الوكالات الحصرية اللبنانية إحتكار مقونن ................... بقلم الاستاذ مهدي عقيل
المصدر : بقلم الاستاذ مهدي عقيل تاريخ النشر : 16-09-2020
أظهرت الأزمة الإقتصادية والنقدية التي نعيش أن أصحاب الوكالات الحصرية، أو بالأحرى أصحاب الاحتكارات، هم في أول سلم الفاسدين والسارقين، بحيث يتقاسمون عمليات النهب مع الطغمة الحاكمة، فقد تولت الأخيرة نهب المال العام فيما الأولى تولت نهب مال الشعب، والاثنتان محميتان ومتسلحتان بنظام طائفي بغيض، ولا يتورع الزعماء الروحيون من الدفاع عنهما جهارة وبوضح النهار دون أن ينهاهم قرآن ولا إنجيل، ولا وغز ضمير حتى.

لكن ثمة فرق بين الفئتين، فالسياسيون غالباً ما يسرقون دون مسوغ قانوني فيما المحتكرون يسرقون بطريقة شرعية وقانونية بإمتياز. إذ يتمتّع أصحاب الوكالات الحصرية والذين يصنفهم القانون بالممثلين التجاريين بحماية قانونية وإدارية في لبنان وهو ما يمنع غيرهم من التجار من استيراد أو توزيع السلع التي يُغطيها عقد التمثيل. مع هذا كله، يأتيك من يقول بأن لبنان يتميز عن محيطه العربي بإقتصاده الحر، خصوصاً عندما كانت الحملة على أشدها، مؤخراً، ضد توجه لبنان نحو الشرق، وقد أعتبروه كثيرون مس بالمحرمات، ولا حياة للبنان بدون ذلك الإقتصاد الحر الذي ليس فيه من الحرية إلا اسمه، وربما من الصحة تسميته ب"الإقتصاد الأولغارشي".

ويمكن بجولة سريعة على أسعار السلع المستوردة اليوم، ومقارنتها بالأسعار قبل أزمة الدولار، نجد كم هو الربح الكبير الذي كانوا يحصلون عليه هؤلاء المحتكرين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، سنورد ثلاث سلع مختلفة لنقارن فرق الأسعار قبل وبعد أزمة الدولار وإنهيار سعر الليرة؛

- سعر كيلو لحم البقر كان ب(15000ل.ل.)، أي ما يوازي (10$)، فيما اليوم سعره (50000ل.ل)، أي ما يوازي (7$). يعني كانت هناك ثلاثة دولارات تضاف الى ما يربحونه اليوم.

- سعر كيلو شاي "رأس الحصان" كان ب(18000ل.ل)، أي ما يوازي(12$)، فيما اليوم سعره (50000ل.ل)، أي ما يوازي(7$)، يعني كانت هناك ثلاثة دولارات أيضاً تذهب إلى جيوب المحتكرين زيادة على ربحهم اليوم.

- سعر لوح شوكولا غالكسي كان ب (1500ل.ل).، أي ما يوازي دولاراً واحداً، فيما اليوم سعره (3000ل.ل).، أي ما يوازي أقل من نصف دولار. يعني كان هناك أكثر من نصف دولار زيادة عما يربحونه اليوم من بيع كل لوح شوكولا على طول الأراضي اللبنانية وعرضها.

وقسْ على ذلك الكثير من السلع التي تكشف زيف تلك الوكالات التي أسدلت عليها المرجعيات الروحية ثوب القداسة.

من لم يذكر الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله، عندما حاول المس بأصحاب الوكالات عام ١٩٩٥، وقامت آنذاك قيامة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ودافع دفاع المستميت عن هؤلاء كون غالبيتهم من رعيته. وسقط الطرح قبل أن يولد، والذي صوِّر وكأنه مس بالكيان اللبناني، بحيث أوهمونا هؤلاء أنه لا قيامة للبنان بلا هؤلاء المحتكرين من العائلات المخملية المهيمنة على حياة الناس ولقمة عيشهم.

كذلك كانت ثمة مطالبة برفع الحماية عن الوكالات الحصرية عبر مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 7484 تاريخ 2002 بهدف تحفيز المنافسة وخفض الأسعار لصالح المستهلك، غير أنّ المشروع لم يبصر النور أيضاً نتيجة معارضة قوى سياسية متواطئة مع المحتكرين.

غريب أمر هذا البلد المصنوع والمجبول منذ ولادته الأولى عام 1920 ، وعند استقلاله عام 1943،على زيف ونفاق غير معهودين بأي ٍ من دول العالم، ويأتيك اليوم رئيس دولة صانع ذلك النظام، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يدعو اللبنانيين إلى إعادة تأسيس ميثاق جديد، وما زال هناك من يتباهى بفرادة نظام هذا البلد وتميزه وهو أسوأ نظام على وجه المعمورة، فلم يسبق لطبقة سياسية القيام بعملية سرقة منظمة على مدار ثلاثة عقود دون حسيب ولا رقيب، والأنكى من ذلك لا يمكن محاسبتها لا في القضاء ولا في صندوقة الإقتراع، وإن تحشرجت الدولة ولفظت أنفاسها حتى، ولو سلّمنا جدلاً بإمكانية إزاحة تلك الطبقة السياسية عن السلطة فالبديل لن يختلف كثيراً إذا ما ظل النظام القائم، وهو باقٍ برعاية وحماية جبة البطاركة والمفتين.

   

اخر الاخبار