اخر الاخبار
تورينو: جَنَّةُ الإشراق، وجِنَّةُ العُشَّاق................ بقلم الاستاذ يونس زلزلي
تاريخ النشر : 24-09-2018
عندما تعبر نفق "مون بلان" ، أي الجبل الأبيض، يُسْتَبدَلُ اللونُ الأزرقُ في العلمِ الفرنسيّ باللون الأخضر، فيصبحُ إيطاليًّا. وتُطْلِقُ اللافتاتُ المروريّةُ كلماتِها بحروفٍ تسمعُها بعينيك وهي تعزفُ إيقاعها اللاتينيّ المليء بالحركة. وتَستَكْمِلُ "طَلْيَنَةُ" المشهد حولَك هيمنةُ سيّارات الفيات على الطّريق بجانبيه، وتسمع سائق الحافلة الّتي تقلّنا من فرنسا إلى إيطاليا يخاطبُنا قائلًا:" بينڤو نوتو" أي أهلًا وسهلًا، فتدرك ساعتئذٍ أنّك قد دخلت إلى إيطاليا.

تتنازعك الحيرة في انتقاء مدينةٍ تكون وجهتك في زيارتك الأولى لهذا البلد وأنت تعلم مسبقًا أنّ كلّ المدن الإيطاليّة ساحرةٌ بطبيعتها وكنوزها المرصودة. لكنّك سرعان ما تستقرب حين تسمع اسم تورينو يلفظه السّائق معلنًا الوقوف فيها قبل متابعة الرّحلة إلى ميلانو. ما إن توقّفت الحافلة حتّى رأيتني أنزل متأبّطًا حقيبتي وفضول المعرفة، فطفقْتُ أسائلني: " أيّ قدرٍ ساقَكَ في مسالكِ المدينةِ الّتي تَدَلَّهَ بها الفيلسوف الألمانيّ "فريدريك نيتشه" في هيامٍ أفضى إلى الجنون؟ أيّ خطرٍ حاقَكَ في مهالكِ المدينةِ الّتي تَوَلَّهَ بها الشّاعر الإيطاليّ "سيزار باڤيزي" فانتحر فيها غير عابئٍ بالمَنون؟ لا ضيرَ من الجنون أو المَنون، فقد تجاوزْتَ الأربعين قمّة العمر. دَعْك من هذه الوساوسِ والهواجس كيلا تُفسدَ متعة المكان، وتكدّر صفو هذه العجالة من الزّمان. استجبْت لنداء أعماقي، ومضيْت أجرُّ رِجْلَيَّ على إسفلت المدينة المحموم حتّى وصلْتُ إلى أقرب فندق لم أعرف كيف رميْت حقيبتي في غرفتي فيه، ورحْتُ أسابق الغروب إلى نهر "بو". دقائق من المشي السّريع بين الشّوارع والحدائق تُنْبِئُك أنّكَ في مدينةٍ عالميّة ترى فيها النّاس من كلّ لونٍ وجنس يكرجون على دروبها زرافاتٍ ووحدانا. بلغْتُ ضفّة النّهر المتدفّق من قمم جبال "الألب" هادرًا في عبوره يشنّف آذان "تورينو" بخريرٍ من ترجيع الحياة، على صفحة وجهه تغسل الشّمس قلبها فتكبح جموح حرارتها، وتتوضّأ الغيوم لتصلّي استسقاء الحنين إلى الشّتاء بمطْرةٍ ناعمةٍ تداعب خدّ الأرض بحياءٍ وخَفَر. هناك رأيْت بطّةٌ وفرخها الصّغير يؤدّيان دور المرشد السّياحيّ، فيواكبان مجموعةً من الّسيّاح الّذين يمخرون عباب هذا المدى العجائبيّ بمجاذيف تحرّكها فرحة القلوب قبل همّة الأيادي. وتستلحق نفسك على دروب المدينة، فتبتعد عن النّهر لتستكشف ما استطعت إليه سبيلًا من معالم قبل حلول الليل. سرعان ما تستوقفك العمارة الفريدة في كنائس متجاورة تقادَمَ عهدها، وما فتَرَت همّة المؤمنين عن ارتيادها، وتستحوذ على اهتمامك مبانٍ متناسقة، وحدائق عامّة عديدة تُنسيك أنّ تورينو مدينةٌ صناعيّة كبرى أطلقت سيّارة "الفيات" منذ بدايات القرن الماضي. لكنّ المُلْفِت أكثر في أحيائها الدّاخليّة هذا التَّرتيب في تنظيم مداخلها وتقسيمها بفواصل ولا يمكن إغفال التّشابه بين أسواقها المسقوفة والأسواق التّراثيّة في مدننا العربيّة.

