تعليق: انتقال الوباء من 'الهدوء' إلى 'الجائحة'، ماذا حدث في الولايات المتحدة يا ترى؟
المصدر : CGTN Arabic تاريخ النشر : 08-04-2020
وفقا لتقارير "فوكس نيوز" يوم السبت الماضي، تم نقل العديد من المرضى المصابين بفيروس كورونا الجديد بطريقة خاطئة من مركز جافيتس في نيويورك إلى سفينة المستشفى "يو إس إن إس كومفورت" التابعة للبحرية الأمريكية. في السابق، قال مسؤولون أمريكيون إن سفينة المستشفى هذه لا يمكن استقبال وعلاج سوى المرضى غير المصابين بـ"كوفيد-19"، مما يخفف الضغوط على المستشفيات.

وعلق مسؤول عن إحدى المستشفيات قائلا: "هذه مزحة".

تم إعلان 36 ولاية والعاصمة واشنطن وأربع أراضي وراء البحار في الولايات المتحدة "مناطق كوارث كبرى" لتفشي وباء "كوفيد-19". في المؤتمر الصحفي للبيت الأبيض في ذلك اليوم، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الأسبوعين المقبلين سيكونان أخطر اللحظات بالنسبة لبلاده بشأن مكافحة الوباء، وسوف يرتفع عدد الوفيات.

تحول الوباء من "الهدوء" إلى "الجائحة"، ماذا حدث في الولايات المتحدة يا ترى؟

الانتشار

باتت الولايات المتحدة الدولة التي تواجه وضعا أخطر لمكافحة وباء "كوفيد-19" في العالم منذ 26 مارس الماضي. توقع أنتوني فوسي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أن وباء "كوفيد-19" قد يتسبب في 100 ألف إلى 200 ألف حالة وفاة في الولايات المتحدة. وفقا لأحدث الإحصاءات، تجاوز إجمالي عدد الإصابات بمرض (كوفيد-19) في الولايات المتحدة 350 ألف حالة حتى عصر يوم الاثنين بالتوقيت المحلي.

من الواضح أنه خلال الفترة الصعبة لمكافحة الوباء في الصين، فوتت الولايات المتحدة "الفترة الذهبية" للوقاية من الفيروس والسيطرة عليه لأكثر من شهر.

ووفقا لما أفادت به "نيويورك تايمز"، "لقد أضاعت الولايات المتحدة التي تعتبر أغنى دولة في العالم مع مجموعة من أفضل العلماء وخبراء الأمراض المعدية، أفضل فرصة لردع انتشار الفيروس".

الزلة

حدثت الزلة الأولى في اختبار الفيروس. في الوقت المبكر للوباء، كانت إجراءات الموافقة على الفحص الطبي لفيروس كورونا الجديد في الولايات المتحدة مرهقة للغاية، كما كانت تكاليف الاختبار والعلاج مرتفعة، وسياسات التأمين الطبي لم تكن واضحة أيضا. لذا تسبب تقاطع هذه العوامل في سلسلة من المشاكل بالولايات المتحدة مثل قلة مؤسسات الاختبار ونقص في مواد الاختبار وعدم اتساع نطاق الاختبار ومشاكل تنظيمية في الاختبار وتأخر كبير في الحد من انتشار الفيروس. حيث أنه بحلول الوقت الذي تم التأكد من تفشي الفيروس، كان الوباء قد انتشر في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مما أدى إلى تفشي متزامن في ولايات متعددة، وكان من الصعب الكشف عن الوضع الحقيقي. ويعتقد محللون أن الولايات المتحدة قد تأخرت لمدة ستة أسابيع بسبب قدراتها المتخلفة على اختبار الفيروس. ووفقا لتقرير "نيويورك تايمز" في نهاية مارس الماضي، أسفرت العوامل الإجمالية منها "العيوب التقنية والعقبات التنظيمية والوضع الطبيعي للبيروقراطية ونقيصة القيادة" عن وضع الوباء الحالي الذي تعاني منه الولايات المتحدة.

وتنعكس الزلة الثانية في الاستجابة السريعة نسبيا للوباء في الصين، لكن الاستجابة لانتشار الوباء في كل من أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى كانت بطيئة، حيث فشلت في الوقاية من الحالات الوافدة والسيطرة عليها بشكل فعال. فرضت الحكومة الأمريكية حظرا على السفر إلى الصين بعد أن ذكرت منظمة الصحة العالمية أن انتشار فيروس كورونا الجديد أصبح حالة طوارئ للصحة العامة، وكانت من أوائل الدول التي فرضت حظر السفر على الصين. وحتى 13 مارس الماضي علقت جميع رحلات السفر من الدول الأوروبية، باستثناء بريطانيا، لمدة 30 يوما، ولا تزال المطارات الدولية في مدينة نيويورك وأماكن أخرى لديها إجراءات حجر صحي فضفاضة للغاية في التعامل مع المسافرين الدوليين غير الآسيويين حتى أوائل مارس وأواسطه، مما أدى إلى أن الحالات الوافدة باتت خارجة عن السيطرة.

تنعكس الزلة الثالثة في السياسة الداخلية الأمريكية. يوافق العام الجاري عام الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة، وتم تسييس وباء "كوفيد-19" واستجابته في البلاد منذ البداية. يتهم الحزبان الجمهوري والديمقراطي بعضهما البعض بمواقفهما بشأن الوباء، الذي له دوافع سياسية. وحتى اليوم، لا تزال الخلافات بين البيت الأبيض والديمقراطيين مستمرة. وذكر تقرير في "واشنطن بوست" أن أعضاء الحزبين في الكونغرس كانوا مهملين في التعامل مع وباء "كوفيد-19".

