خطاب ممتاز للمفتي الممتاز ............... بقلم الاستاذ مهدي عقيل
المصدر : بقلم الاستاذ مهدي عقيل تاريخ النشر : 26-05-2020
ما إن أنهى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة العيد حتى إنهالت التعليقات وضجت فيها مواقع التواصل، أو بالأحرى الإنتقادات، لا سيما الخبيثة منها ممن تبقى من ١٤ أذار، "الحريصون" على طائر الفينيق - لبنان "المعجزة"، وراحت بعض المحطات الإعلامية تفتح الشاشات أو الهواء لمناقشة كلام المفتي الذي لم يرق لهم، لا من قريب ولا من بعيد. وكأن المفتي مسّ بالمقدسات، حيث هناك من لا يقبل التغيير والتنازل عن مكتسباته ويعيش هاجس فقدانها.

حينما أُقرت وثيقة إتفاق الطائف ولحقت التعديلات هذا المنصب أو ذاك، قامت الدنيا ولم تقعد، وما زال هناك من يطالب بإعادة النظر ببعض مواده، لا سيما التي تتعلق بالصلاحيات. وكأن هذه الطائفة أو تلك يتعلق وجودها وإنتماؤها على مدى محافظتها على المواقع والإمتيازات المناطة بأبنائها.

وفي العام ١٩٩٥، عندما تجرأ الرئيس رفيق الحريري وطالب بإلغاء الوكالات الحصرية إستنفر آنذاك البطرك مار نصر الله بطرس صفير وكل الجوقة التي تدعي الدفاع عن المسيحيين مستنكرة ورافضة طرح الحريري، وكان لها ما أرادت.

وبعد إغتيال الرئيس الحريري ساد كلام غير رسمي عن مصير المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، واستبدالها بمثالثة بين الشيعة والسنة والمسيحيين، نتيجة التغيرات الديموغرافية. ولم يجرؤ أحد أن يتبنى الطرح الجديد.

ومن مدة ليست ببعيدة، لن تنفك بعض القوى عن إتهام حزب الله بأنه ينوي عقد مؤتمر تأسيسي والإنقلاب على إتفاق الطائف. علمًا أنه لم يكن هناك أي شيء من هذا القبيل.

واليوم، ولأول مرة، تتجرأ شخصية دينية رفيعة لتطرح أفكار تقدمية متطورة، ومتجاوزة الكثير من المتشدقين بالعلمانية والديمقراطية، دون أن تعير أي إعتبار للمهادنة والتزلف وخطابات التعايش والتآخي والوحدة المزيفة بين الطوائف اللبنانية.

اليوم، قال المفتي ما لم يُقل إلا من باب التبجح والإدعاء بالوطنية والديمقراطية والحلم بدولة مدنية. قالها بصوت عالٍ وصل الى مسامع الجميع، وكان صريحًا وصادقًا بلا مواربة وبلا مقدمات؛ لا لصيغة ١٩٤٣، ولا لصيغة الطائف، ولا وألف لا لكل ذلك التاريخ المشؤوم، والسيء الذكر.

وللذين يتغنون بلبنان الستينات وأول السبعينات، لبنان سويسرا الشرق وغيرها من الأوصاف، نقول لهم: ما كان في تلك المرحلة من تاريخ لبنان، كانت تخص فئات معينة من الشعب اللبناني، فيما كانت هناك فئات أخرى محرومة ومسحوقة، لم تعرف الحداثة ولا التطور من أضيق أبوابه حتى.

هل تعلم أن الغسالة والمكواة والتلفاز والمسجل حتى، لم يكن بوسعك لتعثر عليها، وغيرها من الأدوات، في منازل السواد الأعظم من الشعب اللبناني، لا سيما أبناء الأطراف!

هل تعلم بأن السيارة أو أية آلية نقل كانت محصورة بواحد أو أثنين على الأكثر في كل بلدة إن وجدت!

هل تعلم أن في محافظة الجنوب على سبيل المثال لا الحصر كان عدد المدارس الرسمية فيها لا يتجاوز عدد أصابع اليد، وأن معظم جيل تلك المرحلة تلقى دروسه، المقتصرة على قراءة وكتابة اللغة العربية، أو ما كان يعرف بتعلم القرآن الكريم، تحت الشجرة، وفي أحسن الأحوال في غرفة صغيرة معزولة.

كثيرة هي الأمثلة التي تصرخ بالحرمان والعوز التي كان يعيشها اللبنانيون، فأتمنى أن لا تنظروا إلى تلك المرحلة من سحر العاصمة بيروت، البلد - وسط المدينة، والأماكن السياحية التي كانت تعج بالميسورين والسواح العرب والأجانب.

فمن يخالف المفتي، فليتحفنا بما قدمته صيغة ١٩٤٣، وصيغة الطائف، والمحاصصات الطائفية والزبائنية للبنان واللبنانيين.

ألم تكفنا الحرب الأهلية ١٥ عامًا، نتيجة الإختلال في توزيع السلطة والثروة!

ألم يكفنا فساد ونهب المال العام ٣٠ عامًا، نتيجة المحاصصات وتقاسم المغانم بين زعماء الطوائف التي كرَّسها إتفاق الطائف.

رغم قناعتنا بأن صرخة المفتي لم تلقَ صداها، ولكن حقيقة لا بد أن نعترف له بها، وإن كان لنا كما لدى غيرنا الكثير من الملاحظات لناحية سكوت المفتي طيلة هذه المدة، وأنه واحد ممن استفاد من تقاسم المناصب، خصوصًا أنه تسلم الإفتاء الجعفري في سن مبكر، وثمة علماء كبار في الطائفة الشيعية أجدر منه في هذا المنصب. لكن حصل ما حصل، ولنكن منصفين؛ "ما عُرضت على عاقلٍ وأبى".

وفي الختام يمكننا أن نوجز أو نرد على سؤال؛ لماذا هذه الهجمة على المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان؟

لأنه نسف الطائف!

لأنه نسف صيغة العيش المشترك الخادعة؟ وطالب بعيش حقيقي بين أبناء الوطن الواحد.

لأنه نسف صيغة المحاصصة!

لأنه صرخ بوجه الطغمة الحاكمة!

لأنه...لأنه.....لأنه....لأنه حيَّا فلسطين والمقاومة!

بدا سماحته كمن يصرخ في وادٍ ويرتد إليه صداه!

أين أنصار الدولة المدنية؟

أين أنصار الإصلاح والتغيير؟

أين الحالمون بدولة القانون والكفاءة والمساواة؟

أصاب سماحته، هذا الإصلاح بعينه، ولا يمكن الإصلاح (عالقطعة)، ولا يمكن الانتقائية في التغيير.

صدقت سماحة المفتي، وإن تأخرت كثيرًا! ونأمل أن تحذوا المراجع الروحية حذوه، ويتنازلوا عن مملكتهم في الدنيا، ويكتفوا بما وعد الله "المؤمنين" في مملكة الآخرة...

.مهدي عقيل، في ٢٠٢٠/٠٥/٢٦.

   

اخر الاخبار