عَرَّجْتُ على مطعمٍ عربيّ لرجلٍ مصريّ من القاهرة، فلمّا عرفني من لبنان سبقني وطلب من عامله إعداد صحن فلافل استتبعه بفنجانٍ من القهوة شربتُه متلذّذًا في المدينة الّتي شهدَتْ أوّل فنجان قهوة "اسبريسّو" في التّاريخ في العام 1884 م. وتبادلْنا أطراف الحديث، فعرفْت أنّه جاء قبل ستّة عشر عامًا، واستقرّ في بلاد الطّليان ففيها نعمتان معلومتان في بلادنا مجهولتان هما الأمن والأمان. ودّعتُه واكملْتُ طريقي باتّجاه "مول انطونيليانا" أبرز معالم المدينة وأعلى مبانيها. إنّه أطول متحف في العالم استغرق بناؤه ستًّا وعشرين سنة، ولمْ يعمر المهندس الّذي بناه "اليساندرو أنتونيللي" ليرى إنجازه، فأُطْلِقَ اسمه عليه تكريمًا لذكراه. يبلغ ارتفاع هذا الصّرح مئة وسبعةً وستّين مترًا، ويُطِلُّ على المدينة من كلّ الجهات بما يُبْهرُ الزّائرين في رؤيةٍ بانوراميّةٍ فريدة، ويضمّ المتحف الوطنيّ للسّينما الإيطاليّة.

يُرخي الليل سدوله، فأعود إلى الفندق متلهّفًا إلى طلوع شمس الصّباح لاستكمال الجولة حيث انتهت. وهكذا استُهِلَّ اليوم الثّاني بزيارة المتحف المصري الشّهير والمتضمّن ثلاثين ألف قطعة من الآثار المصريّة القديمة بما فيها معبد تحوتمس الثّالث ولوح إيزيس وتمثال رمسيس وحورمحب. وأطرف ما طالعني على مدخل المتحف تمثال ملوّنٌ لإيزيس إلهة الأمومة والقمر لدى الفراعنة. ما إن وقفْت لالتقاط صورتها حتّى ارتفعت يدها بالشّكر، فاكتشفْتُ أنّني أمام رجلٍ إيطاليّ يتسمّر طول النّهار متنكّرًا بزيّ "إيزيس" وأمامه حصّالةٌ يضع الزّوّار فيها ما تجود به نفوسهم من نقود. أمّا على الجهة الأخرى، فيطالعُك تمثالان حقيقيّان ل"سخمت" إلهة فرعونيّة برأس لبوءة كانت سيّدة الحرب والأرض في مصر العليا ومصر السّفلى قد أرسلها الإله "رع" بهذه الصّورة للانتقام من البشر العُصاة.

لم يتسنّ لي أن ازور فريق "جوفنتوس" في ملعبه ومتحفه، لكنّي أينما اتّجهت في تورينو كانت تطالعني صور هذا الفريق الملقّب بالسّيّدة العجوز وقد جَدَّدَ شبابه هذا العام بتعاقده مع النّجم البرتغاليّ "كريستيانو رونالدو" الّذي سبقته صوره إلى جدران المدينة، وقمصانه إلى أجساد شبابها بعد أن اختطفتْه من مدريد، وكأنّها تردّ اعتبارها بعد أن انتزعت مدريد منها زين الدّين زيدان قبل سبعة عشر عاما.