أما الزلة الرابعة فتتمثل في استخفاف خطر انتشار الوباء في البلاد والعالم كله، والفشل في اتخاذ الاستعدادات في الوقت المناسب. في 3 يناير، عرف مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها للولايات المتحدة، ظهور الوباء من الجانب الصيني؛ من أواخر يناير إلى مطلع فبراير، واصلت وكالات المخابرات الأمريكية تقديم تقارير عن الوباء إلى البيت الأبيض والكونغرس؛ ولكن حتى أوائل مارس، أظهرت الآلية الاحتياطية الإستراتيجية الوطنية الأمريكية بأن الوضع لا يزال مقنعا فيما يتعلق بمستوى المخزون الإستراتيجي البالغ 30 مليون كمامة طبية "إن 95"، ولم يتم اتخاذ أي تدابير لزيادة الطاقة الإنتاجية. في أوائل مارس، قدمت إدارة ترامب طلبا للكونغرس مقابل 2.5 مليار دولار أمريكي فقط. على الرغم من الحصول على الموفقة على أكثر من ثمانية مليارات دولار أمريكي للأموال الخاصة بمكافحة الوباء، فإن الأموال المخصصة للإمدادات الطبية مثل الكمامات كانت محدودة للغاية، مما يعكس أن الحكومة الأمريكية كانت تقلل من خطورة الوباء في ذلك الوقت.


الصعوبات

هناك العديد من العوامل الموضوعية في تطور الوباء بالولايات المتحدة.

أولا، يبلغ عدد السكان في الولايات المتحدة 330 مليون نسمة، واستقر منحنى الوباء في سياتل حيث تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في البلاد.

ثانيا، يعتمد عدد الإصابات بـ"كوفيد-19" على عدد اختبارات الفيروس أولا. في الوقت الحاضر، تم حل مشكلة الاختبارات للفيروس في الولايات المتحدة بشكل أساسي. ارتفع عدد المصابين بـ"كوفيد-19" في الولايات المتحدة بسبب الزيادة الكبيرة في عدد الاختبارات اليومية للفيروس في البلاد. وأصدر البيت الأبيض بيانا أكد فيه أن العدد الإجمالي للاختبارات تجاوز مليون حالة، وتعتبر دقة الاختبارات عالية أيضا.

ثالثا، إن تطور وضع الوباء في الولايات المتحدة يتفق مع انتشار الفيروس في العالم تقريبا. خلال الأيام الماضية، زاد عدد الإصابات الجديدة المسجلة بأكثر من 20 ألف حالة يوميا، مما يعكس خصائص انتشار الفيروس السريع بعد فقدان الفترة الذهبية للوقاية من الوباء والسيطرة عليه. حيث من غير المرجح أن تظهر الإجراءات الوقائية فعاليتها بسرعة.

رابعا، تستغرق معرفة مرض"كوفيد-19" باعتباره نوع جديد من الأمراض المعدية، فترة من الزمن.
خامسا، خلال الفترة التي تكافح الصين فيها الوباء، كان المجتمع الدولي واثقا تماما من أن الصين ستنجح في مكافحة الوباء مع بفضل ميزتها النظامية، وفي ضوء "التجربة القديمة" لمكافحة وباء "السارس" قبل 17 سنة، وإن التوقعات المتمثلة في "نجاح الصين في مكافحة الوباء يعني انخفاض الخطورة في معظم مناطق العالم" تبدو متفائلة إلى حد كبير.

وفي الوقت نفسه، يعتقد الكثير في الدول الغربية أن تفشي الأمراض المعدية الرئيسية لن يحدث إلا في البلدان النامية أو المتخلفة نسبيا.

باختصار، على الرغم من أن كل دولة لديها ظروفها الوطنية والزلات الخاصة بها، وتواجه صعوبات متماثلة في المرحلة المبكرة من اندلاع الوباء. في النهاية، اضطر الجميع إلى مواجهة مشاكل النمو السريع للوباء في مدن كبرى ونقص المواد الطبية وغيرها.

المفهوم

فيما يتعلق بالولايات المتحدة، يبدو أن إدارة ترامب كانت تقلق كيفية الاستفادة من الوباء لتعزيز "نقل التصنيع" في البلاد وانفصال الصين من سلاسل الإمداد العالمية؛ وغالبا ما تركز التقارير الإعلامية الأمريكية على التفسير السياسي والأيديولوجي لمكافحة الوباء في الصين، متجاهلة تحديات الصحة العامة الضخمة التي يفرضها فيروس كورونا الجديد نفسه.

ويمكن القول إن ذلك يرجع أيضا إلى فكرة "لعبة صفرية" في منافسة الدول الكبرى وعوامل أيديولوجية.

ووفقا لتصنيفات أبحاث جامعة جونز هوبكينز، فإن الولايات المتحدة هي الدولة "الأكثر استعدادا" في العالم للتعامل مع الأمراض الوبائية. ولكن يبدو أن "كوفيد-19" يفتح غطاء جميع أنظمة الحوكمة الاجتماعية والصحة العامة.

قالت د. نانسي ميسونيير، مديرة المركز الوطني للتحصين وأمراض الجهاز التنفسي: "الاستعدادات المفرطة أفضل منها غير الكافية.."

إن الاستجابة للأمراض المعدية تعتبر سباقا مع الزمن. نأمل أن تتمكن جميع الدول في العالم من القول قبل الوباء التالي "إننا على استعداد مفرط".

   

اخر الاخبار