فقيد الشباب والاغتراب تيسير عودي: رجل عصامي مكافح، هاجر ليؤمن حياة كريمة لعائلته، وهذا طلبه الأخير من صديقه في صور
المصدر : عبير محفوظ
المصدر : عبير محفوظ
تاريخ النشر : 09-02-2020
"مرة" هي الغربة مهما حاولنا تجميلها بعظيم مآثر وحافل انجازات.... بسكينها المسنون، تحفر في القلب جرحاً مع كل شنطة يوضبونها، مع كل ذكرى يحتفظون بها بين أغراضهم القليلة، قبل أن ينطلقوا في ذاك الدرب الطويل الى المجهول.... فهم، وان كانوا على علم بوجهتهم، لا يعلمون خيراً من شر ينتظرهم هناك.... لا تحمي أرواحهم التي تغص بدموع الفرقة الا دعوات الأحبة وصلواتهم من أجلهم.... وهكذا هي حياة اللبناني أبداً.... ليزيد القدر من علقم الغربة أسى بوفاتهم بعيداً عن وطنهم، ليحل الخبر الحزين صاعقاً أضعافاً مضاعفة....

صباح اليوم، استيقظت الجالية اللبنانية في ساحل العاج عموماً وفي ابيدجان خصوصاً على خبر حزين.... نوبة قلبية مفاجئة أودت بحياة المغترب الصوري تيسير قاسم عودي (أبو بلال)... مثقلاً بالأسى، وصل الخبر الى مدينته صور... تلك المدينة التي غادرها بطلاً مقاوماً ابن 15 سنة، ابان الاحداث والحرب مع الاسرائيليين في لبنان تحت ضغط المضايقات.... باخرة أمنت تهريبه من ميناء صور، مروراً بعدة محطات بحرية، ليصل الى فريتاون في سيراليون، حيث استقبله ابن خالته ابراهيم بارود، كما يروي صديقه عضو الهيئة الادارية في "يا صور" السيد خليل بواب ....

هناك بدأت رحلة الكفاح والعمل... فـ"تيسير شاب قبضاي وعصامي"، يروي لنا ودموع الحرقة تخنق كلماته..... بدأ عمله كموظف، ثم سعى جاهداً ليؤسس عمله الخاص في ابيدجان ويخوض غمار التجارة.... ساهم الابن البكر لعائلته والبار لوالديه واخوته بدعم اسرته وانتقالهم من لبنان ابان الظروف الصعبة التي عصفت بالبلاد حينها، ثم ما لبث ان اسس عائلته الصغيرة أيضاً، فتزوج من السيدة عفيفة زيات وأنجب أبناءه الأربعة: بلال، اسماء، دانيا، ومحمد. في محل اقامته، لطالما كان مرجعاً للبنانيين وغيرهم ومثالاً يحتذى في دماثة الأخلاق والطيبة، فتآلفت حوله القلوب وأحبته، ولم تدرِ ان ساعة الفراق وشيكة....

على الرغم من هموم الغربة وانشغالاته الكثيرة، ومتابعته لأدق تفاصيل أخوته وابنائه ثم أحفاده، لم تغب "صور" عن باله... بل كان يزورها كلما سنحت له الفرصة، ولم ينقطع تواصله منذ عشرات السنين مع اصدقائه ورفاق الطفولة..... حتى انه قبل أيام، وخلال دردشة معتادة عبر الواتساب مع بواب، تبادلا الصور التذكارية من "أيام الشباب".... فما كان من عودي الا أن طالب صديق طفولته ان ينشرها ويعممها عبر "يا صور"، فأكد له بواب: "ستكون درساً في الوفاء من الزمن الجميل لهذا الجيل"... وانتهى الحديث بوداع على أمل اللقاء ولكن.... كان للقدر كلمة أخرى....

"لم أكن أدري أننا سننشر خبر وفاته قبل نشر الصورة"، بهذه الكلمات الحزينة يختم "أبو حسن" سنوات طويلة من الصداقة مع ابن مدينة صور البار المغترب المحبوب تيسير عودي (أبو بلال).... لا كلمات قد تقال لتخفف وطأة الفجيعة في هذه اللحظات، كل ما قيل ويقال لن يبرد لهيب الحسرة في قلوب عائلة "أبي بلال" وأحبائه، وهم كثر... ولكن في دنيانا هذه، دائماً ما نؤمن أن الطيبين يرحلون باكراً وعلى عجل دون سابق انذار، لتحلق روحهم ملائكية الى الملكوت الأعلى في سلام....

   

اخر الاخبار