تتابع رحلتك في "مهد إيطاليا" السّياسيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ، فتشحذ طاقتك بفنجانٍ من "البيسارين"، وفي المدينة مقهى شهير يحمل اسمه. يتكوّن هذا الشّراب من الحليب والسّكّر والبنّ والشّوكولاتة. بعد ذلك تمرّ في كاتدرائيّة القدّيس يوحنّا المعمدان المعروفة باسم كنيسة الكفن المُقَدَّس، لأنّها تضمّ ما قيل إنّه كفن السّيّد المسيح، وهو أيقونةٌ تعكس آلام السّيّد المسيح بحسب الإنجيل. وندلف بعد ذلك إلى ساحةٍ ملأى بالتّماثيل تحيط بها القصور الجميلة. إنّها ميدان القصر الملكيّ لعائلة "ساﭬوي" الّتي حكمت تورينو. وما زال علمها الصّليب الأبيض على قماشة حمراء يعتلي المباني العامّة في تورينو مع عَلَمَيّ إيطاليا والاتّحاد الأوروبيّ. فهو اليوم علم إقليم "بييموني" أحد أقاليم إيطاليا العشرين والّذي يتّخذ تورينو عاصمةً له. أينما اتّجهت في تورينو، فستشعر بظلال آل "ساﭬوي"، فهذا "أومبرتو" على ناصية شارعٍ هنا، وذاك "ﭬيكتور إيمانويل" على مدخل قصرٍ هناك. أمّا تماثيل الفرسان والقادة على خيولهم ومع بنادقهم فهي استحضارٌ لرهبة التّاريخ وحروبه الغابرة. رهبةٌ تجلوها سيّارات الفيات والألفا روميو واللانسيا الّتي تبهرك، فتقع عيناك على أشكالٍ منها لم تخطر على بالك قطّ. هذا على شوارع المدينة، فما بالك لو زرت متحف الفيات التّاريخي وعاينت أسطول سيّاراته منذ إنتاج اوّل سيّارة في العام 1903؟

ينتهي الطّواف قسرًا لاقتراب موعد العودة إلى فرنسا، ويبلغ الحرّ أشدّه عند الظّهيرة، فهل أنجع من "الجيلاتي" الإيطاليّة اللذيذة لتطفئ لهيبه؟ وأمام محلّ للمثلجات أطلب من البائعة كوبًا بطعم الرمّان والبرتقال، لكنّها تدعوني إلى شوكولاتة تورينو الشّهيرة، فتقدّم لي كوبًا من كريمينو "فيات"، وكأنّها تختصر حلاوة تورينو بالشّوكولاتة والفيات.

تغادر المدينة مُودِعًا بعضًا من قلبك فيها، فتُعَرِّج على "نيتشيه" نفسه، مسترجعًا قوله:"إنّها مدينةٌ تتحدّث بقلبها"، ثمّ تراه يبرّر اتّخاذها موطنًا له لأنّها المكان الأوّل الّذي أحسّ فيه بالقبول المتسامِح. لعلّه قال هذا كونها احتضنت شكّه بيقينها، ولوَّنَت أيّامه الرّماديّة بجمالها. إنّها بحسب عاشقها "سيزار باﭬيزي":"تآلف المادّة والرّوح، والوداعة والشّغب، والقِدَم والجِدّة، والهزل والجِدّ. هي تورينو حلم اليقظة".

ولعلّ "تورينو" ومثلها "إيطاليا" قبل كلّ شيء هي لغة. هكذا تَمَثَّلَ تورينو جارها المفكّر والفيلسوف المعاصر "أمبرتو إيكو" مضيفًا في مقابلةٍ مع صحيفة "لوموند" الفرنسيّة في العام 2011:"إنّ هذه اللغة هي الّتي صنعت الإيطاليين".

إنّها إيطاليا الخضراء وسورة الماء الّذي جعلها آيةً من سماء، وسيرورة إنسانها الأنيق الرّقيق وصورة لغته السّهلة الممتنعة بكلّ ما فيه وفيها من تفضّلٍ ولطف. لذلك كلّه أستعير كلمة الإيطاليين الأثيرة والأولى "غراتسيا" أي شكرًا، لأقول:"غراتسيا ديو" شكرًا للّه وقد جعل هذا الفردوس الأرضيّ مَطْهَرًا من جحيم الدّنيا، وجنّة حُبٍّ وسلام ، وموطنًا للفنّ والجمال.

   

اخر الاخبار