اخر الاخبار
يتيم ذاق مُرّ الحياة... يحيى يعمل 13 ساعة يومياً وحلمه الكبير مستحيل
المصدر : النهار - اسرار شبارو تاريخ النشر : 25-10-2018
منذ قدومه الى الحياة وهو يعيش مأساة، ولد في عائلة فقيرة. حرم من والدته قبل التشبُّع من حنانها وحفظ ملامحها. خسر مدرسته بسبب الحرب في #سوريا التي امضى خمس سنوات من عمره تحت نيران قذائفها. وعند قدومه الى لبنان، أُجبر على العمل في دكان مقابل مدرسة، لتتأجج الحسرة في قلبه عند مشاهدة التلامذة يحملون حقائبهم ويتابعون تعليمهم، في حين هو مرغم على البقاء واقفاً على قدميه مدة 13 ساعة كي يلبي طلبات الزبائن وإيصال حاجاتهم... إنه يحيى طه الفتى السوري الذي يحمل في صدره وجعاً تعجز عن حمله الجبال، ويأمل بغد أفضل، وكما قال لـ"النهار": "أسلّم أمري إلى الله".

من المرة الأولى التي رأيت فيها يحيى (13 سنة) في الدكان، أدركتُ كم أنه خلوق، هادئ وخجول. لم أحاول ان أعرف قصته، ظننت أنه كباقي الأولاد الذين اُجبروا على العمل لمساعدة عائلتهم، وما أكثرهم في لبنان، لكن عزّة النفس التي كان يظهرها في كل مرة أقصد فيها السمان الذي يعمل عنده، أثارت حفيظتي، فحينها لم أكن أعرف حتى اسمه، اتخذت قراري بالسؤال عن حياته الشخصية، لأُصدَم بمدى القهر والحرمان الذي يختزله.

جرح قديم

اليوم كان يحيى يقوم بتنظيف الارضية خارج الدكان، اقتربت منه وسألته إن كان لديه مانع من سرد قصته للناس، ليرد بصوت يكاد يُسمع أنه جاهز. وضع الممسحة جانباً، جلسنا على حوض طيني، وراح يقصّ رواية غدر الزمن به منذ أن كان طفلاً فقال: "توفيت والدتي منذ كنت طفلاً بمرض القلب، لا أعلم كيف كان شكلها، إلا أنني أحبها وأفتقدها كثيراً. في سوريا التحقت بالمدرسة ووصلت الى الصف الثاني ابتدائي، إلا أن اندلاع الحرب انتزعني من مقعدي الدراسي لأعايش الموت مع عائلتي خمس سنوات قبل أن يتّخذ والدي قراره بمغادرة ريف #حلب والمجيء إلى لبنان".

رعب لا يُنسى

وصف يحيى كيف أن نهر الموت الجاري في سوريا ابتلع أولاد شقيقته الثلاثة وزوجها، إضافة إلى أقاربه، قائلاً: "كانوا جميعا في المنزل حين سقط صاروخ عليهم، أنهى حياتهم في لحظة. أما نحن فكنا نخرج من البيت عند بدء القصف، نقف على الطريق لساعات، لأنهم كانوا يستهدفون المنازل. كنت أشعر أن الموت آت لا محالة، لا بل تمنيته أن يأتي مرات عدة كي يأخذني ويريحني مما أنا فيه. فلا شيء أصعب من أن يشعر الإنسان بالرعب". وأضاف: "كانت رائحة البارود تفوح في الأرجاء، الدمار في كل مكان، جرحى وجثث ملقاة هنا وهناك، أنين يغرز في القلب وجعاً يصعب على الوصف".

رحلة المجهول

يستذكر يحيى الصعوبات التي قطعها مع عائلته للوصول إلى لبنان: "حملنا ما تيسّر لنا من أغراض، قطعنا مسافة سيراً تحت جنح الظلام. كان الخوف والإرهاق يتسلل إلى شراييني. بعدها صعدنا في سيارة، واتجهنا إلى المجهول. اجتزنا الحدود ووصلنا إلى بر الأمان لننتقل الى الجبل، وبعده إلى أعماق منطقة صبرا، حيث الفقر ينهش كل زاوية هناك. بحثت عن عمل كي أعيل عائلتي لأن والدي عاطل عن العمل. وقبل فترة وجدت في هذا الدكان مطلبي". وتابع: "أعمل يومياً من الساعة السابعة صباحاً حتى الثامنة مساء، مقابل 50 ألف ليرة أسبوعياً أعطيها كلها لوالدي اضافة إلى البخشيش". استفسرت عن المبلغ الذي يحتفظ به لنفسه، فأجاب: "ما بدّي شي إلي".

أحلام في مهبّ القدر

سألت يحيى عن حلمه، سكت سارحاً إلى البعيد، شعرت حينها كم أن أبسط الأمور تعتبر بالنسبة إليه حلماً كبيراً. فهل يبدأ من ثيابه أو مأكله، من ضرورة "تقاعده" من عمله وعودته إلى مقاعد دراسته، من اللعب كباقي الأولاد والنوم براحته، ويبقى الحلم المستحيل حضن والدته، مرّت لحظات استعاد خلالها شريط الألم قبل أن أقاطعه "هل ترغب بالعودة إلى المدرسة"؟ دمعت عيناه ليشير: "كنت شاطر كتير، ليت ذلك ممكناً، فلا أحد يشعر بما أعانيه عند رؤية الأولاد يحملون حقائبهم المدرسية، ينزلون من الباص صباحاً، أبيعهم الحلويات قبل الدخول إلى المدرسة، هم يؤسسون لمستقبلهم، وأنا بلا حاضر أو مستقبل".

تركت الفتى يكمل عمله وغادرت وفي رأسي ألف علامة استفهام عن قدره، وعمّا إن كان يخبئ له الأجمل في السنوات المقبلة؟ إذ أن كل إنسان سيتذوّق مرّ الحياة وحلوها، فمتى يحين دور يحيى لتذوّق حلاوتها؟

   

اخر الاخبار