معاجز الأنبياء هي من صنع الله وحده ... بقلم فضيلة الشيخ حسين إسماعيل
تاريخ النشر : 21-02-2019
في رحاب قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) ) الرعد

تتحدث هذه الآية الشريفة من سورة الرعد عن المعاجز التي يجريها الله تعالى على أيدي الأنبياء، بهدف إثبات نبوتهم وبعثتهم من قبل الله تعالى إلى أممهم ومجتمعاتهم، وتناولت هذه الآية عدة أمور، ونشير إلى هذه إلى الأمور على النحو التالي :

الأمر الأول : وهي أن هذه الآية الشريفة أطلقت على المعاجز وصف الآيات وهي جمع آية ومعناها الدلالة ، ووصف الله معاجز الأنبياء بالآيات بسبب دلالالتها المنطقية والعقلية على أنها من صنع الله، وأن الله تعالى لا يجري المعاجز على من يدعي النبوة كذبا وخدعا، ولا يعطي تعالى المعجزة إلا لمن كان صادقا، ولتكون المعجزة دليلا على صدق بعثته ونبوته، وحتى لا تكون هناك حجة للناس على تكذيبه، وخاصة أن المعجزة ليس بأحد قادر على فعلها إلا الله تعالى.

الأمر الثاني : أن الله تعالى هو من يختار المعاجز للأنبياء، ويخبرهم بها، ويطلب منهم أن يحدثوا الناس عنها، بأنه تعالى سيجريها على أيديهم، لتكون حجة على بعثتهم من عند الله تعالى، لذا من هنا الله اختار معجز العصا لنبيه موسى عليه السلام، وهو تعالى من اختار معجزة القرآن لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الأمر الثالث : المعاجز تحصل بقدرة الله وعلمه، وليس بقدرة الأنبياء، لذا نلاحظ بأن الآية المتقدمة نسبت حصول المعجزة وتحققها إلى إذن الله، قال تعالى : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) ، وليس معنى الإذن هنا أن الله أَذِنَ لنبيه أن يأتي بالمعجزة، بل المقصود بالإذن هنا هو قدرة الله وعلمه وإرادته، وعليها يكون فعل المعجزة من صنع الله وليس من صنع النبي.

ومن هنا كانت كل المعاجز هي من صنع الله، فمعجزة العصا لنبي الله موسى والتي كانت تتحول إلى عصا هي من صنع الله، وكذا معجزة إبراهيم التي تتعلق بالنار التي رماه النمرود فيها، فجعلها الله تعالى عليه بردا وسلاما، وكذا معجزة نبي الله عيسى تحويل الطين إلى طير حقيقي ، هو من خلق الله وليس من خلق عيسى، لأنه تم نسبة الخلق والتكوين إلى إذن الله الذي هو علم الله وإرادته.

ولو كانت المعاجز هي من صنع الأنبياء لكانت معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله التي هي القرآن الكريم هي من صنعه، وهذا غير صحيح، لأنه من المعلوم أن القرآن هو من تنزيل الله وتأليفه، وهكذا كل المعاجز، ودور الأنبياء بالنسبة للمعاجز هو أن الله أجراها على أيديهم، أي جعلها تتحق على أيديهم، وأمر الله تعالى أنبياءه أن يخبروا الناس بها، حتى يؤمنوا بنبوتهم ورسالتهم.

الأمر الرابع : تحدث الله تعالى أنه جعل لكل معجزة أجل، تنتهي عنده، فهي لا تحصل باختيار النبي، كما لا تحصل في كل وقت، بل تحصل ضمن وقت يحدده الله بحكمته وقدرته، لذا أخبر تعالى في الآية المتقدمة بعد نسبة المعاجز إليه : ( ولكل أجل كتاب ) وذلك للدلالة، على أن المعاجز لا تحصل متى يشاء الأنبياء ولا متى يطلبها الناس، بل الله تعالى هو من يختار لها وقتا محدودا وزمنا معينا تحصل فيه ووقتا وأجلا تنتهي عنده.

ولم يبق من معاجز الأنبياء إلا معجزة القرآن الكريم والتي هي معجزة نبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي لا تزال مستمرة، وذلك لاستمرار بعثة ونبوة نبينا محمد عليه وآله الصلاة والسلام، إلى ما بعد وفاته وهي مستمرة إلى قيام الساعة، والله تعالى تحدى البشر منذ عصر النبي وصولا إلى عصرنا الحاضر واستمرار إلى قيام الساعة على أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا وعجزوا عن ذلك، وفِي ذلك دلالة على كون القرآن الكريم معجزة، لثبوت عجز البشر على أن يأتوا بمثله.

الشيخ حسين اسماعيل

   

اخر الاخبار