اليورو والولايات المتحدة العربية............. بقلم الشيخ علي حب الله
تاريخ النشر : 24-02-2020
المتجه لدى المراقب الراصد للحركات الفكرية والسياسية؛ أو الفكرية ذات الإتجاه السياسي، تسمية القرن العشرين عصر الوحدة، والإتجاهات الوحدوية، على الأقل في أخريات القرن، مقابل تسمية القرن التاسع عشر قرن القوميات إذ هو القرن الذي شهد انتصار حقوق القوميات في الميادين الدولية، وأدى بالتالي إلى تغيير معالم الخريطة السياسية لأوروبا، وقد تمثلت قمة الإتجاهات الوحدوية في طروحات العولمة، الشكل الأمثل الذي اجتمعت، وذابت فيه كل أشكال الوحدة السياسية والإقتصادية.
وإذا أقصينا جانبا تجليات مفهوم الوحدة في المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية، أبقينا تحت مجهر البحث الوحدة كظاهرة إجتماعية، دينية، سياسية، إقتصادية، فإننا نلمس للوحدة جذوراً تاريخية، وإن مفهوم الوحدة بأشكالها الحديثة تدين لتجليات سابقة تعد السلف البدائي لها، وأقدم نص ديني يبين الإرادة الإلهية للوحدة هو ما ورد في القرآن الكريم أثناء عتاب موسى لهارون:{ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)} طه
إننا نلمس من هذه الآية حرصا على وحدة بني إسرائيل، وأن انحرافهم إلى الوثنية لا يبرر التفريط بهذه الوحدة، ولو في نطاقها الضيق هذا بالإضافة إلى جملة من الآيات الأمرة بالاعتصام وترك التنازع {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}آل عمران، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} الأنفال.
إلا أن هناك فرقا بين هذه الوثائق ففي جواب هارون حرص لا على الوحدة الدينية، وإلا اقتضى ذلك محاربة الذين انحرفوا إلى الوثنية بل كان المقصود الوحدة القومية، وبضميمة الوثائق الباقية التي ذكرناها إجمالا افراضا منا باطلاع القارئ على تفاصيلها، يظهر أن المطلب الإلهي للوحدة القومية بين بني إسرائيل إن لم يكن مطلبا مهائيا فهو على الأقل إجراء مرحلي في زمن كانت فيه الوحدة القومية هي الضمان للوحدة الدينية ،والمؤسس لها.
ولدى أي مقاربة وتحليل لمقومات الوحدة القومية ومؤسساتها البنيوية، ثم مقارنتها بالوحدة الإسلامية ومقايستها بها، بعد ذلك بيان المفارقة بين أنواع الوحدة بمفهومها الشامل المتمثل بالعولمة، نرى أن القومية يمكن أن تكون جذعا تاريخيا صالحا لاستنبات وحدة دينية على غرار ما جرى في الإسلام المبكر، حيث كانت الوحدة القومية المتمثلة بالعشيرة والقبيلة والتنظيم السائد للجماعات هو الأساس لنمو الدين والوعي الديني.
إلا أن القومية آنذاك لا تعني أكثر من تكتلات بشرية جماعية، ولم تكن في مستوى الوعي القومي في العصر الحديث، لأن الشكل النظري لفكرة القومية في العصر الحديث ليس عربيا، بل هو مما وفد من الغرب من نظريات وأفكار أنتجها مفكرون غربيون أو ممارسات جماعية سياسية مرت بها الشعوب والدول الأوروبية على مسرح الأحداث في القرن التاسع عشر.
ومع ذلك ثمة أكثر من طريقة للملاءمة بين الفكر القومي في طروحاته الحالية وبين المبادئ الاسلامية لأن الإسلام بوصفه منتوجا عربيا، بمعنى أنه ظهر في بيئة عربية، فإنه يفترض بالفكر القومي العمل على تنشيطه لأن الإسلام قد أكسب العروبة كقومية هوية جديدة مكثفة عبرت عن نفسها بالحضارة الإسلامية.
لقد جعل الإسلام من القوميات مطية ومعبرا بعد أن دمر الحدود بينها دون أن يلغي خصائصها، وجعلها تنفتح على بعضها ارتشافا ومنهلا، حتى أن النزعة الشعوبية لم تتجاوز وسط ذلك حدود الأدب والشعر، وحتى القومية العربية في العصر الحديث لم تنشأ إلا كردة فعل على سياسة "التتريك" التي انتهجنها جمعية تركيا الفتاة.
