التشريع في مقابر اللجان: راحت السكرة وإجت الفكرة!
المصدر : جريدة الأخبار
المصدر : جريدة الأخبار
تاريخ النشر : 07-01-2019
تشريع الحشيش
تشريع الحشيش
في خضمّ الحماسة للتشريع، التي ظهرت فجأة، طفا على السطح إقتراحا قوانين، هما أقرب الى أفكار منهما إلى نصوص. وكان مفترضاً أن يخضعا لنقاش في اللجان النيابية المُشتركة. لكن، سرعان ما فترت الحماسة، وبدا أن أياً من الإقتراحين لن يسلك طريقه الى التشريع. فاللجان المشتركة التي عقدت نحو أربعة إجتماعات، منذ اشتعال «فورة تشريع الحشيشة»، لم تناقش الأمر. والسبب، «عقبات وحسابات كثيرة»، ناهيك عن دراسات أكّدت أن سلبيات التشريع أكثر من إيجابياتها. المشروع، إذن، بات في «مقبرة» اللجان. وبعدما «راحت السكرة وإجت الفكرة»، قد تكون النتيجة سحبه من التداول نهائياً.


فجأة صحا الجميع على «أهمية» الحشيشة. النبتة المرذولة، والتي رُذلت منطقة لبنانية بأكملها بسببها، خرجت بـ«سحر ماكينزي» من دائرة المحرّمات، وتحوّلت إلى «منجم» من «الذهب الأخضر»، تسابق السياسيون على الإشادة بـ«فوائدها» وضخامة عائداتها على الاقتصاد اللبناني المنهك. هكذا توالت الاقتراحات. واحد قدّمته «كتلة التحرير والتنمية»، وثان قدّمه نائب القوات اللبنانية عن بعلبك - الهرمل أنطوان حبشي، وثالث يتحضّر نواب لطرحه نيابة عن شركات أدوية تطمح إلى حجز حصة لها في هذا السوق.
إلا أن أعضاء في اللجان النيابية أكّدوا لـ«الأخبار» أن أياً من هذه المشاريع لن يبصر النور، «أولاً لوجود عقبات داخلية دفعت إلى اتخاذ قرار ضمني بسحب هذا الأمر من التداول»، و«ثانياً لأن الدراسات تؤكد أن لا ظروف مؤاتية لتنفيذها في المناطق التي يُمكن زراعة القنب الهندي فيها». وأوضح هؤلاء أن كل الاقتراحات لم تلحظ الضوابط القانونية المطلوبة، وبالتالي هناك خوف من تحول المجتمع اللبناني إلى «مجتمع تعاط»، في ظل عدم قدرة الدولة على ضبط هذه الزراعة، ومنع استغلالها من «الرؤوس الكبيرة». أما تلزيم هذا القطاع إلى جهة واحدة أو حصره بهيئة ما فيعني إفراغ هذا المشروع من جدواه الاقتصادية، إذا كانت موجودة فعلاً.

