شعب أيوب المنتفض على الجلجلة .. بقلم زياد العسل
تاريخ النشر : 14-06-2020
زياد العسل

يقال أن الله يعطي أصعب معاركه لأقوى الجنود المؤمنين به ،مقولة ترجمها اللبنانييون على مدار عقود من الزمن متجاوزين الكثير من المحن والعوائق والمطبات التي تحول بينهم وبين الفرح الذي يسعى اليه كل قاطن لهذه المعمورة

التجربة اللبنانية فريدة بشكل لا يقبل الشك ،طوائف ومذاهب وتنوع في الأيديولوجيا والفكر والرؤية حتى للبنان الواحد،فالبعض يراه عربيا والبعض يراع قوميا سوريا والبعض يراه بحدوده ال١٠٤٥٢ والبعض يراه جزء مشرقي والبعض يراه من الأمة البشرية جمعاء ،والبعض يريده وفقا لمصالحه وأهوائه الشخصية التي يلبنن كل التفاصيل لأجلها مطبقا القاعدة البراغماتية التي لا ترى فوق المصلحة أي اعتبار!

وسط هذا الركام الهائل من العقائد عشنا لعقود نمني النفس بالخلاص ،ليس الخلاص من هذه الأفكار أو العقائد نفسها لأنها مصدر غنى وثراء في ثقافتنا والتي تميزنا بها ،ولكن الخلاص عن التزمت التعصب لفكرة دون سواها من الأفكار واعتبار الآخر وكأنه يقاسمنا قطعة حلوة نحن من صنعها ووضع فيها الجهد والمكونات ،وهذا يعود لسنين من التمذهب والتطيف والتقوقع داخل المعتقلات المناطقية المذهبية وحتى السياسية التي تعتبر الآخر تهديدا وجوديا

بعد ١٧ تشرين ونعني الثورة الحقيقية الصادقة منها ،بدأ شعبنا او جزء كبير منه يعي حقيقة الأزمة وأن المشكلة ليست بتهديد شيعي أو سني أو مسيحي بل المشكلة في من استثمر هذه العناوين لمصالح شخصية لا تخدم سوى الجيوب والمنافع والمراكز السلطوية،بدأ شعبنا يدرك أن جوهر الخلاف ليس مع الآخر بل المشكلة الأساس تلك التي تكمن في من استثمر هذا الاختلاف وحوله لخلاف دون ان يجني منه مواطن هذه البلاد سوى الافلاس والفقر المدقع والألم الذي لا خلاص منه قبل تلك اللحظات التي يقبع به جل هذه الطبقة السياسية التي احترفت السرقة والنهب والإذلال ،ومن هنا أضحى الوعي اكبر على الرغم ان ثمة من حاول الاستثمار في هذه المرحلة المفصلية في البعد السياسي راكبا اجنداته الخاصة التي يستطيع من خلالها تحقيق مآربه الشعبوية أكثر

اليوم نحن أمام مفترف طرق خطير وباهض الثمن اذا استمرينا بنفس العقلية ونفس المسار والمطلوب هو المعرفة الحقة أن لا خلاص سوى في الخروج من المعتقلات الآنفة الذكر بكل انواعها لفضاء أرحب وأكبر وأشمل ،وتسمية الأشياء بأسمائها حتى لا يقع علينا قول الإمام علي بن أبي طالب الشهير أنه عندما سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق ، بالإضافة لذلك فالمنطق والعقل يتطلب منا أن لا نرفع شعارات يمكنها ان تستفز آخر في هذا البلد ،فالهموم والآلام نفسها ورفع شعار بالنسبة له أمر مرتبط بوجوده يمكنه أن يعرقل مسيرة التغيير التي نسعى لها

زبد الكلام أننا سنعبر هذه المرحلة الظلامية بكل أبعادها وآلامها لأننا شعب تليق به الحياة ،كيف لا وشعب ينتصر منذ فجر وجوده على هذا القهر الطويل ،ألا يجدر بالحياة أن تكرمه بعد طول عناء ،هذا بالتأكيد اذا كرم نفسه وغير ما فيها من رواسب الماضي المثقل بالجراحات ، ليحق فيه أن يقال يوما "شعب أيوب"!

   

اخر الاخبار