لكن المنظرين للفكر القومي العربي لا يجعلون من الدين أساسا في تكوين الأمة وبناء القومية، وهم في ذلك إلى جانب كبيرة من المبالغة، وجملة نماذج يذكرونها لا تنفي دور الدين، لا في الحفاظ على القومية فحسب بل في تكوينها، وأذكر هنا النموذج اليهودي فالتاريخ اليهودي حافل بتدمير قوميتهم أبرزها السبي البابلي، ولولا اليهودية كدين لما أمكن لهذه الجماعات أن تستمر بعد انصهار هويتها أو كادت في ثقافات بلاد ما بين النهرين ومصر، لذا رأينا أن المد القومي والترويج للقومية العربية (المد الناصري) لم يؤثر شيئا إزاء العصبية الدينية لليهود العرب، كما أنها لم تعبّر عن نفسها على المسرح السياسي العربي في العقود الأخيرة إلا باندفاعات عاطفية في الشارع العربي، وتنظير لم يتخطّ الصحافة إلا إلى وحدة هشة بين سوريا ومصر وتمزق بين ركني البعث في العراق وسوريا وبين اليمنيين...مع كثير من التشتيت في الخليج والترويج الحاد المجرد للوعي القومي في المغرب العربي.
ومع استذكارنا بأن وحدة اللغة ووحدة الدين يلعبان دورا مهما في بناء القومية "لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع ووحدة الآمال والآلام ووحدة الثقافة، وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة متميزة" لأنهم والحال كذلك أسارى الذاكرة الجماعية، التي تشكل اللغة-لكونها مخزون ثقافة الأمة- المعبّر الوحيد عنها.
مع وعي كل ذلك تبرز الوحدة في الحياة الإقتصادية كأضعف ما تكون لأنها لا تحكي شيئا سوى توافق المصالح والتقاء المنافع، لذا فهي وحدة متزلزلة لا تشاطر شيئا في كيان القوميات وجوهرها.
كيف يمكن الظر إلى بروز الوحدة الأوروبية بين جملة دول أمكن لها تناسي حروبا قاسية جرت فيما بينها في سالف الأزمان، وها قد نجحت مؤخرا في استصدار (اليورو) الوحدة النقدية الموحدة. دول لا تملك لغة واحدة، ولا تاريخا واحدا، ولا مشاعر واحدة، ولا دينا واحدا، إذ يسودها التعدد المذهبي ومع ذلك نجحت في الوحدة بأضعف أشكالها.
بينما الدول العربية من المحيط إلى الخليج تظللها لغة واحدة، وتاريخ واحد ودين واحد...ومع ذلك لا وحدة!!!
أين ترانا نبحث عن جواب لهذه المفارقة؟؟؟
في فقدان الوعي السياسي للأنتلجنسيا العربية صانعة القرار، أم في عقم الأنظمة، أم في غياب الديمقراطية، أم في ضيق الرؤية السياسية للإسلاميين والإسلامويين، أم للاحزاب اليمينية منها واليسارية المنتشرة هنا وهناك على طول العالم العربي.
لماذا لا تتنادى الأنظمة العربية إلى إنشاء فيدرالية عربية (الولايات المتحدة العربية) كإجراء عملي مرحلي أمام تحديات العولمة التي لا نعيش معها مشكلة أيديولوجية فإن لها في النصوص الإسلامية أسسا.
إنما المشكلة معها هو في ظهورها في الوسط الأمريكي الذي يريدها أداة للهيمنة والوصاية على الشعوب، وقد نلمس صورة لها في تاريخ الإمبراطورية الرمانية التي سعت آنذاك لأن تكون روما عاصمة العالم.
وأعتقد أنه يجب علينا التعمق أكثر في العصبية الدينية بمفهومها الخلدوني التي تدخل في تركيب الكيان النفسي والإجتماعي لشعوب الشرق الأوسط والمغرب العربي، فلعلنا نرى أن الإسلام موئلا ومعينا ثرا يبصرنا بما ةراء الآفاق ،عندها ربما نكون أقرب ما يكون إلى الوحدة، الحلم، والأنشودة، والأمل ،بعدما فشلت الكيانات القطرية في تغييبها.

المراجع:
1-تاريخ العلاقات الدولية: د.أحمد الخنساء ط-1-1986.
2-أبحاث مختارة في القومية العربية: ساطع الحصري، دار المعارف-مصر-1964.
3-ما هي القومية: ساطع الحصري، دار العلم للملايين، بيروت ط 1-1963.
4- حول القومية العربية: ساطع الحصري، دار العلم للملايين، بيروت ط1-1961
5- مفاهيم الجماعات في الإسلام: رضوان السيد. دار المنتخب العربي-بيروت-ط-1-1993
6- المؤلفات الكاملة: زكي الأرسوزي، مطابع الإدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة_دمشق 1972
7-مسألة الهوية: الدكتور محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت-ط-1-1995

الشيخ علي حب الله

   

اخر الاخبار