اقتراح «التنمية والتحرير»
الاقتراح المقدّم من «كتلة التنمية والتحرير»، بحسب عدد من النواب، «مجموعة أفكار أكثر من كونه نصّاً قانونياً. الملاحظات حوله كثيرة، والأخذ بها كلّها يعني نسفه». وهو ينصّ على إنشاء الهيئة الناظمة لزراعة القنّب الهندي، التي ستتمتّع بالشخصية المعنوية والاستقلالين المالي والإداري، وكافة الحقوق اللازمة مثل حق التملك والتصرف والمقاضاة والإقراض والاستقراض وقبول الهبات. ومن أهداف الهيئة: تنظيم أنشطة زراعة القنب وحصاده ومعالجته وتخزينه وتوزيعه وبيعه، اقتراح إجراءات للحد من المخاطر والأضرار المرتبطة باستخدام القنب وفقاً للسياسات التي تحددها الحكومة، تقديم المشورة للقطاعين العام والخاص، وضع الاستراتيجيات التي من شأنها زيادة الوعي بمخاطر الاستهلاك المسيء. وهناك صلاحيّات إضافية (عملانية) للهيئة المذكورة، هي: منح التراخيص وإنشاء سجل خاص لتسجيل الطلبات، وضع النصوص التنظيمية، عقد اتفاقيات مع المؤسسات العامة والخاصة المحلية والدولية، وضع تقرير سنوي ترفعه إلى وزير الوصاية (وزير الزراعة)، وإجراء التحقيقات اللازمة لمراقبة كل مراحل الزراعة والحصاد والإنتاج والتخزين والتوزيع والتوريد.
يؤكد عضو الكتلة النائب محمد خواجة أن «الفكرة الأساسية التي قام عليها الاقتراح هي إنشاء هيئة مشرفة على هذا القطاع مع كثير من الضوابط، تماماً كما في الريجي». وعلى رغم الملاحظات حول الاقتراح، إلا أن أحداً، بحسب خواجة، لا يُمكن أن يُعارض أسبابه الموجبة، «فلبنان ليسَ أول بلد يتّجه إلى تشريع هذه الزراعة. هناك دول كبيرة مثل ألمانيا وكندا والولايات المتحدة سبق أن شرّعتها لاستخدامات طبية وصناعية». ويشدّد على أنّ إقرار هذا المشروع «واحد من الخطوات التي يريد الرئيس نبيه برّي أن يحسّن من خلالها وضع منطقة البقاع. لا يريد للمُزارعين أن يبقوا تحت ضغط التهديد المستمر. لذا، فإن تنظيم هذه الزراعة سيحسّن من الواقع الاقتصادي في منطقتهم».

اقتراح «التنمية والتحرير» يقضي بإنشاء هيئة مشرفة تدير القطاع تحمِل روحية الـ«الريجي»

أهم ما في هذا الاقتراح، بحسب خواجة، هو «وجود هيئة مشرفة، لها طابع احتكاري، ستكون هي المخولة إعطاء التراخيص وتشديد العقوبات على المخالفين والمتفلتين، تماماً كما الريجي». وهذا الأمر «ستقرره لاحقاً الهيئة عبر مجموعة من الخبراء والمهندسين. وفي كل الأحوال، هذا مسار طويل ستستكمِله الحكومة في ما بعد عبر إصدار المراسيم».
مصادر نيابية تأخذ على الاقتراح أنه «مُستنسخ من نصّ إدارة حصر التبغ والتنباك». فالهيئة الناظمة التي ينص عليها لإدارة القطاع تحمل «روحية الريجي» كإدارة مُستقلّة بصلاحيات استثنائية، ترتبط شكلياً بوزير الزراعة. وتلفت المصادر إلى أن الاقتراح يحمِل «نفساً تجارياً» في الآلية المتبعة من الزراعة مروراً بالتصنيع وانتهاء بالتسويق، ويتعاطى مع هذا القطاع كأحد مصادر تمويل الدولة. فبدلاً من إعطاء حوافز للمزارعين، نجِد تدابير وشروطاً وعقوبات وضوابط، فيما لا نرى في المقابل أين تكمُن مصلحة المزارع، ولا تخصيص قسم من الإيرادات لتطوير المنطقة». كما أن ثمّة جانباً آخر شديد الأهمية، يرتبط بالمخاطر الاجتماعية، نتيجة تشريع هذه الزراعة، في ما لو لم تُضبط بالشكل الصحيح، أو لم يتمّ وضع ضمانات لعدم استخدامها في أغراض غير طبية، ما قد ينعكس تزايداً في أعداد المُدمنين والمتعاطين.

حزب الله لا يؤيد؟
الموقف، بحسب مصادر مطلعة، أقرب إلى السلبي لارتباط الأمر بروادع دينية واجتماعية، وبمحاذير سياسية لها علاقة بالعقوبات المفروضة من الخارج، فضلاً عن عدم الثقة بإدارة سليمة لهذه الزراعة تبقيها في إطارها السليم.
أما بقية الكتل النيابية فلا يزال الموضوع قيد الدرس لديها، وإن كانت تتجه «في المبدأ» إلى تأييده. كتلة «المستقبل» طرحت الأمر في أحد اجتماعاتها، وتحدث النائب هادي حبيش عن «جوّ إيجابي»، وعن «الاتفاق على درس الاقتراح ووضع ملاحظات عليه». كذلك فعل تكتّل «لبنان القوي» الذي شكّل لجنة خاصة للتدقيق في الاقتراح ووضع ملاحظاتها، بحسب النائب روجيه عازار. النائب الكتائبي إلياس حنكش أشار إلى أن «الاقتراح يُناقَش منذ فترة في الحزب وهناك نقاط سنطالب بتعديلها»، أهمها أن «الهيئة التي نصّ عليها الاقتراح يجب أن تخضع لوزارة الصحة لا الزراعة».

