صــور في العصـر العباسـي

 

 في العصر العباسي بدأت كتابات الرحالة والجغرافيين تتوالى في وصف مدينة صور ، وكانت البداية مع " إبن الفقيه الهمذاني " الذي إكتفى بالقول : " صور : منبرها إلى دمشق ، وخراجها إلى الأردن " . وقال " كعب الأحبار " :"من أراد منكم أن يجمع له دينه ودنياه فعليه بصور " .

وبعد أن تمكن " عيسى بن الشيخ " والي فلسطين من التغلب على " الموفق الخارجي " في سنة 251 هـ/ 865م طلب من الخليفة العباسي المستعين بالله أن يكتب إلى صاحب صور في توجيه أربع مراكب بجميع آلها لتكون تحت تصرفه .

وحين رفض " إبن الشيخ " البيعة للمعتمد بالخلافة ، وغلبه العباسيون لجأ بأهل بيته إلى صور وتحصن بها ، وحتى لاتتعرض المدينة وميناؤها للتخريب أثر الخليفة أن يخرجه منها بالتفاوض ، فأرسل إليه الفقيهين : " إسماعيل بن عبدالله المروزي " و"محمد بن عبيدالله الكريزي القاضي " ، وبعث معهما رسوله " الحسين الخادم " المعروف بـ " عرق الموت " ، فعرضوا على غبن الشيخ أن ينصرف من الشام أمنا ً ويتولى بلاد أرمينية ، فوافق ، وخرج من صور بطريق الساحل إلى ولايته بين سنتي 256 – 257 هـ / 870 م .

وما إن أعلن " أحمد بن طولون " إستقلاله بحكم مصر عن العباسيين وضم بلاد الشام إليه في سنة 264 هـ/ 878 م ، حتى قام بجولة تفقد فيها السواحل ، فمر بثغر صور ، وعكا ، ويافا ، وكانت صور بحالة جيدة فأعجبه بناؤها العجيب وأدهشه ، وحين وصل إلى عكا وجد أنها لم تكن بحالة صور ، فجمع صناع البلاد وعرض عليهم منعة صور وإستدارة السور على مينائها ، وطلب إليهم أن يبنوا سور عكا وميناءها على غرارها ، فإعتذروا له وقالوا :" لايهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان !" ، ثم ذ ُكـِر له " أبو بكر البناء " وقيل :" إن كان عند أحد علم هذا ، فعنده " .  

وهنا أترك الجغرافي الرحالة المقدسي المعروف بالبشاري ، وهو حفيد أبي بكر البناء يحدثنا عن كيفية بناء سور عكا البحري ، ومن خلال هذا الوصف يمكن أن نتخيل ما كان عليه ثغر صور في ذلك الوقت .

يقول البشاري أن جده أتى بغلق من شجر الجميز الغليظة فصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري ، وخيط بعضها ببعض ، وجعل لها بابا ً من الغرب عظيما ً ، ثم بنى عليها بالحجارة والشيد ، وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء ، وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت ، حتى إذا علم أنها قد جلست على الرمل تركها حولا ً كاملا ً ، حتى أخذت قرارها ، ثم عاد فبنى من حيث ترك ، كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيطه به ، ثم جعل على الباب قنطرة ، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء ، وتـُجـَر السلسلة مثل صور . قال : فدفع إليه ألف دينار سوى الخلع وغيرها من المركوب ، وإسمه عليه مكتوب " .

ويقول " قدامة " : " وسواحل جند الأردن : صور ، وعكا . وبصور صناعة المراكب " .

ويقول اليعقوبي : " ولجند الأردن من الكور : صور ، وهي مدينة السواحل، وبها دار الصناعة ، ومنها تخرج مراكب السلطان لغزو الروم ، وهي حصينة جليلة ، وأهلها أخلاط من الناس " .

ويقول الإصطخري : " وصور ، بلد من أحصن الحصون التي على شط البحر ، عامرة ، خصبة ، ويقال إنها أقدم بلد بالساحل ، وإن عامة حكماء اليونان منها " .

