الذنب الذي لا يغفره الله ... بقلم فضيلة الشيخ حسين اسماعيل
تاريخ النشر : 25-03-2020
الإنسان المؤمن والبصير هو الذي دائما يسعى لأن تكون علاقته بالله جيدة ومستقيمة، ويسعى دائما إلى تطويرها وتحسينها ، هذا بالإضافة إلى المحافظة عليها، حتى ينال رضا الله وينال بركات هذا الرضا الإلهي من نعم دنيوية وأخروية، ومن المسائل الهامة في هذا المقام أن يتعرف الإنسان على الأمور التي تسيء إلى علاقته بالله، وخاصة الذنوب والمعاصي، فلا بد للإنسان المستقيم أن يهتم بدراسة الذنوب ومعرفة خصائصها، حتى يزداد بصيرة بمخاطرها ويبتعد عنها ولا يقربها، لأن الإنسان بطبعه لا يبتعد عن الأشياء الخطيرة إلا إذا اطلع على خطورتها، أما مع عدم الإطلاع فإنه قد يقع فيها، وتنال منه الأخطار وتأخذ منه كل مأخذ.

والله تعالى في القرآن الكريم تحدث إلى الناس عن الذنوب والمعاصي التي تغضبه وتجعله يسخط على مرتكبيها، كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد تحدث عن عواقب الذنوب التي تؤدي إلى عذاب الله الأليم ، وكذا الأئمة عليهم السلام من بعده، لذا لا بد في دراسة الذنوب والمعاصي من العودة إلى كتاب الله والأحاديث الشريفة ، والقرآن الكريم كان قد تحدث عن الذنوب، وشرح الكثير من تفاصيلها وخصائصها، ومن هذه التفاصيل والخصائص أن الله تعالى أخبر في بعض الآيات أن هناك ذنوبا يغفرها وأن هناك ذنوبا لا يغفرها.

قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا (48) ) سورة النساء، تحدث الله تعالى في هذه الآية الشريفة عن جملة من الأمور الهامة ، ونذكرها على النحو التالي :

الأمر الأول : كل الذنوب تغفر في الآخرة إلا الشرك

أخبر تعالى في الآية أنه لا يغفر لعبده ذنب الشرك بالله ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) ، ويغفر غيره من الذنوب، وعليه فالمشرك لا ينال غفران الله، وهنا نتوقف لنسأل هل المقصود هو طلب العبد المغفرة والتوبة من الله في الدنيا، و أن الله تعالى لم يقبل توبته ؟ ، إن طلب العبد المغفرة في هذه الآية هو مما لا شك فيه في الآخرة و ليس في الدنيا ، لأن التوبة في الدنيا من الذنوب كلها ،بما فيها الشرك ،وعد الله بقبولها وغفرانها، فيما لو كانت التوبة والغفران صحيحين.

إن الغفران من الذنوب يوم القيامة لغير الشرك ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ )هو تفضل من الله على المذنبين غير المشركين، وإبراز لسعة رحمته، حتى ولو لم يستغفروا منها في الحياة الدنيا، لأن الله تعالى لم يقيد الغفران في الآية بطلب المذنبين منه ذلك ، ولكننا نسأل أليس في وعد الله للناس بالغفران إغراء بارتكاب الذنوب والمعاصي، اعتمادا على عفو الله ووعده ؟، لقد قيد الله تعالى هذا الغفران بمشيئته وإرادته، فقال تعالى : ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) أي لمن يشاء الله له أن يغفر ذنبه، لذا فقد ارتفع الإغراء لأن الغفران ارتبط بمشيئة الله ، فلا يستطيع المذنب أن يرتكب الذنب والمعصية،طمعا بمغفرة الله ورحمته، لأنه يمكن لله ألا يشاء أن يغفر له هذا الذنب، فيصبح حينئذ من الخاسرين.

وهنا ينقدح سؤال آخر في الذهن، وهو إذا كان الله قد قيد غفرانه للذنوب بمشيئته، فلماذا ذكر الله ذلك، وما الفائدة منه ؟ نعم وعد الله بغفران الذنوب لعباده في الآخرة ليبعث فيهم الأمل والرجاء وحتى لا يحصل لديهم اليأس والقنوط من رحمة الله، فيستمروا في عصيانهم وذنوبهم، ونخلص إلى القول: بأن المقصود بالغفران في الآية الكريمة، هو الغفران في الآخرة وغير المشروط بتوبة المذنبين بل هو مشروط بمشيئة الله.