اقتراح حبشي
بحسب اقتراح القانون المقّدم من النائب حبشي، يحقّ للشركات المرخص لها أن تتعاقد مع المزارعين الراغبين بزراعة الحشيشة وفقاً لشروط تحدد بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح من وزير الصحة. ووفق الاقتراح، يُعتبر العقد بمثابة إجازة للمزارع يخوله زراعة الحشيشة وبيع إنتاجه حصراً للشركة المتعاقدة معه. وتتعاقد الشركات المرخص لها مع المزارعين وفق شروط محددة بموجب دفتر شروط. بعد توقيع العقد واعتبار المزارع مجازاً بالزراعة، يستلم الشتول المؤصلة والمرقمة من الشركة، وفق جدول تحدده مسبقاً نسبة إلى المساحات الزراعية المسموح زراعتها والمحددة في كل عقد.
في اتصال مع «الأخبار» اعتبر حبشي أن «تلزيم القطاع لجهة معينة سيطيح بجدوى المشروع»، معارضاً فكرة أن «تنشأ هيئة جديدة، ما دام هناك دائرة قائمة، هي دائرة المخدرات في وزارة الصحة، التي يُمكن تكليفها مُراقبة زراعة الحشيشة. وتكون مهمتها ضبط الإنتاج ومنع تسرب الحشيشة إلى أيدي المواطنين، وذلك من خلال فريق خبراء ومهندسين زراعيين ومراقبين يكشفون على الحقول المزروعة التي تكون كل شركة مرخص لها قد صرحت عنها سنوياً قبل بداية كل موسم زراعي». وفق هذا الاقتراح، يُحصر دور الشركة المرخص لها في شراء المنتجات من المزارعين المرخص لهم زراعة القنب بموجب عقد موقع معها. وبناء على هذه الشروط، يتعرض للملاحقة والعقوبة كل مزارع غير متعاقد مع شركة مرخص لها، يقدم على استغلال أو تشغيل أرضه أو زراعة أو بيع أو توزيع أو الإتجار أو تعاطي نبتة القنب بصورة مخالفة للقانون.
ويؤخذ على هذا الاقتراح أنّه يُمكن أن يسمح لبعض كبّار تجّار المخدّرات الناشطين، أو من ينتدبونهم كواجهات «نظيفة» عدلياً، أن يؤسسوا شركات تحصل على الترخيص اللازم، ثم يباشر المزارعون العمل لمصلحتهم، وبالتالي نكون أمام شرعنة لواقع «مافيوي» أو ما يُشبه ذلك. فضلاً عن نزعة الخصخصة التي، في بلد كلبنان، يُرجح أن ترفع يد الدولة عن هذا القطاع الذي يحتاج، ولأسباب اقتصاديّة وصحيّة وأمنية واجتماعيّة، إلى حضور مكثّف للدولة لا العكس.


زراعة مخدّرات!
علمت «الأخبار» أن نواباً يتحضرون لتقديم اقتراح قانون جديد «للترخيص لزراعات تستعمل في صناعة الدواء حصراً». هذا الاقتراح، بحسب المعطيات، تجاري بامتياز، وأعدّته شركات دواء محلية تريد الاستفادة من المشروع. خطورته أنه يريد توسيع بيكار النباتات المشرعّة، إذ ينصّ في أحد مواده على «ترخيص زراعة خشخاش الأفيون ونبتة الكوكا، وسائر النباتات التي تنتج منها مخدرات». على أن تنشأ «هيئة خاصة للإشراف والرقابة على زراعة المخدرات». يهدف النص في روحيته إلى منح شركات الدواء، في حال حصولها على التراخيص، «حق استيراد البذور واستيلاد الشتول وبيعها وزرعها وحصاد المحصول ومعالجته وتحويله وتخزينه وبيعه وتصنيفه». وبحسب الاقتراح نفسه، تضم الشركات إلى ملفها خريطة عن العقار أو العقارات التي تعهدت بشراء محصولها!

