الأنبــاء التاريخيـة الأولــى

 

إذا كانت صور هي المقصودة بعبارة dmitjw التي ترد في نصوص اللعن والتحقير المصرية  فإن  أول ذكر للمدينة كان قبل في  أول الألف الثاني  قبل الميـلاد عنـدمـا " كانت صور و جبيل أهم مركزين للحضارة الفينيقية ، بينما لم يكن لصيدون يومها من الأهمية ما يوجب للفراعنة ذكرها مع هاتين المدينتين " .

تنقطع الأنباء التاريخية المتعلقة بصور ، حتى القرن الخامس عشر ق. م ، لتعود فتظهر إبتداءً من هذا الزمن ، في الوثائق المصرية و الأشورية بكثرة مدهشة .

ولعل صور قد خضعت مع باقي مدن فينيقيا ، عن طيب خاطر للمصريين بعد أن قوي هؤلاء و تمكنوا ـ  حوالي 1580  ـ  من طرد الغزاة الهكسوس من بلادهم .

وفي أوائل القرن الرابع عشر بدأت قبائل بدوية آتية من الواحة العربية السورية تغزو مدن الساحل السوري محدثة القلاقل و المتاعب ، و ذلك بأن تغير من ذاتها على دولة أو أن تعمل كمرتزقة في خدمة زمرات طموحة كانت بدورها ألعوبة بأيدي الحثيين الذين كانوا يومها يناصبون المصريين العداء .

وقد استخدم أمير العموريين ـ في البقاع ـ عبد عشيرتا ، و ابنه عزيز وهذه القبائل البدوية لتهديد مدن الشاطىء الفينيقي ، فتأثرت جبيل و بريتوس و صور من هجماتهم لمحافظتها على ولائها  للمصريين ، بينما إنحازت صيدون و ارواد الى جانب العصاة .

ولم يستطع امينوفيس الرابع (1375 ـ 1358 ) ولا خليفته ان يعيدا الهدوء الى المنطقة ، إذ يشكو توت عنخ امون ، خليفته الثاني ، من أن القوات التي ارسلها سلفه الى فينيقيا لم يكن النجاح حليفها .

وتعطينا لوحات تل العمارنة ، و هي رسائل باللغة الهيروغليفيّة والخط المسماري وجّهها  امراء المدن الفينيقية الى ملك مصر ، أول صورة مسهبة عن حالة تلك المدن وخاصة صور في ذلك العهد . (الرسائل 146 ـ 155).

وكان الأمراء المتنازعون زميردا الصيدوني وعبد عشيرتا وابنه عزيزو وامراء العموريين من جهة ، و ريب عدي الجبلي و أبي ملك (أبي ملكي) أمير صور في الثانية .

وفي الرسالة 99 يطلب ابي ملك من فرعون  مصر إمداده بالمياه والأخشاب و يُعلمه أن صيدون إنضمت إلى الجهة المضادّة ، وبإمكانه تقدير حالة صور الصعبة في هذا الظرف . وتبدأ الرسالة على الشكل التالي :

" إلى الملك سيّدي و شمسي وإلهي ، هذا ما يقوله أبي ملك ،  سبع مرات ثم سبع مرات أمرغ نفسي على اقدام الملك سيدي ، أنا التراب بين أقدام الملك و عليه يطأ .يا ملكي و سيّدي أنت صنو الإله شمش والإله رمّون في السماء ".

ثم يطلب تزويده بعشرين فرقة للذود بها عن المدينة .ويُخبر في الرسالة 148 أن زمريدا سلّم مدينة سامورو إلى عزيزو ،  و عندما علم أن أبي ملك أصبح حاكماً على صور هاجم اوزو واحتلّها وقطع عن الجزيرة الإمدادات . وفي الرسالة 149 ،يتحالف زمريدا ملك صيدون وعزيزوا وشعب ارواد ، فيجمعون سفنهم وعرباتهم  وجندهم ويهاجمون " صور قاعدة الملك ، و لكن قبضة الملك تغلّبت عليهم وسحقتهم " ، فلم يتمكنوا من الإستيلاء على المدينة.

و في رسالة ثانية يُعرب أبي ملك عن سروره لتعيينه قائداً للجيوش :

" سأحافظ للملك سيدي على صور المدينة العظيمة ، حتى يرسل قواته لمساعدتي ويعطيني ماءً لأشرب وحطباً لأتدفّأ ." وتخبر الرساة 151 بأن " النيران إلتهمت منزل ملك أوغاريت ، فأتت على نصفه " .

ويكتب ريب عدي أمير جبيل أن صور في حالة عصيان ، وأنه أرسل ممتلكاته وشقيقته اليها ولكن الصوريّين قتلوا حاكمهم وشقيقة ريب عدي و ابناءها الذين لجأوا الذين لجأوا إليها خوفاً من عبد عشيرتا .

