في شوارع بيروت الباردة: مسن (71 سنة) يجمع الحديد ويبيعه ليشتري خبزاً: 'أهانني صاحب العمل فتركته ولن أتسول وسأعمل حتى آخر يوم في عمري'!!!
المصدر : النهار-اسرار شبارو تاريخ النشر : 25-12-2018
هاروت
هاروت
حاملاً كيسين فيهما بضعة كيلوغرامات من الحديد هما كل ما يملك، سائراً الى المجهول وباحثاً عن زرقه، حين التقيته على مسافة قصيرة من منزله، استوقفته لمعرفة قصة انسان أجبر وهو في الحادي والسبعين من عمره على العمل الشاق للحصول على قوت يومه... انه هاروت توخمنيان العجوز الذي علّمته الحياة من دروسها الكثير حتى بات ينطق حكماً يستفيد منها كل من يتسنى له سماعها.

عزّة نفس

خلف ملابس هاروت الرثة وتجاعيد وجهه التي فرضت نفسها عليه مع مرور الزمن وكفّيه الخشنتين ولحيته البيضاء التي اطلقها بعد ان تعدى حدود المظاهر وظهره المحني من هموم الحياة، عِبر كثيرة لا يتوقع غريب سماعها منه عند مشاهدته للمرة الاولى. سألته بداية عن وجهته وعن الكيسين الكبيرين اللذين يحملهما، وضعهما جانبا، قبل أن يفتح احدهما وفيه غاز صغير قديم، قائلاً: "ابحث عن الحديد كل يوم لابيع الكيلو بـ 200 ليرة، املك الآن نحو 10 كيلوغرامات ما يعني اني سأحصل على الفي ليرة عند بيعها، أنا أعمل طوال النهار لاؤمن كفاف يومي، لا اريد أكثر من الخبز لأسد به جوعي، وعلى الرغم من كبر سني وانحناء ظهري، ارفض أن امد يدي للناس متسولاً بل حتى آخر رمق من عمري سأبقى أعمل".

حكم في الصميم

في منزل صغير في النبعة ولد وترعرع هاروت، ذاكرته القوية عادت به الى قصص واحداث رواها له والده الذي كما قال: "قدم الى لبنان من تركيا عندما كان عمره 10 سنوات"، مشيرا الى بيته بالقول "هنا تاريخي وذكرياتي، هنا امضيت طفولتي، شبابي وعجزي، كل زاوية منه تعلم اسراري، فقد عاشت معي ضحكاتي وشعرت بدموعي واوجاعي". واضاف "يوميا عند انتهاء جولة عملي اقرأ الكتاب المقدس ووصايا موسى العشرة، التي للاسف لا يتم تطبيق ولو واحدة منها في زمننا هذا، فقد بتنا في ايام لا يحترم الانسان الا على ماله، فمقدار ما تملك هو مقدار احترامك، انها المصلحة بكل ما للكلمة من معنى".

ايمان في القلب

في شبابه عمل هاروت معلم كوي على البخار في احد المعامل على الدورة لكنه يؤكد "رفض اعطاء لقب معلم لاي انسان، اذ يوجد في الكون معلم واحد هو يسوع المسيح"، لافتاً الى انه "ترك العمل بسبب كلمتين وجههما الي صاحب العمل، لم اقبل ان يهين كرامتي، فما فائدة ان يطعمك انسان بملعقة ويغرز شوكة في عينيك، انتقلت للعمل في معمل ملابس في برج حمود، لكن متعب جدا ان يتحكم بقوت يومك انسان، فضلت بعدها ان اجمع الحديد وابيعه على ان اعيش تحت رحمة مخلوق".

لم يكتب لهاروت ان يتزوج حيث قال: "هذا قدري وانا راض به، لا ارغب بشيء من هذه الحياة، نعم المال جميل لكن العقل أجمل، فبالعقل تحصل على المال لكن ان فقدته فستفقد المال وكل شيء". وعن كيفية امضائه العيد وعما ان وضع شجرة في منزله اجاب ضاحكاً "انا الشجرة، ما فائدة اضاءة شجرة اذا كانت قلوب الناس من حولنا مظلمة، وكل ما اتمناه ان يعطيني الله الصحة والا احتاج لاحد في هذا الكون".

   

اخر الاخبار