المزارعون: نعم للتشريع... لا لـ«الكوتا»!
على مدى سنوات طويلة، كان مزارعو الحشيشة يخافون المجاهرة بزراعتها أو بفوائدها التي «يتبجّح» بها السياسيون اليوم في تسويقهم لتشريعها. في البقاع الشمالي، بين بوداي والكنَيسة ودير الأحمر واليمونة، إلى مرجحين في الهرمل، مساحات هي «الأفضل» لزراعة هذه النبتة، بحسب المزارعين. «هذه الأرض خِلْقت للحشيشة» يقولونها بشيء من «الاعتزاز». تتفاوت آراؤهم في التشريع، لكنهم يُجمعون على ضرورة «أن يُحصر بالأماكن التي تزرع الشتلة عادةً»، وعلى رفض «الكوتا» لأنّها «ما بتوفّي».

حتى الآن، لا يعلم القسم الأكبر من مزارعي الحشيشة في البقاع أن «الأغراض الطبّية» التي فُتح موضوع تشريع القنّب الهندي «على شرفها» تتطلّب نبتة مختلفة عن تلك التي اعتادوا زراعتها. يسرد رئيس بلدية اليمونة طلال شريف، ما يعرفه عن التشريع في أوروبا وكندا: «هناك هجّنوا النبتة، بقيت بالشكل نفسه، لكن من دون مادة رباعي هيدرو كانابينول المخدّر. وأنشئت بنوك لتوزيع البذور المهجّنة على المزارعين».
تهجين النبتة لا يشكّل همّاً أساسياً للمزارعين الذين لا يعيرون أهميّة كبيرة لتفاصيل مشاريع القوانين. همّهم في مكان آخر: الكوتا والكميّات. «فرض كوتا على الكميات التي يمكن أن نسلّمها للدولة يقلّص من أرباحنا» يستنتجون. يطالب شريف «بدراسة الجدوى الاقتصادية لهذه الزراعة»، رافضاً وضع «كوتا على الكميات، بل فتح المجال أمام المزارع، ما دام ثمّة من يتسلم الإنتاج».

تخوّف من سيناريو التبغ
الحشيشة، بعد تشريعها، كما التبغ، زراعة مضمونة توفّر الدولة على المزارعين مشاقّ تصديرها بتسلّمها منهم بدل تركها لاحتكار التجار. لكن ذلك لا يلغي الخشية من تكرار السيناريو نفسه الذي يحدث في زراعة الدخان. فما يتقاضاه مزارع التبغ عن كل رخصة (أذون زراعي)، «لا يكفي للعيش طوال العام في انتظار موعد تسليم الإنتاج إلى الريجي (إدارة حصر التبغ والتنباك)». وعلى هذا النحو، لا يريد مزارعو الحشيشة أن تلقى زراعتهم لدى تشريعها المصير نفسه. مزارعو التبغ يعانون من التوزيع «غير العادل» للأذونات الزراعية التي يحتكرها البعض، ويشكون سوء الأسعار وتحديد حصّة الإنتاج من الدولة. المقارنة التي يعقدها المزارعون، سببها أن كثيرين منهم يزرعون الصنفين: التبغ والحشيشة، ويزرعون أيضاً الخضار وغيرها من الأصناف التي ينتجها سهل البقاع. لكنّها في النهاية زراعات «غير مضمونة». فـ «دونم البطاطا، مثلاً، كلفة زراعته تبلغ نحو 1500 دولار»، و«زراعة مئة دونم منه مخاطرة كبيرة، في ظل نقص المياه والأمراض التي تصيب البطاط، كالجعفير، فضلاً عن مشاكل التصريف». بينما بالمقارنة، كلفة زراعة «مئة دونم حشيشة تصل إلى عشرة آلاف دولار، مع مردود مضمون بين عشرين و25 ألف دولار أو أكثر بحسب السوق»، من دون «أي مخاطر»، لأن هذه الزراعة «لا تصيبها الأمراض ولا العطش»، اللهم إلا مخاطرة وحيدة: «ملاحقة الدولة»، فضلاً عن «الغبن اللاحق بالمزارع الذي يجني القروش، فيما يراكم التجار الملايين»، بحسب أبو حسن شريف.