                            

                                            ***

و يتمكّن ملوك العهد التاسع عشر ، و خاصة ساتي الأول (1313 ـ 1292) ورعمسيس الثاني (1292 ـ 1225) من إيقاف تفكك السيطرة المصريّة على فينيقيا ، ومن تثبيت حكمهم فيها ، ولكنَّ هجمات شعوب البحر، التي بدأت منذ القرت الثالث عشر ، استنزفت من قوى مصر وأضعفتها وبالوقت ذاته قوّت الشعور الوطني في الشعوب المحكومة إلى درجة أن بقاء السيطرة المصريّة على هذه البلاد أصبح مستحيلاً .

وكانت شعوب البحر هذه قادمة من البحر الايجيّ  بعد أن حلّت محلّها قبائل قادمة من وسط وشمال أوروبا تمكّنت بجموعها الكثيرة وبأسلحتها الرخيصة المصنوعة من الحديد من التغلّب على سكان المنطقة الايجيّة التي كانت تعتمد حتى ذلك الوقت على البرونز الغالي الثمن ـ ولذا مصنوع بكميّات قليلة ـ لصنع أسلحتها . وقد تسبب الدوريّون ، كما دُعي القادمون الجدد ، بحركة هجرة مماثلة مُجبرين السكّان الأصليين على البحث عن أماكن سكن جديدة في حوض المتوسط الشرقي ، فقدموا إلى شواطىء فينيقيا وفلسطين . وقد اتخذ قسم من هؤلاء طريقه على محاذاة شواطىء آسيا الصغرى ، فقضوا على الحثيّين في الأناضول وتابعوا سيرهم إلى الشاطىء الفينيقي حيث دمّروا في طريقهم اوغاريت  ، بينما غزا القسم الثاني مصر ، فردّهم رعمسيس الثالث (1198 ـ 1167) ، ولكنَّ قوته لم تكن كافية لردّهم من حيث أتوا فاستوطنوا جنوب كنعان ـ فلسطين ـ ومنها أخذوا يتوسّعون إلى الشمال مخرّبين صيدون وارواد .

و النبأ الذي رواه جوستين عن ملك عسقلان الذي غزا صيدون قبل سنة من سقوط طروادة ، أي حوالي 1200 ق م ، وعن هرب أهلها بحراً وتأسيسهم لصور لا يمكن أن يطابق الواقع ، فصور كانت قبل هذا الوقت مدينة عظيمة (رسائل تل العمارنة!) ويمكن تفسيره بأن الفلسطينيين ، غزوا صيدون خلال زحفهم فالتجأ سكانها إلى صور التي إزدهرت بهم .

والأحداث التي رافقت عصر الحديد وما تبعها من تطوّرات في المنطقة  سببتها هجرة  شعوب البحر وانهيار السيطرة المصرية على سوريا وفلسطين، كانت مؤاتية لحدوث تغيرات جذريّة في المنطقة كلها ، وما جرى في صور في هذا الزمن يلقي ضوءاً على احداث هذه الحقبة المضطربة ، فالضعف الذي لحق بالدول الكبرى التي فرضت سيطرتها خلال الألف الثاني قبل الميلاد سمح ببروز الدول الصغيرة ، فوصلت صور الى مركز لا يجارى ، وتبعتها في ذلك ممالك إسرائيل ودمشق والسامرة مقلّدة خطواتها ومحوّلة انظارها إليها لتساهم في تجارتها وتقلّدها في إنشاءاتها العمرانيّة .

ولئن قلّت أو إنعدمت المصادر التاريخيّة عن صور في هذه الفترة حتى 950 ق م ، فإن الاخبار عن مستعمراتها ومراكز تجارتها ، خلال الفترة ذاتها ، تتوالى بكثرة مدهشة مما يدل على الأهميّة التي أحرزتها المدينة يومها. فتأسيس المستعمرات الصورية في قادش وأوتيكا حوالي 1100 ق م وإنشاء المراكز والنقط على شواطىء أفريقيا الشماليّة والغربيّة ونشاط التجارة بين صور وترشيش موطن مناجم الفضّة دليل على قوّة الدولة الصوريّة وعظمتها في هذا الزمن المتقدّم .

وليس من الصدف أن يغفل الملك الأشوريّ تغلت  فلاسر (1115 ـ 1093 م) ذكر صور عند تعداده لمدن فينيقيا (جبيل وصيدون وارواد) التي قدّمت له الجزية ، فقد رفضت صور الخضوع معتمدة على مناعتها وقوّتها عندئذٍ .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©