صــور في العهــد الامـوي

 

  كانت صور عند بداية حركة الفتوحات الإسلامية تعتبر داخلة في قطاع جند الأردن  ولذلك كان المكلف بفتحها الصحابي " شرحبيل بن حسنة " الذي أنيطت إليه مهمة فتح هذا القطاع ، ونمكن من فتحها في أواخر سنة 13هـ / 633 م .

ووجدت المدينة العناية مبكرا ً من المسلمين ، حيث قام معاوية بترميمها ، وإهتم بملء الفراغ السكاني الذي أصابها بعد نزح الروم عنها ، فأتى بالفرس وأنزلهم فيها كما فعل بغيرها من المدن الساحلية ، فقد ذكر " البلاذري " أن معاوية نقل من فرس بعلبك وحمص وأنطاكية إلى سواحل الأردن وصور وعكا وغيرها سنة 42 هـ . وروى " هشام بن الليث الصوري " عن أشياخه قالوا : نزلنا صور والسواحل وبها جند من العرب وخلق من الروم . ثم نزع إلينا أهل بلدان شتى فنزلوها معنا ، وكذلك جميع سواحل الشام . ولذلك قال اليعقوبي عن صور : " وكان أهلها أخلاطا ً من الناس " .

وفي سنة 59 هـ / 679 م تمكن البيزنطيين من الإستيلاء عليها وعلى صيدا وتسلقوا جبال لبنان بمساعدة الجراجمة ، إلى أن عقد معاوية الهدنة مع الإمبراطور وإستعاد المدينة .

 

 دار الصناعة البحرية

   وفي عهد عبد الملك بن مروان جرى تجديد بنائها بعد أن كانت خربة ، وإرتفع شأنها بين المدن الساحلية حين نقل إليها هشام بن عبد الملك دار الصناعة البحرية ، وكانت الصناعة في الأردن بعكا  ، فذكر " أبو الخطاب الأذري " أنه كانت لرجل من " أبي مـُعيط " بعكا أرجاء ومستغلات ، فأراده هشام بن عبد الملك على أن يبيعه إياها ، فأبى المعيطي ذلك عليه . فنقل هشام الصناعة إلى صور ، وإتخذ بصور فندقا ً ومستغلا ً . وقال " الوافدي " : لم تزل المراكب بعكا حتى وُلي بنو مروان فنقلوها إلى صور ، فهي بصور إلى اليوم .

 

 إمرة البحر

   وفي أيام هشام قام البيزنطيون بغزوة بحرية إلى صور سنة 70 هـ / 726 م . فتصدى لهم " خالد بن الحسفان الفارسي " وأجبرهم على الفرار بعد أن إستولى على سفينة لهم كانت رست على جزيرة قبالة صور ، وأسر من فيها . ومن المرجح أن " إبن الحسفان " ، وهو فارسي الأصل ، كان واليا ً على صور ومن غزاة ثغرها ، وكان أمير البحر بها " يزيد بن أبي مريم " الذي عزله هشام لتهاونه في مواجهة الغزاة ، وولى إمرة البحر مكانه " الأسود بن بلال المحاربي " ، فقطع الأسود البحر في سنة 111 هـ / 730 م ردا ً على تلك الغزوة .

وكانت مهمة الدفاع على طول الساحل الشامي تناط بأمير البحر ، ولذلك نرى الأسود، يخرج لمطاردة الغزاة البيزنطيين حين هاجموا سفينة تجارية عند ثغر بيروت . وقام بغزوة إلى قبرص في سنة 120 هـ / 738 م ثم بغزوة إلى جزيرة أقريطش في السنة التالية أو التي بعدها .

وفي عهد الوليد بن يزيد زادت سلطات الأسود فأصبح أميرا ً على جيش البحر في ساحل الشام كله ، وقاد حملة كبيرة إلى جزيرة قبرص فنزل عليها في سنة 125 هـ/ 743م ، وأتى بطائفة من أهلها وأسكنهم الماحوز بين صيدا وصور .

