رحـلات الصـوريين حول افريقيـا

 

كان الفرعون المصري نيخو مولعا ً بالمشاريع العامة وعلى الاخص المشاريع البحرية منها وكان محبا ً للفينيقيين ، معجبا ً ببحارتهم ، فاختار منهم بعثة استكشافية من خيرة بحارتهم الصوريين لتطوف حول القارة الافريقية وتتحقق مما كان شائعا ً في تلك الايام ، وهو أن الاوقيانيوس محيط محيط بالبلاد المصرية .

أبحر الصوريون من السويس ، فإجتازوا البحر الاحمر ، وبعد خروجهم من باب المندب سافروا جنوبا ً بغرب ، فمروا ببلاد الصومال وبعدما قطعوا خط الاستواء ، ابحروا بين الشاطئ الافريقي وجزيرة مدغشقر ، واستمروا جنوبا ً بغرب حتى بلغوا رأس القارة ، الذي يدعى اليوم رأس الرجاء الصالح، فمروا بالشواطئ الافريقية الغربية ( التي جابها بعدهم مواطنهم حنو القرطاجي من الشمال الى الجنوب ) ووصلوا الى مضيق هرقل (جبل طارق) فعبروه الى البحر المتوسط ، وعادوا الى مصر سالمين .

استمرت هذه الرحلة ثلاث سنوات . ومما وصل الينا من اخبارها انهم كانوا ينزلون في بعض الثغور فيستميلون اليهم قلوب اهلها بما كانوا يحملونه من البضائع  ، ويقيمون في تلك البلدان فيزرعون القمح ويحصدونه ، فيجددون مونتهم ويرحلون .

وأمر آخر يثبت الرحلة وينفي شكوك هيرودتس ، هو انهم ، بعد أن اجتازوا خط الاستواء رأوا الشمس تشرق عن يمينهم ، ثم وهم يعودون شمالا ً رأوها كما كانوا يرونها سابقا ً اي فوق رؤوسهم .

هي الشمس الشاهدة على تطوافهم حول القارة الافريقية في اواخر القرن السادس قبل المسيح .

وبعد مئة سنة ونيف من هذه الرحلة الفينيقية الاستكشافية الاولى ، رحل حنو القرطاجي رحلته الشهيرة ( 470 ق.م) فسجلت اخبارها في تقرير رسمي علق في هيكل الاله ايل (المشتري) بقرطاجة ،وقد ترجم الى اليونانية ومنها الى اللغات الاوروبية .

يبدأ التقرير بتمهيد صغير يتضمن يتضمن قرار القرطاجيين بأن يقوم حنو بهذه الرحلة في ما وراء مضيق هرقل ( جبل طارق) ويؤسس هناك مستعمرات ومدنا ً فينيقية . فأبحر من قرطاجة باسطول مؤلف من ستين مركبا ً شراعيا ً ، مجهزا ً كل منها بخمسين مجذافا ً ، تحمل كلها ثلاثين الفا ً من رجال ونساء ، مع حاجاتهم من زاد وعتاد . ثم يسرد حنـّو أو احد اعوانه اخبار الرحلة فيقول :

بعد أن خرجنا من المضيق ، وابحرنا يومين جنوبا ً ، اسسما اول مدينة وسميناها ثمياتيروم (الصويرة اليوم) ثم تقدمنا في الجهة الغربية فوصلنا الى سولويس (اليوم رأس بوهادور) وهو رأس بري في ارض مكسوة بالاشجار، حيث شيدنا هيكلا ً للاله نبتون .

ومن هناك ابحرنا نصف يوم تجاه الشرق ، فوصلنا الى بحيرة فريبة من البحر وفيها مقاصف كثة كثيرة ، ترعى في جوارها الفيلة والحيوانات البرية، وبعد يومين من السفر جنوبا ً اسسنا خمس مدن قريبة من البحر .

ثم استأنفنا الابحار فبلغنا النهر الكبير اللكسوسيين (ريوده اورو – نهر الذهب) الذي تقيم على ضفافه قبيلة من الرعاة ، فأقمنا بينهم على ولاء مدة من الزمن .

وما دون بلاد اللكسوسيين يقيم الاحباش الوحشيون ، في ارض موحشة تحيط بها الجبال ، التي يجري منها كما يقال النهر لكسوس ، وبالقرب من تلك الجبال كهوف يقيم بها اناس مختلفوا الاشكال ، يصفهم اللكسوسيون بالعدو ، ويقلون انهم يستبقون الخيل .

توفقنا الى من يترجم لنا لسان الشعوب هناك ، فاصطحبنا المترجمين .

وبعد ثلاثة ايام من السفر بالقرب من سواحل قاحلة بلغنا خليجا ً فيه جزيرة صغيرة اسسنا فيها مستعمرة اسميناها كرني .