التشريع «حقل تجارب»
في اليمونة البقاعية، تنعكس الشمس على البركة الصناعيّة الكبيرة، منذرة الواصلين بأنهم أطلّوا على الضيعة النائية. انتهى المزارعون من حصاد موسم الحشيشة ووضبوا المحصول بانتظار بيعه. لكن «السوق جامد» و«الرزق» ينتظر تصريفه و«لا أحد يشتري». هذا العام كما العام الماضي، لا يعلم المزارعون كيف سيصرّفون إنتاجهم. ينطلق رئيس البلدية «أبو علي طلال»، كما يناديه السكان، من مبدأ الموافقة على التشريع «لكون الناس يزرعون هذه النبتة منذ مئة سنة، والدولة لم تجد بديلاً سوى بلاغات البحث والتحرّي ومذكّرات التوقيف». تلك المذكّرات تشكل الهمّ الأول للناس هناك. لذا، لا مشكلة في «تجريب التشريع» طمعاً بـ «عفو عام». «ليس لدينا ما نخسره، منجرّب» يقولون. فهم، على أي حال، «مستمرّون» بزراعة الحشيشة حتى «لو لم تشرّع»، لأنّهم، ببساطة، «في بلد يخالف فيه قانون السير والبناء وكلّ شيء، فهل تتوقّف المسألة على هذه الزراعة؟»، يسأل أحدهم، لافتاً إلى «حسن نيّة المزارعين» عندما أقدموا «على وقف زراعة المخدّرات طوعاً عام 1992»، في انتظار حلٍّ لم تأتِ به الدولة. كلّ الزراعات البديلة «لم تنفع»، ولم تُوفَّر مستلزماتها، وبقيت مشاريع بلا «خطط طويلة الأمد». والأمثلة عديدة: زراعة الزعفران، والشمندر، والأشجار المثمرة، وسواها.

لا يريد مزارعو الحشيشة أن يكون مصيرهم بعد التشريع كمزارعي التبغ

يشكّل التشريع «الخرطوشة الأخيرة» بالنسبة إلى من يعتمدون على زراعة الممنوعات. «الخدمات معدومة، والناس على وشك أن يصيروا تحت خط الفقر» يقول أبو حسن، ويشكو مواسم التفاح والفاصولياء والبطاطا في بلدته التي يفوق ارتفاعها عن سطح البحر 1300 متر... «كلّه بيصقع، وحدها الحشيشة تقاوم الجليد». يتابع حاسماً: «زرعنا الحشيشة كي لا يستعبدنا أحد، نحن مع التشريع كي يعيش الناس بكرامة، ويخلصوا المطاليب، عليهم أن يجرّبوا خطوة التشريع ويجرّبونا معها». لا مشكلة بالنسبة إليه في «تسلُّم شتلة أخرى» شرط أن تكون «شيء يحرز. أما إذا قرّروا إعطاءنا مليون ليرة للدونم فليخيّطوا بغير هالمسلّة». لا خوف من التشريع «إذا أصبح بيد الدولة وليس التاجر»، الأخير «حلّ عندما غابت الدولة، وعندما تعود يغادر من تلقاء نفسه».

