السوداء.
ومن بين الأدوية التي فُقدت دواء puri-nethol الذي لجأ بعض المرضى حالياً إلى تأمينه من خارج لبنان عبر «مبادرات فردية».
طبيب أمراض الدم والتورّم الخبيث يوسف جنبلاط أوضح أن هذا الدواء يُستخدم لعلاج اللوكيميا اللمفوية الحادة، «ويُعتبر علاجاً مُتمّماً بعد انتهاء جلسات العلاج الكيميائي. بمعنى أنه علاج تكميلي مع أدوية أخرى، ويُستخدم على مدى سنة أو سنتين». ويؤكد أن العلاج يبقى ناقصاً إذا لم يتضمن هذا الدواء.

المستشفيات تستخدم آخر ما في مخازنها من أجهزة ومستلزمات طبية ولا ضمانات بتأمين بدائل

دواء sprycell أيضاً بات مفقوداً، «وهو يُستخدم لعلاج اللوكيميا النخاعية المزمنة مُباشرة بعد التشخيص، ولعلاج بعض أنواع اللوكيميا اللمفوية الحادة، وكعلاج رديف للعلاج الكيميائي. يلفت جنبلاط إلى أنه رغم احتمال وجود بدائل لبعض الأدوية، «إلا أنه يُفضّل عادة المُضي في الأدوية التي سبق أن بدأ بها المريض العلاج، فضلاً عن أن هناك أدوية لها الأفضلية لجهة تداعياتها وآثارها الجانبية».

الوكلاء في انتظار السيولة
نقيب مُستوردي الأدوية كريم جبارة أكّد لـ«الأخبار» أن لا أزمة دواء بعد، «لكننا لسنا في مأمن في ظلّ غياب السيولة حالياً وعدم التزام المصارف بتعميم مصرف لبنان». وعزا انقطاع الـ puri-nethol إلى انتقال ملكية الشركة «وهو أمر سابق للأزمة»، أما الـ sprycell «فمن المتوقّع تأمينه خلال أسابيع». وأكّد توفّر الأدوية لدى الوكلاء، «لكن التأخير في التسليم قد يكون سببه التأخير في تسديد المُستحقات للشركات المُصنّعة بسبب غياب السيولة». يعني ذلك أن عجز المرضى عن الحصول على أدويتهم لا يعود إلى انقطاعها لدى وكلاء الدواء بقدر ما هو مرتبط بعجز المُستشفيات والجهات التابعة للقطاع العام (وزارة الصحة والجيش اللبناني) عن شرائها وتأمينها من الوكلاء المحتاجين بدورهم إلى السيولة لتسديدها إلى الشركات المُصدّرة. وهذا ما يدحض ما سبق أن صرّحت به مصادر وزارة الصحة بأن انقطاع الدواء «طبيعي» وسببه «العُطل والإجازات والتأخير في التسليم»!

المختبرات الطبية مهدّدة بالتوقّف
لا نهاية للأزمات في القطاع الاستشفائي. كلما تدحرجت الأزمة المالية والنقدية، كبرت المشاكل في المستشفيات، الخاصة منها والحكومية. وفي كل يوم ثمة ما يستجدّ، ليُنذر بأن الأسوأ لم يأتِ بعد.
أول «غيث» الأزمة الاقتصادية كان باتباع المستشفيات سياسة التقشّف المالي التي بدأت بخفض دوامات العاملين ورواتبهم تالياً. توسّعت تلك السياسة، لتدخل معها المستشفيات نفق «تقنين» في الخدمات، عبر دمج الأقسام الطبية قبل إقفال بعضها والتوقف عن تقديم الخدمات فيها. قبل فترة وجيزة، دخلت الأزمة في المحظور، مع توقف عددٍ من المستشفيات عن تقديم العلاجات الكيميائية لمرضى السرطان، وخفض جلسات غسل الكُلى، بسبب عجزها عن دفع مستحقات شركات الأدوية. ولحقت ذلك معضلة تأمين المستلزمات الطبية والأجهزة، بسبب تراكم ديون مستورديها في ذمة المستشفيات التي لم تتمكن من تسديدها. وبلغ الأمر حدّ تهديد مستوردي تلك المستلزمات لعددٍ من المستشفيات بالامتناع عن تسليمها الكثير من المواد الطبية ما لم تبادر إلى الدفع. وقد وصل هؤلاء أيضاً إلى المحظور، فلا هم قادرون على سدّ حاجات المستوردين من المال، بسبب عدم تقاضيهم أموالهم من الجهات الضامنة منذ ما يقرب العام، ولا المستوردون قادرون على تسجيل فواتير جديدة من دون تسديد ما سبق، لتغطية «نفقات» تعميم مصرف لبنان الذي يفرض عليهم تأمين 50% من قيمة المستوردات بالدولار الأميركي بسعر السوق.
دخلت الأزمة، اليوم، نفقاً أخطر. فالمستشفيات لم تعد قادرة على شراء ما تحتاج إليه من المستلزمات «لأننا مجبرون على الدفع بالدولار الأميركي وهو ما يستحيل الآن»، يقول نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون. وهذا ما انعكس نقصاً فادحاً في المواد التي تُستخدم في غرف العمليات، بداية، من المشارط إلى خيوط الجراحة وغيرها. ومنذ الأسبوع الماضي، تعاني مختبرات المستشفيات نقصاً في بعض المواد المهمة، ومنها «الكواشف» (reactant) وهي الخليط الكيميائي الذي يُستخدم في الفحوص الطبية. وقد وصل النقص في تلك المادة الأساسية إلى حد «استعارة» مختبرات المستشفيات الكواشف اللازمة من بعضها البعض. وفي هذا الإطار، يشير هارون إلى أنه «عم نستقرض من بعض، يعني إذا مختبر مستشفى لا يملك المواد لفحص الكوليسترول يستعير من مختبر مستشفى آخر، إلى أن تحل الأزمة». لكن، على ما يبدو أن الدرب طويل. هذا ما يقوله هارون. وما يجعل هذا الأمر صعباً، هو عدم صرف الجهات الضامنة مستحقات المستشفيات إذ يعود بعضها إلى ثمانية عشر شهراً.

عدد كبير من المختبرات توقّف عن إجراء الفحوصات التي تتطلب موادّ باهظة الثمن

مع ذلك، هي ليست أزمة مختبرات مستشفيات، فالمختبرات الخاصة أيضاً تواجه أزمة مشابهة، وإن بدرجة أقلّ. ولئن كانت نقيبة أصحاب المختبرات، الدكتورة ميرنا جرمانوس، تلفت إلى أن الوضع لا يزال مقبولاً بالنسبة إلى بعض المعدّات «التي نستخدمها ومنها الكواشف، إلا أن الأزمة آتية لا محالة». وقد بدأت بوادرها من خلال توقّف بعض الفحوص المتخصّصة في عددٍ كبير من المختبرات، وهي الفحوص التي تتطلب موادّ معينة أسعارها باهظة الثمن «مثل فحوص الهورمون وفحوص الدي إن إي».
الأزمة آتية في القريب العاجل. تقول جرمانوس. وهي بدأت أصلاً عبر محاولة مستوردي المعدات الطبية فرض مبالغ إضافية بالدولار على أصحاب المستشفيات «لتغطية فارق سعر الصرف». وتشير جرمانوس إلى محاولة أصحاب المختبرات التفاهم مع المستوردين على «تقسيم الخسارة بيننا وبينهم، وعلى ألا نتحمّل وحدنا هذا الثقل».

   

اخر الاخبار