ومثله قال إبن حوقل . وترددت عبارته في أكثر من مصدر عند المؤرخين والرحالة.

ويقول المقدسي البشاري : " وصور مدينة حصينة على البحر ، بل فيه ، يدخل إليها من باب واحد على جسر واحد ، قد أحاط البحر بها ، ونصفها الداخل حيطان ثلاثة بلا أرض ، تدخل فيه المراكب كل ليلة ، ثم تجر السلسلة التي ذكرها محمد بن الحسن في كتابه ( الإكراه ) ، ولهم ماء يدخل في قناة معلقة . وهي مدينة جليلة نفيسة ، بها صنائع ، ولهم خصائص . وبين عكا وصور شبه خليج ، ولذلك يقال : عكا حذاء صور إلا أنك تدور ، يعني حول الماء " .

وقيل : صور ، بل هي في البحر ، لأنه يدور عليها ويـُدخل إليها على جسر، ويدخل إليهم الماء في قناة معلقة ، وهي نصفين ، نصف كبس ، ونصف حيطان في الماء على ما ذكرنا من عكا . وله " باب " ، " وإنما تدخل المراكب هذا الحيز ، وتجر السلسلة كي لايعبر عليها الروم بالليل ، وصور مدينة نفيسة ، بها صنائع كالبصرة وحصائص ، ومنها أكثر سكر الشام . ولهم ماء غزير ، ومزارع القصب بها كثير ". ومن صور : السكر والخرز، والزجاج المخروط ، والمعمولات ". " وماء صور يحصر " .

ويـُنسب إلى صور " القفيز " ، وهو مكيال للوزن ، يساوي ثلثي مدي إيليا ، كما يـُنسب إليها " الصاع " وهو مكيال للقمح ، وكيلجة إليا تساوي نحو صاع ونصف صاع صوري ، وكما نـُسبت بعض المكاييل إلى صور منذ ذلك التاريخ المبكر ، فقد نسب إليها في فترة لاحقة " الدينار الصوري " ، ونوع من الكاغد أو الورق يـُعرف بـ " الطاق الصوري " كان يكتب عليه المصحف بماء الذهب .

ومادمنا بصدد مانسب إلى صور ، فلا يفوتني في هذا المجال أن أذكر البحار دميان المعروف بـ " دميان الصوري " الذي أرعب البيزنطيين هو والبحار العظيم " ليو الطرابلسي " وكان ممن أسهم في إسقاط الدولة الطولونية في مصر .

وفي سنة 296 هـ/ 908 م يحقق أسطول صور البحري إنتصارا ً على الروم بقيادة القاضي " محمد بن العباس الجمحي " .

وتدخل صور بحوزة القائد العباسي " محمد بن رائق " سنة 327 هـ/ 938 م فينزل بها لبعض الوقت ومعه غلام له يـُدعى " مشرق " ، فيـُنشده أحد أدبائها بقوله :

          يصفر لوني إذا أبصرت به             خوفا ً ، ويحمر وجهه خجلا

          حتى كأن الذي بوجنتــــــــه             من دم قلبي إليه قد نقــــــــلا

 

وقبل أن يتوجه إبن رائق إلى بغداد سنة 329هـ/ 940م أضاف صور وعمل الأردن إلى " بدر بن عمار " صاحب طبرية – وقيل صاحب طرابلس – فقال المتنبي يهنئه ويمدحه وهو بطبرية :

  تـُهنــا ً بصـــور أو نـُهنـِها بـــها          وقــل الـــذي صــور وأنت له بكـــا

 وماصغر الأردن والساحـل الذي          حييــــــــت بـــه إلا جنـــب قدركـــا

 تحاسدت البلدان حتــى لــو أنهــا           نفوس لسار الغرب والشرق نحوكا

 وأصبح مصــرلا تكون أميـــره            ولو أنــــه ذو مقلـــة وفـــــم بكــــى       

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©