' أبو عطارد .. عِطْرُ المدينة !
المصدر : بقلم الاستاذ سمير الزين تاريخ النشر : 14-09-2020
(مدخل : إسمه الحقيقي رامز فاخوري ولقبه " أبو عطارد ".. لم أعرف إسمه إلاّ منذ يومين ، عندما سألت الصديق محمد قدسي الذي هو أحد فروع ذاكرة مدينة صور ... ؟

أبو عطارد كان يبيع " الليموناضة " الطيبة في محلة " البوابة " ، وهي ساحة المدينة في صُوْر ، حيث الباعة على أنواعهم وكراجات السيارات ..
وفي آواخر السبعينات عُثر عليه غريقاً في البحر ... )

.. كنّا نقصد " البوابة "ونحن في عمر الفتوة ، لنشرب الليموناضة الطيبة المغمّسة " ببرْش" الثلج من يديّ وعينيّ " أبو عطارد ، الذي كان "يُبَوْرِدَنا" بشرابه ، ويُؤنسنا بحركاته وبهلواناته .. هو المسرح الدائم على بوابة المدينة ..

قصير القامة .. مشعت الشعر .. فوضوي الهندام .. نحيلٌ كقضيب الرمان .. لكنه طرّي الكلام كسنبلة قمح ...

عيناه صغيرتان ، ضيقتان ك " خرميّ" إبرة .. لكنه ببصيرته الوقّادة وبصره الحادّ قد يرى " الإبرة" في كومة قش ...

هو كالطائر يرفرف بحركات يديه وقدميه ... كطائر البطريق من فصيلة الطيور ولا يستطيع الطيران .. يقف ثابتاً يصبّ الليموناضة ويراقب البحر القريب منه ..

" تَعْ بَوْرِد تَعْ "

"الأشا يا حبيبي الأشا "

العبارة الثانية لم نكن نفهمها ... ولا يهمنا أن نفهمها ...المهم الموسيقى وتناغم الكلمات ورقصة القدمين الثابتة كطائر البطريق ...

هو الذي كان يُفرحنا نحن الصغار / الفتيان .. ونشتري منه كباية الليموناضة ب "فرَنْك" خمسة قروش ، وإذا كانت مع كعكة ب " فرَنْكَيْن " عشرة قروش ...

يُقال : أنّ أبا عطارد حين كان يحصّل قوتَ يومه يتوقف عن بيْع الليموناضة ، ويوزّع ما بقي من بضاعته مجاناً على المارة من دون مقابل مالي ..

كان يعيش يوماً بيوم ... قربَ الحياة وليس فيها ...على ضفافها وليس في عبابِها ...يُرِيدُ رمق الروح وحركة الجسد فقط ...يُرِيدُ أن يطال ورقتين لا غير من أضخم شجرة ليتغطى بهما ... ويفتحَ نافذة صغيرة لروحه كي تتنفس ولو قليلاً ، ليبقى على قيد الحياة ..

لم تكن عنده عائلة ولم يتزوج .. ربما أحبّ كل النساء ولم تحبّه واحدة ..لأنه البحر، والملح الطيب ، والسفن ، والجُزُر ، والمرجان ... وهنّ الأمواج يخبطنَ على الرملِ ولا ينتبه ...

كان يَسْكَرُ من حبّين :حبّ "الكأس" وحبّ أغنيتين لأم كلثوم :

-حبيبي يسعد أوقاتو
- أهل الهوى ...

وذات مساء .. في ليلةٍ ليلاء ..جال " أبو عطارد " في المدينة ..يبحثُ عن إسمه .. عن لون البحر ...

إقتربَ من الشاطئ ليغسل وجهه البرّاق ...

وهو يهدهِدُ للماءِ كي تنام ...صار يغني :
يا نسائم البحر أقبلي...وأطفئي وجعَ القلب ...
ودّعتُ الحارات والبيوت ...ولم يرني أحد...
رآني ظلي وحيداً ...فرماني في الماء...
وصباحاً عثروا عليّ ....
شالوا الغريق مبللاً بالملح ...
وجابتْ جنازته شوارع المدينة ...
وعند البوابة فاح عطر الليمون ..
ووزعوا " الليموناضة"مجاناً...
و" أبو عطارد" ظمآن محمولاً على الأكف ..
والماءُ من حولِه ؟

سُمي أبو عطارد ...عِطْرُ المدينة !

سمير الزين
١٣-٩-٢٠٢٠

   

اخر الاخبار