وقد تبين لنا من المسافة التي قطعناها وهي طول المسافة من المضيق الى قرطاجة اننا في كرني على خط مستقيم منها .

سافرنا من كرني في نهر كبير يدعى كريتس(نهر سان لويس) فوصلنا الى بحيرة فيها ثلاث جزر اكبر من جزيرة كرني . وبعد يوم من السفر في النهر جئنا على آخر البحيرة القائمة عندها جبال كثيرة يسكنها قوم وحشيون ، يلبسون جلود الحيوانات البرية ، فرشقونا بالحجارة ليمنعونا من النزول الى البر .

عدنا ادراجنا فوصلنا الى نهر آخر كبير تسبح فيه التماسيح والافراس النهرية، فعدنا منه الى كربي .

ومنها واصلنا السفر جنوبا ً قريبين من السواحل التي يقطنها الاحباش فكانوا يجزعون لقدومنا ، ويفرون هاربين .وما كنا نفهم لسانهم ولا فهمه الادلاء اللكسوسيون .

وبعد اثني عشر يوما ً من السفر دنونا من جبال عالية مشجرة بالاشجار الجميلة الشكل ، الطيبة الاريج . فابحرنا بالقرب منها يومين ، فبلغنا من البحر جونا ً واسعا ً الى كلا جانبيه سهل فسيح . رأينا النيران تشتعل ليلا ً في شتى النواحي منها . وقد تزودنا من هناك بالماء ، وأستأنفنا الرحيل دون أن نبعد عن السواحل . فوصلنا بعد خمسة ايام الى جون عظيم قال لنا المترجمون انه يدعى الرأس الغربي ( سيراليون الرأس والجون وعندهما مدينة فريتون) وفيه جزيرة كبيرة ، فيها بحيرة مالحة وفي البحيرة جزيرة اخرى ، ما رأينا فيها نهارا ً غير الاشجار (جزيرة شربورو).

ولكننا في الليل شاهدنا النيران تشتعل في اماكن متعددة ، وسمعنا اصوات العزف على القصب والصنوج والطبول ، تصحبها اصوات ثجاجة عجاجة . فعرانا الخوف،وأمر المنجمون بأن نخرج من الجزيرة (جزيرة مكولي) .

فسارعنا منها مبحرين ، فمررنا ببلاد تشتعل فيها النيران ، ويفوح منها الطيب . وكنا نرى الشرر واللهيب يسريان من النيران الى البحر . فأقلعنا منها والذعر مستول ٍ علينا . فجئنا بعد أربعة أيام الى بلاد أخرى تضطرم فيها النيران . فبدت كأنها شعلة واحدة عظيمة ، في وسطها علم كذلك مشتعل يتطاير الشرر والهيب منه ، فتحسبهما وصلا الى النجوم . وفي اليوم التالي علمنا انها ربوة تسمى عربة الالهة (رأس بلماس).

وفي اليوم الثالث ، بعد ارتحالنا من هذا المكان ، لشدة ما كان من الحر ، وصلنا الى جون يدعى القرن الجنوبي (رأس النقاط الثلاث) فيه جزيرة مثل التي مررنا بها ، فيها بحيرة ، وفي البحيرة جزيرة أخرى يقطنها قوم برابرة، اكثرهم من النساء يكسو الشعر اجسامهم جميعا ً .اسماهم الدليل غر لا ( هي طائفة الغوريلا من القرود).

طلبنا الرجال منهم ففروا هاربين ، فطاردناهم وما أدركنا احدا ً منهم ، كانوا يعدون بين الصخور ، ويقفزون فوقها ، وهم يرشقوننا بالحجارة .

أما النساء فقد ظفرنا بثلاث منهن . ولكنهن سطون على حراسهن باسنانهن وايدهن ، وهن يحاولن التفلت والفرار . فقتلناهن وسلخنا جلودهن ، فحملناها الى قرطاجة وعلقناها هناك في هيكل جونو.

وما تقدمنا بعد ذلك في السفر لنفاذ زادنا .

             

من جبل طارق الى سان لويس ودكار ، الى غمبيا وغينه الفرنسية ، الى كوناكري والسنغال الى سيراليون ، الى شواطئ العاج والذهب ، الى سكوندي وأكرا – هذه اسماء يعرفها اللبنانيون وخاصة ابناء الجنوب ، اولئك الذين هاجروا الى تلك الاصقاع في اوائل القرن العشرين ، بعد الفين واربعمائة سنة من رحلة حنو القرطاجي (الصوري الاصل والجذور) . فكان اولئك القرطاجيون (احفاد صور العظيمة) هم المكتشفين ، وكان اولئك اللبنانيون هم المستثمرين .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©