وفي عهد مروان بن محمد تم ترميم ميناء صور على يد كبير البنائين " زياد بن أبي الورد الأشجعي " الذي ترك إسمه منقوشا ً في عبارة ترددت في ميناء صيدا وعكا ومرعش ، وحتى أذربيجان : " ... هذا ما أمر بإصلاحه أمير المؤمنين مروان ، وجرى على يد زياد بن أبي الورد " .

 

الرباط في صور

وكانت صور من أهم ثغور الشام عند المرابطين المنقطعين للجهاد والغزو ، حتى إن الإمام الأوزاعي كان يفضل الإقامة والرباط فيها على بيروت ، وعبر عن ذلك بقوله لحسان بن سليمان الساحلي : " عليك بصور فإنها مباركة مدفوع عنها الفتن ، يصبح فيها الشر فلا يمسي ، ويمسي فيها فلا يصبح ، قبر نبي في أعلاها ولو أنني إستقبلت من أمري ما إستدبرت ماعدلت بها بلدا ً " .

وقد رأى الزاهد المرابط " إبراهيم بن أدهم مدينة صور في نومه كأنها ياقوتة بيضاء ، ولذلك خرج من كورة بلخ وهو صغير يحلم بنزول صور والإقامة فيها ، وحول ذلك روى مولاه فرج بصور سنة 186 هـ/ 803 م ، فقال : " كان إبراهيم بن أدهم رأى في المنام كأن الجنة فتحت له ، فإذا فيها مدينتان، إحداهما ياقوتة بيضاء ، والأخرى من ياقوتة حمراء ، فقيل له : أسكن هاتين المدينتين فإنهما في الدنيا ، فقال : ما إسمهما ؟ قيل : إطلبهما فإنك تراهما كما أوريتهما في الجنة ، فركب يطلبهما ، فرأى رباطات خراسان ، فقال : يافرج ما أراهما ! ثم جاء إلى قزوين ، ثم ذهب إلى المصيصة والثغور ، حتى أتى الساحل في ناحية صور ، فلما صار النواقير – وهي نواقير نقرها سليمان بن داود على جبل على البحر – فلما صعد عليها رأى صور ، فقال : يا فرج هذه إحدى المدينتين ، فجاء حتى نزلها ، فكان يغزو مع أحمد بن معيوف ، فإذا رجع نزل يمنة المسجد ، فغزا غزوة فمات في الجزيرة ، فحمل إلى صور ، فدفن في موقع يقال له مدفلة . فأهل صور يذكرونه في تشبيب أشعارهم ، ولا يرثون ميتا ً إلا بدأوا بإبراهيم بن أدهم . قال القاسم بن عبد السلام : قد رأيت قبره بصور ، والمدينة الأخرى عسقلان.

وكان سفيان الثوري يحدث بعسقلان ، فربما حدث الرجل الحديث فيقول له : هذا خير لك من ولايتك عسقلان وصور .

ومن الأمراء والغزاة والمرابطين الذين نزلوا بها ووصلتنا أسماؤهم في هذه الحقبة : الأسود بن بلال أمير البحر ، وخالد بن الحسفان الفارسي أحد الغزاة، وأبو علي حسان بن سليمان الساحلي الذي رابط فيها وروى عنه أبو حفص عمر بن الوليد الصوري .

ويظهر أن الفرس الذين نقلهم معاوية إليها قاموا ببناء مسجد خاص بهم ، ولذا عرف بمسجد الفرس . وقيا أن رجلا ً من أهل بيروت جاء إلى بيروت فقرأ على حائط سورها :

 

            دع الدنيــا فإني أراهــا                 لمن يرضى بها دار بوار

           ودارك إنما الذات فيها                    معلقـــة بأيـــام  ٍ قصـــار 

 

وحظيت صور في أيام معاوية بقائد بحري ذاعت شهرته وشجاعته وجرأته وصلابته في البلاد ، حتى إن البيزنطيين ، كانوا يخشونه لكثرة غزواته إليهم وكيده بهم ، لدرجة أنهم قاموا برسم صورة له في بعض كنائسهم الكبيرة ليتعرفوا إليه ويحذروه . وقد وصفه المسعودي بأنه كان عارفا ً بالسواحل ، كثير الغزوات في البحر ، صـُمـُلا من الرجال ، مرطانا ً بالرومية ، وحكى عنه حكاية تدل على جرأته .  

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©