الأمر الثاني : ما المقصود بالشرك بالله

إن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )، يدل على مدى خطورة الشرك بالله ، ومبغوضيته له تعالى، وهنا لا بد للمؤمن البصير أن يحتاط لدينه ولإيمانه بالله، ويجتهد في الإبتعاد عن الشرك بالله، حرصا على علاقته السليمة بالله تعالى، فيحاول أن يتعرف على حقيقة الشرك ومعناه وأقسامه، ويسعى عمليا وسلوكيا للإبتعاد عنه حتى لا يقع فيه، وهنا نسأل ما المقصود بالشرك بالله ؟

نقول : إن الشرك بالله معناه أن يجعل الإنسان مع الله شريكا في ذاته أوصفاته، فيدعي أن هناك إله آخر أو رب آخر، فينسب ما لله تعالى من ألوهية وصفات لغير الله، فهذا يحبط الإيمان بالله، لأنه لا إيمان لمشرك بالله ، ومن هنا كان المشرك غير مؤمن، والشرك له أقسام عديدة، لكن أهم وأخطر هذه الأقسام، هو الشرك في الألوهية، والشرك في العبودية، والشرك في الربوبية، وسنحاول أن نسلط الضوء على المعنى المقصود بالشرك لهذه الأنواع والأقسام الثلاثة، وذلك على النحو التالي :

الشرك في الألوهية : والمقصود به جعل شركاء لله في ألوهيته، والقول بأن هناك أكثر من إله، وهذه الشرك وقعت فيه الكثير من الأمم التي آمنت بوجود أكثر من إله واحد، فأرسل الله تعالى الأنبياء وأنزل الكتب ليبين لهم، أنه ليس هناك من إله آخر، وأنه من آمن بوجود أكثر من إله يكون غير مؤمن بالله، لأن حقيقة الإيمان بالله تكمن بتوحيده تعالى ، وأنه من لا يوحد الله لا يؤمن به، هذا هو مفهوم الإيمان الحقيقي بالله في الإسلام.

الشرك في العبودية : ومعناه أن يعبد الإنسان مع الله غيره، والعبودية تعنى الخضوع والتذلل لمن له الهيمنة على الخلق إيجادا وإعداما وبيده الخير والشر والضر والنفع، والله تعالى هو من له الهيمنة على الخلق، ومن العبودية لله الدعاء، فلا يجوز الدعاء لغيره، ومن دعى غير الله فقد عبده وأشرك به، ومن اعتقد أنه بيد الله وحده مصير الخلق فقد دان له بالعبودية، لذا لا تجوز العبودية لغير الله، ومن هنا حصر الإسلام العبودية بالله، وحرم عبادة غيره، ومن عبد غير الله فقد أشرك وخرج من الإسلام.

الشرك في الربوبية : الربوبية تعني إدارة الخلق وتأمين حاجته من الأرزاق والمعاش، وليس هناك من رب للعالم والكون والخلق غير الله، وعلى الإنسان أن يعتقد بأن الخلق والرزق يعود إلى الله وحده، ومن اعتقد بخلاف ذلك وقال بأن هناك رب آخر للخلق يرزقه ويهبه النعم فقد أشرك بالله، لذا من هنا على الإنسان البصير أن يحصر ربوبية العالم والخلق والنعم بالله تعالى وحده، وقد كان بعض المشركين يميزون بين الألوهية وبين الربوبية، ويعتقدون بأن الله لا علاقة له بالربوبية للعالم، وينسبون الربوبية لغير الله، وهذا ما قد نفاه الإسلام، وجعل الربوبية محصورة بالله.

الأمر الثالث : المشرك مفتري على الله

أشارت الآية الشريفة المتقدمة إلى أمر ثالث، وهو أن الشرك بالله هو إثم عظيم ،لأنه يتضمن افتراء على الله تعالى، لذا قال تعالى : ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا )، ومنشأ هذا الإفتراء هو أن المشرك قد نسب صفات هي خاصة بالله لغيره، كالألوهية والخالقية والربوبية، فهذه صفات مختصة بالله تعالى ومحصورة به وهي من حقه تعالى ،ونسب هذه الصفات لغيره هو سلب اختصاصها بالله، والإفتراء على الله بأنه معه شريك فيها وهو خلاف الواقع و الحقيقة، كما أن الشرك يتضمن افتراء آخر على الله ، وهو أنه من جعل مع الله شريكا في الألوهية أو الخالقية أو الربوبية فقد جعل مع الله شريكا في ملكه وسلطانه على الخلق والعالم، وهذا ما لا يجوز لأن مالكية الله وسلطانه خاص به، لذا المشرك ينزع عن الله ملكه وسلطانه ، ويكون بذلك قد ارتكب إثماً عظيما، نعوذ بالله منه.

الشيخ حسين إسماعيل

   

اخر الاخبار