«سوق جامد ومواسم مضروبة»
في دير الأحمر يشكو المزارعون، بدورهم، مواسم «انضربت»، سواء موسم البطاطا أو الخيار أو البصل أو الحبوب أو العنب… حتى الحشيشة «جابت سوقها من سنتين» أما اليوم فـ«السوق جامد». بعد الحرب في سوريا «لم يعد من طرق للتصدير». يقول أحدهم: «لو أن وزارة الزراعة تهتم بالمزارع وتثبّت سعر كيلو البطاطا بخمسمئة ليرة مثلاً، لما كان أحد ليزرع الحشيشة»، مضيفاً: «يعتقد البعض أن التشريع سيجعله يزرع ويبيع الكمية التي تريدها». أما المشكلة الأكبر برأيه، ففي «حصول فائض في الإنتاج لا تتسلمه الدولة»، وتالياً «عودته للاستعمال الداخلي».
من جهتها، تشير المزارعة الخمسينية في الدير إلى أنه منذ أربع سنوات ومواسم العنب «لا تعطي». رغم ذلك، «نهتمّ بها حتى عادت تنتج هذا العام». المشكلة في «الاهتمام الكبير الذي تتطلّبه كلّ المزروعات البديلة التي يقترحونها». العنب واحد من «البدائل»، وقد استحدثت في الدير خمارات لصناعة النبيذ الفاخر وتصديره. كلّ المحاصيل والبدائل «الخسارة فيها قبل الربح». خصوصاً أنها ــــ على عكس الحشيشة ــــ تتطلّب أدوية وسماداً وعمّالاً.
الشحّ في المياه في كلّ موسم صيفيّ، بسبب «التعدّيات» يؤدي إلى تلف المحاصيل، ولا سيّما الكرسن والشعير والحبوب «كلّو راح». حتى القمح «هلِك» من الجفاف. المناخ «لا يساعد». أما الحشيشة فشأن آخر! أفضل نوعية من الحشيش «تصنع في منطقتنا، لأن الأرض لها». لا تهتمّ المزارعة بذكر اسمها «يا ريت بياخدوني شهر على الحبس بلكي برتاح وبفضى صلّي». ينتظر المزارعون بيع محصولهم من الحشيش بعدما «اشتغلوه» ووضّبوه. «لم أكن مع التشريع» تقول المزارعة الديرية، لكن اليوم «إذا فكّرت في الموضوع أقول: بلى». هكذا أفضل. «لنحسب أنه مثل «الدخان» (التبغ) هكذا نضمن أن ثمة من يتسلم المحصول، فلا نكون تحت رحمة تجار الحشيشة». أولئك التجار لا يراهم المزارعون «الكبار منهم لا نعرفهم، ناس تحت يد ناس، فلا يصل للمزارع إلا من الجمل دينتو». لا يهمّ إذا تسلّمت إدارة عامّة في الدولة المحصول أو شركة أدوية خاصّة «المهم ما يضلّ بالأرض». تبقى الدولة بكلّ علاتها، وبالرغم من غيابها «أماً رحوماً». أما الحصول على إذن لزراعة الحشيشة، فيجب ألّا يقلّ عن «20 إلى 25 دونماً، هذه الكمية يمكن أن تكفي عائلة».


مفارقات «الحشيشة»
يبدأ موسم زراعة الحشيشة في نيسان وينتهي في «التشارين». بعد القطاف، تأتي المرحلة «الأكثر دقّة لتحويلها إلى بودرة كيميائيّة»، وهي مرحلة «تتطلّب أماكن مخصّصة لها، وتكاليف على عكس زراعتها». الشغل في الحشيشة متعب، «القطاف والدقّ والتنظيف والتوضيب للتصدير يجب أن تكون على الأصول»، غير ذلك «ما بتزبط». «لا شيء سهلاً» في عالم الحشيشة، لكنها نبتة «مضمونة» برأي المزارعين، تتماشى ومناخ البقاع القاسي. يراوح سعر «الهقّة باب أول» بحسب تعبير مزارعي الحشيشة «بين 150 ومئتي دولار، وفق التاجر».
أما تعاطي المخدّرات «الآخذ بالازدياد»، فمردّه «إلى أن المراهقين يعانون البطالة والفراغ، ويشذّون عن القاعدة». والقاعدة المقصودة هي أن «المزارع لا يتعاطى». أما زراعة «الأبيض»، «فيتبرّأ» منها مزارعو البقاع. «الكوكايين والهيرويين وسواهما مواد لا تصنع هنا، بل يستوردها التجّار من الإكوادور وكولومبيا والبرازيل. هذا، وليس الحشيشة، ما يتعاطاه الشباب».

   

اخر الاخبار